تميزت التصريحات التي أدلى بها المسؤولون السياسيون في البلاد، عقب الأحداث التي عرفتها الدار البيضاء، بترديد سلسلة من الموضوعات . أكثرها حد ة هو منع “كتلة سديمية” تتكون من بعض الجمعيات غير الحكومية والصحافة المستقلة ومن بعض رجال السياسة .

وبنوع من المسرحة الزائدة والنزعة التبسيطية تردد هذا الخطاب على ألسنة بعض المقربين من السلطة حتى فى البرامج المتلفزة الفرنسية .

وهناك ثلاثة اتهامات توجه في هذا الصدد.

استغلال الديمقراطية

بصفة عامة، يلام هؤلاء “الذين يحولون دون حراسة الديمقراطية الدائرية” باستعمال فضاءات الحرية التي منحها العهد الجديد من أجل القدح في عمل السلطات. والنتيجة الطبيعية هي أن الوصول إلى نوع من التنقيص من قيمة الدولة يؤدي إلى العصيان إن لم يكن إلى الفوضى. ويمكن مواجهة هذه الحجة بالقول إنه لكي يكون هناك استغلال للديمقراطية ، يتعين أولا أن تكون هذه الديمقراطية موجودة. إذ أن النظام المؤسساتي المغربي لا يتساهل مع وجود سلط مضادة. فالسلط الأربع (السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية والسلطة الدينية ) توجد بين يدي الملك. وإذا كان صحيحا أن المغرب يعرف مسلسلا انتخابيا، فإن شفافية هذا الأخير تبقى دائما ملطخة بمناطق الظل. ثم إنه حتى في حالة عدم التدخل في الانتخابات ، فإن المِؤسسات الناتجة عنها لا تتوفرعلى القوة الكافية أمام السلطة الملكية. في هذه الشروط يصعب على المرء الحديث عن أية سلطة خارقة يمكن للفاعلين في المجتمع المدني التوفرعليها. فالبرلمان الضعيف والعدل الذي يخضع للتعليمات لا يمكنهما أن يصلحا كبديل لما تطالب به الجمعيات الحقوقية وتحقيقات الصحافة. يبقى هناك، بطبيعة الحال ، نوع من حرية التعبير. وهي حرية يمكنها بالفعل “تنسيب” الخطاب الرسمي وممارسة التأثير على الرأي العام الوطني والدولي. إن المنظمات غير الحكومية. شأنها فى ذلك شأن الصحافة، لا يملكان سلطة إكراهية مباشرة، غير أنهما بالمقابل . يستطيعان التأثير على المواطنين. وخلافا للسلطة، فإن التأثيرلا يوجد إلا إذا كان الذين يبحثون عنه يتوفرون على مصداقية حقيقية .

فلا أحد يفرض على المغاربة تصديق ما تكتبه الصحافة المستقلة، أو تصديق بلاغات الجمعية المغربية لحقوق الإنسان . ومنتدى الحقيقة والإنصاف. وإذا كان الأمركذلك. فلأن المواطنين، بكل بساطة استحسنوا صدق هذه المنظمات واستقامتها. ومن الملاحظ مع ذلك، أن قوة التلفريون بكاملها، بصرف النظرعن الصحافة المكتوبة والإذاعة، المقربتين من السلطات، لم تنجحا في حجب الوزن الإعلامي لهذه المنظمات وهذه الصحافة.

التساهل الذى طالت مدته

لكنه تساهل إزاء من؟ فإذا كان المستهدفون مرة أخرى هي الجمعيات غير الحكومية والصحافة المستقلة، فإن هناك ما يبعث على الخوف. من سيصدق أن عبد الحميد أمين، وأصدقاءه في الجمعية المغربية لحقوق الانسان. قد استفادوا من نظام تساهلي إلى يومنا هذا؟ بل إن حليمة عادت إلى عادتها القديمة، حين عميت السلطة ومعها وسائل الإعلام ولجأت لأكثرالمعاملات إذلالا وتعذيبا داخل مخافر الشرطة بمدينة أسفي. ماذا يمكن القول عن الصحافة المستقلة ؟ اسألوا علي المرابط حول ما إذا كان يشعر بأن السلطة توليه حظوة خاصة. إن هناك حربا اقتصادية حقيقية تشن ضد الصحافة المستقلة. وخيرمثال على ذلك المقاطعة الإشهارية. إذا كان كل هذا الضغط المقنع ينتمي إلى التساهل فماذا بإمكان المرء أن ينتظر اليوم؟ هل الاختطافات والاغتيالات؟ هذا مع أن حجة التساهل نجدها حاضرة بقوة حين نعد الأشخاص المستفيدين من السلطة أن بالإمكان مثلا وضع حد لتساهل المجلس الأعلى للحسابات الذي يبدو أنه نسي بعض الملفات الساخنة التي يتورط فيها أحد وزراء السيادة.

وبالإمكان كذلك إجراء بحث حول الذين أثاروا حد الهيجان حكاية تالسينت، التى تبقى مع ذلك أخطر محاولة لضرب مصداقية الملكية في ظل العهد الجديد. وبالإمكان أيضا الكشف عن أولئك الناهبين الذين أوصلوا “القرض العقاري والسياحي” إلى حافة الإفلاس، متجنبين هذه المرة محاولة تلطيخ سمعة الأشخاص الطيبين الذين حاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه داخل هذه المؤسسة البنكية.

الأمثلة كثيرة والتمرين في نهاية الامربسيط جدا.

