عن العرباض بن سارية ( قال: وعظنا رسول الله ( موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يارسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا فقال: ” أوصيكم بتقوى الله والعمل والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي مجدع الأطراف؛ فإن من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار” .

ومعنى ” عضوا عليها بالنواجذ”اي اجتهدوا على وجه السنة لا على وجه البدعة، والزموا السنة واحرصوا عليها، كما يلزم العاض على الشيء بنواجذه خوفا من ذهابه وتفلته، والنواجذ: هي الأنياب وقيل هي الأضراس.

وروى ابن أبي الدنيا والحاكم وقالا صحيح الإسناد مرفوعا:” من اكل طيبا وعمل في سنة وأمن الناس بوائقه دخل الجنة”. قالوا يارسول الله إن هذا اليوم في أمتك كثير؟ قال: “وسيكون في قوم بعدي”.يعني قلائل.

وروى البيهقي مرفوعا:” من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد”.

وروى الحاكم وقال صحيح الإسناد على شرط الشيخين مرفوعا:” الاقتصاد في السنة احسن من الاجتهاد في البدعة”.

وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا: عن عمر بن الخطاب ( أنه قبل الحجر الأسود وقال:”إني لأعلم أنك حجرلا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ( يقبلك ما قبلتك”.

وروى ابن ماجة وابن حبان في صحيحيهما عن معاوية بن قرة عن أبيه قال:” لقيت رسول الله ( في رهط فبايعناه وإنه لمطلق الأزرار”.قال عروة بن عبد الله: فما رأيت معاوية ولا ابنه قط في شتاء أو صيف إلا مطلق الأزرار، وفي رواية إلا مطلقة أزرارهما.

وروى ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي عن زيد بن أسلم قال: رأيت ابن عمر يصلي محلولة أزراره، فسألته عن ذلك فقال: رأيت رسول الله ( يفعله.

وروى الإمام أحمد والبزار عن مجاهد وغيره قال: كنا مع ابن عمر في سفر فمر بمكان فحاد عنه، فسئل: لم فعلت ذلك؟ فقال:” رأيت رسول الله ( فعل هذا ففعلته” وقوله حاد: أي تنحى عنه وأخذ يمينا أو شمالا.

وروى البزار عن ابن عمر أنه كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها ويخبر أن النبي ( كان يفعل مثل ذلك.

وروى الإمام أحمد وغيره أن ابن عمر أناخ راحلته في مكان فقضى حاجته، وأخبر أن النبي ( قضى حاجته في ذلك المكان، وقال: أحببت أن أقضي حاجتي في موضع قضى في رسول الله ( حاجته.

قال الحافظ: والآثار عن الصحابة رضي الله عنهم في اتباعهم له واقتفائهم سننه كثيرة جدا. والله أعلم.

أخذ علينا العهد العام من رسول الله ( أن نتبع السنة المحمدية في جميع أقوالنا وأفعالنا وعقائدنا، فإن لم نعرف لذلك الأمر دليلا من الكتاب والسنة أوالإجماع أو القياس توقفنا عن العمل به، ثم ننظرفإن كان ذلك الأمر قد استحسنه بعض العلماء استأذنا رسول الله ( فيه ثم فعلناه أدبا مع ذلك العالم، وذلك كله خوف الابتداع في الشريعة المطهرة فنكون من جملة الأئمة المضلين.

وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله يقول: ليس مراد الأكابر من حثهم على العمل على موافقة الكتاب والسنة إلا مجالسة الله ورسوله ( في ذلك الأمر لا غير، فإنهم يعلمون أن الحق تعالى لا يجالسهم إلا في عمل شرعه هو ورسوله (، أما ما ابتدع فلا يجالسهم الحق تعالى ولا رسوله ( فيه ابدا، وإنما يجالسون فيه من ابتدعه من عالم أو جاهل، فعلم أنه ليس قصد أهل الله تعالى بعبادتهم حصول ثواب ولا غيره في الآخرة، لأنهم في الدارين عبيد، والعبد لايملك شيئا مع سيده في الدنيا والآخرة، إنما يأكل ويلبس ويتمتع بمال سيده، وسداه ولحمته من نعمته. ولو أن الحق تعالى أعطاه شيئا لوجب عليه التبري به إلى ربه، ولا يجوز له أن يشهد ملكه له طرفة عين. فلهذا المشهد خرجوا في جميع عباداتهم عن العلل النفسية فرضوا عن ربهم رضا مطلقا ورضي عنهم رضا مطلقا:{ ذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.

واعلم أخي أن من تحقق بالعمل بهذا العهد صار من رؤوس أهل السنة والجماعة في عصره، ومن لم يلقبه بذلك فقد ظلمه، ولا أعلم الآن أحدا في مصر تحقق بالعمل بهذا العهد وتقيد في أقواله وأفعاله وعقائده بالكتاب والسنة إلا بعض أفراد من العلماء، كالشيخ عبد الرحمان التاجوري المغربي وأضرابه رضي الله عنهم أجمعين.

