الخوف من الله هو دأب المتقين من عباد الله الصالحين، فهم الذين{إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادنهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} وهم الذين {يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا فقنا عذاب النار} وهم الذين { يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} وهم الذين { يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} وهم الذين {يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون. أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون}.

هكذا عرض الله علينا ما شاء من أقوالهم واعمالهم، فكانوا {يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون} ولم يكونوا {كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون. لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة هم الفائزون}

إن الخوف من الله محمود على كل حال، لا سيما إذا اجتمع مع الرجاء في قلب العبد عند مفارقة الحياة.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن الرسول ( دخل على شاب وهو في الموت، فقال :” كيف تجدك؟” فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال الرسول ( :” لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجوه، وأمنه مما يخاف”

إن كثيرا من الناس يشتد بهم الخوف خصوصا عند الاحتضار، ومن الوقوف على أحوال بعضهم تبين أن خوفهم متنوع بالنظر إلى الداعي إليه، فمن الناس من يخاف من لقاء الله، ويرى أنه قد فرط فيما كان ينبغي له من الحياة، ومنهم من يخاف من ألا تقبل طاعته فترد عليه حسناته، ومنهم من يخاف حياء وخجلا من الله لما كان قد تلبس به من بعض الاعمال، ومنهم من يخاف من النار وسحب العصاة إليها، ومنهم من يخاف مما بعد الموت بصفة عامة، ومنهم من كان خائفا فظهرت عليه إحدى علامات الأمن عند موته.

وإليك نماذج ممن اقترنت شدة خوفهم بالموت.

مشهد خائف من لقاء الله

قال عبد الواحد بن زيد: كان أبو محمد حبيب الفارسي قد جزع جزعا شديدا عند الموت، فجعل يقول بالفارسية: أريد أن أسافر سفرا ما سافرته قط، أريد أن أسلك طريقا ما سلكته قط، أريد أن أزور سيدي ومولاي، وما رأيته قط، أريد أن أشرف على أهوال ما شاهدت مثلها قط، أريد أن أدخل تحت التراب فأبقى تحته إلى يوم القيامة، ثم أوقف بين يدي الله، فأخاف أن يقول لي يا حبيب هات تسبيحة واحدة سبحتني في ستين سنة لم يظفر بك الشيطان فيها بشيء؟ فماذا أقول وليس لي حيلة؟

أقول: يارب هو ذا قد أتيتك مقبوض اليدين إلى عنقي.

قال أبو زكرياء: قالت امرأة حبيب: كان يقول: إن مت اليوم فأرسلي إلي فلان يغسلني وافعلي كذا، واصنعي كذا فقيل لامرأته: أرى رؤيا؟ قالت: هذا يقوله كل يوم.

من (صفة الصفوة ج 3 ص 320)

مشهد خائف من رد طاعته عليه

قال عبد الله بن الجلاء: كنت بذي الحليفة وأنا أريد الحج، والناس يحرمون، فرأيت شابا قد صب عليه الماء يريد الإحرام وأنا أنظر إليه، فقال: يارب أريد أن أقول لبيك اللهم لبيك، وأخشى أن تجيبني: لا لبيك ولا سعديك.

وبقي يردد هذا القول مرارا كثيرا، وأنا أتسمع عليه، فلما أكثر قلت له:

ليس لك بد من الإحرام.

فقال يا شيخ أخشى إن قلت لبيك اللهم لبيك، أجابني:” لا لبيك ولا سعديك.”

فقلت له: أحسن ظنك وقل معي لبيك اللهم لبيك.

فقال لبيك اللهم وطولها، وخرجت نفسه مع قوله اللهم فسقط ميتا.

من (صفة الصفوة ج 4 ص 408)

مشهدان لخائفين غلب عليهما الحياء من الله

قال أبو الأديان: ما رأيت خائفا إلا رجلا واحدا، كنت بالموقف، فرأيت شابا مطرقا منذ وقف الناس غلى أن سقط قرص الشمس، فقلت:

ياهذا أبسط يديك بالدعاء.

فقال: ثم وحشة.

فقلت هذا يوم العفو عن الذنوب.

فبسط يديه، ففي بسط يديه وقع ميتا.

من (صفة الصفوة ج 4 ص 410)

وقال ابن خلكان: قيل لأبي الأسود الدؤلي عند الموت: أبشر بالمغفرة.

