السيد المدير العام: تحية طيبة وبعد؛

يسر المسؤولين بإدارتكم أن يغنموا الفرص كلما تعلق الأمر بالحديث عن الأرقام والمنجزات السجنية ليوهموا الرأي العام بأن كل شيء على ما يرام وأن “العام زين” وأن هذه الإدارة لم تشخ كما يدعي البعض بل لا زالت في عز عطائها وقمة نشاطها.

سبق لكم السيد المدير العام في سياق حديثكم عن السجن والسجناء في إحدى المناسبات غير البعيدة أن أشدتم بما حققتموه من إنجازات عظيمة في إصلاح السجناء، وأن من بينهم مؤهلين مهنيين وحاصلين على شواهد عليا وأن أحدهم حصل على الدكتوراه داخل السجن!

إن ما يلاحظ على تصريحكم أن سياسة تزيين الواجهة والعزف على وتر الأرقام المهولة التي ما انفكت عنها إدارة السجون منذ عقود لا زالت تتحكم فيكم وفي إدارتكم لدواليب هذه المديرية. وأقل ما يمكن أن توصف به هذه السياسة أنها تزييف للواقع وإظهاره بخلاف ما هو عليه. إنها سياسة تبريرية فاشلة لم تعد تقوى على مواجهة الواقع المرير المهترئ إذ سرعان ما سينكسر ما تحاولون تأسيسه عليها على صخرة المشاكل الجسيمة التي تفوق صلابتها هشاشة ادعاءات إدارتكم وتمويهاتها.

وحتى أصحح أو أضيف إلى تلك الأرقام التي أشدتم بها أقول: إن عدد الحاصلين على الشواهد العليا يفوق خمسة عشر سجينا، اثنان منهم حصلا على شهادة الدكتوراه وستة يحضرون رسائلهم لنيل تلك الشهادة والباقون حاصلون على دبلوم الدراسات العليا المعمقة(D.E.S.A) ، وهؤلاء أغلبهم من المعتقلين السياسيين.

لكن السؤال الذي يلح نفسه علينا هو كيف نال هؤلاء المعتقلون تلك الشواهد العليا؟ وما الدور الذي قامت به إدارتكم في ذلك؟

ففيما يتعلق بالشطر الثاني من السؤال، فإننا لا نفشي سرا إن أكدنا على غياب أي دور لإدارتكم في صنع هذا الإنجاز العظيم بل إنها استقالت تماما عن أداء مهمتها التربوية والإصلاحية بل عن توفير حدود دنيا من الشروط الضرورية لذلك الإنجاز.

إن ما أنجزه هؤلاء المعتقلون كان بفضل الله قبل كل شيء، ثم لم يكن ليتحقق لولا ذلك الاستقرار المعنوي والمادي اللذين حرصوا على توفيرهما بعد نضالات مريرة وتضحيات جسيمة سقط في سبيلها شهداء على إثر إضرابات عن الطعام وفقد بموجبها عدد من المعتقلين لقواهم وأنهكوا خلالها وأثخنوا جراحا وإصابات وعاهات مستدامة.

إن هذا السجن مقرون في الذاكرة الشعبية بالعذاب الأليم، وهو كذلك في واقع الأمر خاصة في غياب بعض الشروط المادية والمعنوية.

فلا يظن ظان أن حصول السجين على شهادة عليا مثل الدكتوراه، يعجز عن تحصيلها كثيرون خارج السجن حيث شروط البحث والعمل أفسح عما هي عليه داخله، هو عمل هين لامتلاك السجين لوقت فارغ يساعده على ذلك، بل هو على العكس من ذلك، لأن هذا الفراغ في ظل عوامل القهر واليأس يصير جحيما يعمل في نفسية السجين بمعول الهدم أكثر مما هو عامل بناء.

إن الاستقرار المعنوي الذي عاشه المعتقلون السياسيون خاصة والذي ساعدهم على ذلك الإنجاز يكمن في تلك الظروف المعنوية التي حققوها طيلة سنوات حيث الحقوق مضمونة وحدود دنيا من الأمن والسكينة والثقة التي كافحوا من أجلها.

هذا الاستقرار الذي تحاول إدارتكم اليوم أن تهزه من خلال تلك الحملة الشرسة التي تطول هؤلاء المعتقلين والإرهاب الممارس عليهم وعلى عائلاتهم حيث التهديد ومحاولة سحب كل ما ناضلوا من أجله واكتسبوه خلال عقدين من الزمن، بل والإجهاز على صفة أساسية ظلت لصيقة بهم منذ أن زج بهم في دهاليز سجونكم الكئيبة، وهي صفة الاعتقال السياسي. هذه الصفة تقتضي وضعية خاصة وتفضي إلى حقوق متميزة. ألا تظنون السيد المدير العام أنكم بعملكم هذا تنقضون ما تشيدون به في تصريحاتكم التي لا تمت إلى الواقع بصلة؟

أما الاستقرار المادي الذي ساعدنا على ما أنجزناه فإنه كامن وراء تلك المكاسب المادية الدنيا من قبيل السكن اللائق والتغذية المناسبة والوضعية الصحية المستقرة نسبيا وكذا ذلك التواصل مع العالم الخارجي من عائلات وأصدقاء ومتعاطفين معنا وما يمكن أن يمدونا به.