المعارضة الممنهجة

التهمة تعتبر خطيرة ، لكنها تدفع، مع ذلك، إلى الحيرة، ذلك أنه في نهاية المطاف، حتى وإن كان هذا صحيحا. فهل تعتبرالمعارضة الممنهجة جريمة؟ وهو أمرلن يغدو إشكاليا إلا إذا كان الصوت الوحيد الذي يسمعه الناس هو صوت “المعارضين الممنهجين” ومثلما أشرنا إلى ذلك سابقا. فإن أقل ما يمكن أن يقال هو أن السلطة استطاعت ضبط الجزء الأكبرمن الحقل الإعلامي، ومن المثير، في ظل هذه الشروط أن يصل المزعجون إلى الحصول على صوت مهيمن.

لنتحدث بصورة ملموسة: ماهي هذه الموضوعات الكبرى المتنازع حولها التي أثارت حفيظة وغضب المغرب الرسمي؟ هل هي النضال من أجل حقوق الإنسان ؟ إن التقريرالذي نشرته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان هو بالكاد أكثر تساهلا مع السلطات من التقريرالأمريكي.

ومن الأهمية بمكان، كذلك الاطلاع على مختلف الاتهامات بأشكال التعذيب الموجهة إلى المصالح السرية المغربية التي نشرتها “الواشنطن بوست” قبل ثلاثة أشهر. وأعادت نشرها “نيويورك تايمز” واليومية اللندنية “الأندبندانت” في سياق تعليقهما على ما بعد16 ماي. هناك موضوع آخر يعتبر بمثابة طابو: عتاقة الدستورالمغربي. هنا أيضا نجد أن “وول ستريت جورنال”. التي لا تتطابق إلا بصعوبة مع النزعة اليسارية التي نددت بها وفضحتها سميرة سيطايل عبرإنجازاتها المتلفزة بفرنسا، اعتبرت أن من أسباب التخلف الاقتصادي لبلادنا سلبيات الدستورالمنافي للديمقراطية .

إن حرية الصحافة، ومن أبرز وجوهها اليوم علي المرابط هي كذلك حجرة أخرى في حديقة السلطة لا يبدو أن “المعارضين الممنهجين” هم وحدهم من يثيرها اليوم، فأسبوعية “الإكونوميست”. الأكثر تأثيرا في العالم فيما يبدو، اعتبرت أن محنة علي المرابط دليل على أن السلطة المغربية قد استخلصت الدروس السيئة من أحداث 16 اماي. أما فيما يتعلق بقانون مكافحة الإرهاب، فإنه ينبغي أولا رفع هذا الالتباس الذي يقول أن العمليات وقعت لأن القانون لم يتم التصويت عليه، لقد تم تقديم هذا القانون على وجه السرعة بعد الكشف عن سلسلة من الاختطافات التي من المحتمل أن تكون قد قامت بها مصالح الأمن. وكانت النتيجة تلك الأصوات المتعالية، خصوصا بفضل العمل الذي قامت به خديجة الرويسي التي هددت بخوض إضراب عن الطعام إذا لم تكشف السلطات عن ظروف اختطاف ثلاثة مواطنين يشتبه في انتمائهم إلى جماعات إسلامية متطرفة. وبشكل مفاجىء تم الإفراج عن اثنين منهما. في حين قدم الثالث إلى وكيل الملك أخيرا. كان الأمر يتعلق بهذا الاختطاف الذي دام لعدة شهور، أكثرمن المدة التي يسمح بها القانون المقدم على كل حال .

إن النبرة الحادة التي تحدثت بها السلطة ليست في محلها. ذلك أن مكونات المجتمع المدني التي استهدفها غضب النظام هى بدورها مسلحة بشكل جيد لمواجهة النزعة الظلامية الإسلامية فكريا وسلميا. ثم ليس كل الإسلاميين ظلاميين.

يجدر بنا هنا التذكير بتساهل الملكية إزاء الإسلام السياسي، فسياستها التعليمية المعادية لليسار، في الستينيات والسبعينيات، قد فسحت المجال لشحن الأدمغة. ورفضها للعلمانية أضعف عددا من المناضلين الديمقراطيين في صراعهم الفكري مع الإسلاميين. زد على هذا أن عدم ممارسة الضغط الكافي لدعم سعيد السعدي في معركته من أجل “خطة إدماج المرأة في التنمية” يقلل صراحة صورة الملكية الحداثية. وحتى إذا كان يجب التنويه ببعض الحركات الرمزية وبعودة تدريس الفلسفة وعلم الاجتماع في الثانويات والجامعات.

في ظل العهد الجديد، فإن الوصول إلى الحداثة يبقى متذبذبا أكثر فيما هو واقع ملموس .

إن الخطاب الاستئصالي ضد الإسلاميين الذي نسمعه اليوم هو بكل تأكيد الجواب الخاطىء على أحداث 16 ماي، وهو كذلك خطاب قد يدفع المجتمع ثمنه غاليا فى المستقبل. أضف إلى ذلك أن جميع الإسلاميين ليسوا إرهابيين بالقوة ، فوزنهم الإجتماعي حقيقة واقعية وتمثيليتهم ليست ضربا من الخيال . وبالتالي، فإن إدماج الإسلاميين الذين يرفضون العنف،ويقبلون بقواعد النقاش الديمقراطى يعتبرمكسبا للديمقراطية المغربية المتلكئة. فبإلغائها لمجالات وفضاءات النقاش والجدال التي ستسمح للمجتمع بالتطور السلمي في اتجاه الحداثة ، وبتركها لبعض العناصر الأمنية المصابة بالسعار تعتلي المنابر، فإن السلطة قد تهيىء لنا أحداث 16 ماي أخرى.