فقال: وأين الحياء ممن كانت له المغفرة؟

من (وفيات الأعيان ج 2 ص 539)

مشهد خائف من أن يلقى الله وقد تداوى بالحرام

كان الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن زنكي قد مرض بالقولنج جمعتين ولما اشتد به الألم وصف له الأطباء قليل خمر. فقال: لا أفعل حتى أسأل الفقهاء.

فسألهم فأفتوه، وسأل العلامة الكاشاني فأفتاه أيضا، فلم يقبل وقال:

إن كان الله قد قرب أجلي أيؤخره شرب الخمر؟

قال: لا.

قال: فوالله لا لقيت الله وقد فعلت ما حرم علي.

فمات ولم يشربه – رحمه الله، وذلك في رجب سبع وسبعين وخمسمائة

من (الوافي بالوفيات ج 9 ص 222)

مشاهد بعض الخائفين من النار

روى أبو عبد الله الحاكم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن فتى من الأنصار دخلته خشية الله،فكان يبكي عند ذكر النار، حتى حبسه ذلك في البيت، فذكر ذلك لرسول الله ( فجاءه، فلما دخل عليه اعتنقه النبي ( وخر ميتا، فقال النبي ( ” جهزوا صاحبكم فإن الفرق فلذ كبده” (يعني أن شدة الخوف قطعت كبده).

وفي رواية لابن أبي الدنيا عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي ( أتاه، فلما نظر إليه الشاب قام فاعتنقه وخر ميتا، فقال النبي ( ” جهزوا صاحبكم فإن الفرق فلذ كبده، والذي نفسي بيده لقد أعاذه الله منها، من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه”.

من (حياة الصحابة ج 3 ص 253)

قال ابن خلكان:

لما حضر إبراهيم النخعي الوفاة جزع جزعا شديدا فقيل له في ذلك فقال:

وأي خطر أعظم مما أنا فيه؟ إنما أتوقع رسولا يأتي علي من ربي، إما بالجنة، وإما بالنار.

والله لوددت أنها تتلجلج في حلقي إلى يوم القيامة، يعني الروح.

من (وفيات الأعيان ج 1 ص 25)

ونقل القاضي عياض عن يونس بن عبد الأعلى أن عبد الله بن وهب قال:

إن أصحاب الحديث طلبوا مني أن أسمعهم صفة الجنة والنار، وما أدري أأقدر على ذلك؟

ثم قعد لهم فقرأوا عليه صفة النار فغشي عليه، فرش بالماء وجهه، فقيل اقرأوا عليه صفة الجنة، فلم يفق، وبقي كذلك اثني عشر يوما.

قال ابن أخيه: شهدت عبد الله بن وهب يقرأ عليه في منزله (كتاب الأهوال) الذي كان يرويه أنه بلغه عن أبي هريرة رضي الله عنه وشهده أبو أسامة البكاء فأخذا في البكاء.

ثم إن أبا أسامة قام بتلك الرقة، وابن وهب على حالته من البكاء والقارئ يقرأ ، وابن وهب ينشج رافعا صوته، حتى أني لأحسب من كان على خمسين ذراعا يسمعه، فلم يزل كذلك حتى مال على الحائط الذي كان مستندا إليه، ثم احتمل إلى منزله، فلم يزل على حاله لا يعقل حتى توفي- رحمه الله

من (ترتيب المدارك ج 3 ص 241)

ونقل القاضي عياض عن يحيى بن إسحاق حفيد أبي محمد يحيى الليثي أن أباه قال له: دخلت أنا وعبد الملك زونان على أبي يحيى وهو مريض، فسأله عن علته فقال له:

يا أبا الحسن إنه ليخفف عني ما أنا فيه تفكري في عظيم ما له خلقت.

قال أبي فكان زونان يردد هذا من كلامه، ويعجب به.

وقال له مرة أخرى:

يا أبا الحسن: ليتني أزحزح عن النار، على ألا أسمع بذكر الجنة

من (ترتيب المدارك ج 3 ص 294)

وقال الشيخ عبد الرحمان الدباغ: صام ابو محمد المسوحي المتعبد حتى اسود، وصلى حتى أقعد، وبكى حتى عمش، فلما حضرته الوفاة قال: واحزني إلى أين يسلك بي؟ توفي- رحمه الله- سنة ست وثلاثمائة.

من (معالم الإيمان ج 2 ص 230)