قلت: وقد من الله تعالى علي بالعمل به في بعض أقوالي وأفعالي، فكذب والله وافترى من نسبني إلى البدعة المخالفة لجمهور أهل السنة والجماعة، فإن هذا ما هو نفس مبتدع، اللهم إلا أن يريد الابتداع في شيء من المباحات في الشريعة بحكم العمومات فهذا لا يحرج عليه في ذلك، لأن هذا الأمر قل من سلم منه من العلماء فضلا عن غيرهم كما هو مشاهد

فاعلم ذلك واحم سمعك وبصرك في حق العلماء، ولا تصغ إلى قول حاسد لهم قط إلا إن اجتمعت بأحدهم وقاوضته في الكلام في تلك البدعة، فإذا رأيته متخلقا بها وعرفته بأنها بدعة وصمم على العمل بها فهناك حذر الناس منه شفقة عليه وعلى المسلمين، حتى لايقع أحد منهم في إثم لا المبتدع ولا من تبعه. وإياك أن تحذر من اتباع العلماء بقول أحد من حسادهم من غير اجتماع به فربما يكون بريئا مما نسب إليه، فيكون عليك إثم قاطع الطريق على المريدين لاتباع الشريعة، فإنك حينئذ تحذر من اتباع السنة المحمدية، وهذا واقع كثيرا في الأقران في هذا الزمان، فترى كل واحد يحذر الناس عن آخر وكل منهما يزعم أنه من أهل الطريق السنة والجماعة، فيختل الأمر إلى عدم الاقتداء بواحد منهما، فالله يحمينا وأصحابنا من مثل ذلك بمنه وكرمه آمين .

وكان سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه يقول:” لا تكمل عبادة فقير حتى يصير يشاهد الشارع في كل عبادة عملها” يعني يعملها بحضرته على الكشف والمشاهدة، لا الإيمان والحجاب.

ثم قال: فإن قال قائل: ما دليلك على ذلك؟ قلنا له : قد رأيت النبي ( في واقعة من الوقائع فقلت له: يارسول الله ما حقيقة متابعتك في العمل على موافقة شريعتك؟ فقال: هي أن تعمل العمل مع شهودك للشارع حال العمل وبعد العمل.

ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى الإحاطة بأدلة جميع المذاهب المستعملة والمندرسة وأقوال علمائها حتى لا يكاد يخفى عليه دليل من أدلتهم ولا قول من أقوالهم في مأمور به أو منهي عنه أو مباح. ثم بعد ذلك لا بد له من شيخ صالح يسلم غليه نفسه يتصرف فيها بالرياضات والمجاهدات حتى يزيل عنه سائر الصفات المذمومة ويحليه بالصفات المحمودة ليصلح لمجالسة الله تعالى ورسوله ( فإن غالب الناس قد ادعوا مجالسة الله ورسوله ( مع تلطخهم بالقاذورات المانعة من دخول حضرة الله وحضرة رسوله ( فازدادوا مقتا وطردا.

فاعمل يا أخي على جلاء مرآة قلبك من الصدأ والغبار، وعلى تطهرك من سائر الرذائل حتى لايبقى فيك خصلة واحدة تمنعك من دخول حضرة الله تعالى أو حضرة رسول الله ( فإن أكثرت من الصلاة والسلام عليه ( فربما تصل إلى مقام مشاهدته( وهي طريق الشيخ نور الدين الشوني، والشيخ أحمد ازواوي، والشيخ محمد بن داود المترلاوي، وجماعة من مشايخ اليمن، فلا يزال أحدهم يصلي على رسول الله ( ويكثر منها حتى يتطهر من كل الذنوب، ويصير يجتمع به يقظة أي وقت شاء ومشافهة. ومن لم يحصل له هذا الاجتماع فهو إلى الآن لم يكثر من الصلاة والتسليم على رسول الله ( الإكثار المطلوب ليحصل له هذا المقام.وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله يقول: لا يكمل عبد في مقام العرفان حتى يصير يجتمع برسول الله ( أي وقت شاء، قال: وممن بلغنا أنه كان يجتمع بالنبي ( يقظة ومشافهة من السلف: الشيخ أبو مدين شيخ الجماعة، والشيخ عبد الرحيم القناوي، والشيخ موسى الزولي، والشيخ أبو الحسن الشاذلي، والشيخ جلال الدين السيوطي، كان يقول: رأيت النبي ( واجتمعت به نيفا وسبعين مرة.

وأما سيدي ابراهيم المتبولي فلا يحصى اجتماعه به لأنه كان في أحواله كلها ويقول: ليس لي شيخ إلا رسول الله ( وكان الشيخ أبو العباس المرسي يقول: لو احتجب عني رسول الله ( ساعة ما عددت نفسي من جملة المؤمنين.

واعلم أن مقام مجالسة رسول الله ( عزيزة جدا، وقد جاء شخص إلى سيدي علي المرصفي وأنا حاضر فقال: ياسيدي قد وصلت إلى مقام صرت أرى رسول الله ( يقظة أي وقت شئت، فقال له: ياولدي بين العبد وبين هذا المقام مائتا ألف مقام وسبعة وأربعون ألف مقام، ومرادنا تتكلم لنا يا ولدي على عشر مقامات منها، فما درى ذلك المدعي ما يقول وافتضح. فاعلم ذلك { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.