ولا يفوتني هنا أن أنبه إلى كون وضعيتنا لم تبلغ ذلك الحد الأدنى من الاستقرار المادي لولا تضحيات ذوينا ومحبينا وإخواننا وما يؤثرون به علينا ولو كانوا في أمس الحاجة إليه، ليضمنوا لنا حدودا دنيا من ذلك الاستقرار.

وللإشارة أيضا فإن إدارتكم لم تحرك ساكنا فيما يخص التعليم، الذي له علاقة مباشرة بما نحن بصدده، وما يتطلبه من تبعات والتزامات، ابتداء من التسجيل الذي ناضلنا وراسلنا من أجله مباشرة المسؤولين بالجامعة لقبول تسجيلنا، وتأتي إدارتكم بعد ذلك لتجني الثمار وتسجل في لوائحها أن لديها كذا وكذا طالبا جامعيا! كما لم تكلف نفسها عناء البحث عن المقرر أو حتى تزويدنا بعناوينه الرئيسية، بل وإنا لم نحصل منها حتى على تواريخ ونتائج الامتحانات إلا بعد فوات الأوان بعد أن يكد ذوونا وأصدقاؤنا في الحصول عليها وتزويدنا بها. أما التسجيل بالسلك الثالث فدونه أشواك نضال بأيد عزلاء مدة تفوق سنتين، ولم تسهم إدارتكم في ذلك بشيء سوى أنها كانت ساعي بريد بيننا وبين الجهات المعنية، ولم يتم ذلك إلا بعد أن تدخل أقاربنا لدى الجهات المسؤولة وبمساعدة بعض الأساتذة الذين لهم علينا دالة ونحن لهم ممتنين.

ويا ليت إدارتكم اكتفت بهذا التخاذل في القيام بواجبها فحسب، بل إنا نجدها اليوم تسعى جاهدة لحرماننا من هذا الدعم المادي الذي حظينا به من قبل ذوينا ومحبينا، بمنع الزيارة التي كنا نتواصل من خلالها مع الطلبة الباحثين الذين كانوا يزودوننا بالمقررات والمراجع وتوجيهات الأساتذة. أتظنون السيد المدير العام أننا كنا لنقوى على نيل شهادة الدكتوراه لولا تلك المراجع التي تفتقد إدارتكم لأبسطها والتي كان أولائك الأفاضل يكدون ويجهدون كي نحصل عليها؟

فماذا نفهم من سعيكم لحرماننا من الزيارة سوى قطع تلك الصلة وذلك التواصل وضرب ذلك الاستقرار الذي لم يكن لكم فيه يد، ومن ثم نقض ما كنتم تشيدون به في تصريحاتكم.

إن ما تسعون إليه من هذا الحصار الداخلي والخارجي المضروب على هؤلاء المعتقلين السياسيين لا يمس إدارتكم فحسب بل يتعداه إلى المساس بسمعة بلاد بأكملها حيث إن ذلك يعد إسهاما في التجهيل وضرب طلب العلم وصد طلبة باحثين عن الحصول على شواهدهم العليا التي بها يتسنى لهم خدمة هذا البلد العزيز.

ولتذكيركم السيد المدير العام فإن للمعتقل السياسي حقوقا ومكتسبات لصيقة به منذ عهد المستعمر الغاشم وأخرى تعارف عليها الواقع السجني منذ عقود لا تقوى إدارتكم الحالية على التراجع عنها لمجرد انغلاقكم على المسطور من القوانين وإصداركم من داخل مكتبكم لوابل من التعليمات والمذكرات دون أن تكلفوا أنفسكم عناء البحث والانتقال إلى السجون التي ستسألون عنها يوما ما. لقد ناهز تنصيبكم على رأس هذه الإدارة السنتين ولم تطأ قدمكم أرض هذا السجن إلا مرتين خاطفتين، وكأنكم تهابون شيئا به يؤرقكم ويقض مضجعكم أو أن الأشباح تطاردكم كلما فكرتم بتفقد أحوال السجناء هنا.

لقد كان يجدر بكم أن تنكب إدارتكم على إصلاح أحوالها وأوضاع السجون المكتظة جنباتها والغارقة في أوحال الأمراض والمشاكل والفساد الذي فاحت رائحته وأزكمت الأنوف، بدل أن تصبوا جم غضبكم على ثلة من الشرفاء الأبرياء الذين يحلو لكم أن تفتخروا بمنجزاتهم حين تودون تسويد صفحات بياناتكم المغلوطة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إمضاء: الدكتور محمد اللياوي (معتقل سياسي من معتقلي العدل والإحسان بالسجن المركزي بالقنيطرة)