من العبث أن نقرأ التاريخ بمنظار غير إسلامي إذا ما أردنا تسليم الحداثة, لأن الحداثة هي المظهر الحديث للابتلاء, ولأن قصص الأنبياء لم ترد في القرآن للتسلية بل للاعتبار والاقتداء.

حقا إن التحدي الصهيوني يفعل فعله في الواقع المعيش وفي نفسانية العرب والمسلمين وغير المسلمين, لكننا إذا عزلناه وضخمناه متأثرين بهمومنا وآلامنا, أصبح عائقا يستحيل تجاوزه. أما إذا وضعناه في السياق التاريخي الإسلامي وقسناه بمقياس التاريخ الإسلامي فإنه يصبح مجرد هبة ريح عابرة.

فالقراءة القرآنية للتاريخ كفيلة بأن تحصر آلام الحاضر وهزائمه ونكساته في أبعادها النسبية. لأن “القضايا” و “المشاكل” التاريخية تتحدد حسب هذه الرؤية انطلاقا من ظرف شاسع معقد -كما يحلو لمفكري ما بعد الحداثة أن يصفوه- وانطلاقا أيضا من الزمن. لهذا لا يمكن للنشرات الخاطفة أو المقتطعات الانطباعية الموصولة بالمستعجلات السياسية أن تربطنا حقا بالتاريخ. حذار إذن أن تقطع الأحداث وأفعال البشر وضرورة التدافع صلتنا بالمطلق وبالموعود الرباني.

لكن انتسابنا إلى البعد الرباني وإلى استمرارية تتجاوز حدود التاريخ لا يعني أبدا أننا نفر من المعركة الحاضرة المحسة, بدليل استبسال المنظمات الإسلامية في فلسطين وفي جنوب لبنان. وإرسال حماس والجهاد وحزب الله أفضل عناصرها إلى ساحات الاستشهاد برهان على أن المؤمنين ليسوا جبريين فاترين. تحد ومقاومة لا يميزها عن نضال الشعوب المستضعفة سوى الحافز الروحي السامي هنا, الوطني الإيديولوجي هناك.

فالرهبان البوذيون الذين يضرمون النار في أجسادهم, والوطنيون التيبتيون لا يتميزون عن القنابل البشرية في فلسطين إلا بكون سمو الغاية لدى الفلسطينيين ترقى بهم إلى مستوى التاريخ, بينما تبقى الوطنية والثورة على الظلم لصيقتين بالمستوى البشري العادي. لذلك لا يستطيع الإسلاميون المناهضون للاحتلال الإسرائيلي, المتطلعة أرواحهم إلى فاطرها, أن يفلتوا من الأحكام السطحية العدوانية التي يرشقهم بها أعداؤهم, لا يمكنهم وهم يقارعون الباطل فوق هذه الأرض, أن يستسلموا للذهول التأملي, خاصة حين إصدار قرار مصيري معين, محكومون هم بقانون الصراع الأرضي, عدوهم يلاحقهم بقذائف التشنيع والتشويه: أن كل المحاربين الفلسطينيين مثل باقي الإسلاميين إرهابيون …

أسلمة التاريخ تقتضي قراءة صائبة لكلام الله العزيز الحكيم, موازية لنظرة متفحصة تستنطق الواقع, لأن الخضوع للسنة الإلهية لا يعني أبدا الاستغراق الخالد في انتظار متواكل. أسلمة التاريخ تعني قبول شرط المعركة كما قبلها رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه, والتشبث مثلهم بواجب الوقت, والإعراض عن المعارك الجانبية وآثارها, بذا يصبح “تداول الأيام” في حقك قدرا مقدورا. أن تعالج الجزئيات بكل تواضع خطوة خطوة, مدافعا المعتدي, مواجها التكالب العدواني باستماتة من يوقن أنه على حق.

أسلمة التاريخ لا تعني التحليق في سماء الأماني أو الاستلقاء على فراش الجبرية الوثير, والاحتماء بالقدر لا يبرر أبدا تثاقلي وتغيبي عن مواقع التدافع بينما تزحف الكارثة, وإلا أصبحت منبوذا خارج التاريخ.

فأفدح ما يمكن أن يصيب الشعوب المهزومة لجوؤها إلى المشاريع الضخمة تبنيها في سماء الآمال للتعويض عن نكستها, دون بذل أي جهد يعانق الواقع, مما يجعل اندحارها أمام الأعداء سهلا. إذ تنضاف الضحالة الفكرية حينئذ إلى جمود الأموات. فلطالما عانق العرب الحديثون حلم الوحدة التي لا تتحقق أبدا, وتمنوا ممارسة دور عالمي بعيد المنال بعد تحقيق أمل الاستقلال والقوة الذي ما أن تبدو طلائعه حتى يتبدد.

اليوم, بعد أن انطلقت الحركة الإسلامية لم يبق المجال لتشييد قصور الرمال, فالساعة ساعة العمل المتأني, الرفيق, المتواضع, العمل بعزم وثقة في الله عز وجل. لسنا في مأمن من ضربات العدو لذلك توصينا الآيات السابقة أن لا نهن ولا نحزن حين يمسنا القرح, أن نستطلع تاريخ الأنبياء القدوة, وننظر كيف أن الأقوام الذين تمردوا على الله قبل أن يزيحهم تداول الأيام من خط التاريخ, آذوا رسلهم, أهانوهم, طردوهم, عذبوا أتباعهم سطوا على ممتلكاتهم. لكن القرآن يطمئننا أيضا حين يذكر بأن مقاومة جور المستكبرين والنضال المستميت كفيلان بقطع دابر الظلمة وإغلاق فصل من فصول التاريخ ليبدأ فصل جديد. أما الذين ينظرون اليوم إلى المستضعفين من عل, فسيهوون غدا من أبراجهم.