دأبت أمريكا منذ سنين في أن تلحَّ برغبتها تصدير ما تسميه ” الديمقراطية ” إلى شعوب العالم كله , تحت شعار أن الديمقراطية تهب الحرية للشعوب والخير للبشرية ، وأنها هي وحدها تقدّم هذا الخير . ونهض كُتَّاب من الغرب يدافعون عن ذلك بشتى أنـواع الزخـارف ، وجـاء كتاب ” نهاية التاريخ والرجل الأخيـر ” ” لفرانسيس فوكوياما ” يحاول إِبراز هذا الادعاء ويجعل الديمقراطية الأمريكية بالذات نهاية مطاف الإنسان ، ليبلغ بها فردوسه الدنيوية . وقبل ذلك جعل “ماركس ” وجماعته من ” الشيوعية ” المرحلة الأخيرة في التطور البشري ليصل بها الإنسان إلى فردوس الدنيا . وفي هاتين الفلسفتين ، فلسفة الديمقراطية وفلسفة الشيوعية لا يوجد فردوس في الآخرة ، فلا اعتبار للدار الآخرة فيها .

ويقول فوكوياما : ” إن الإسلام ” يحمل من المبادئ ما يمكن أن يقف في وجه الديمقراطية ، إلا أنه لا خوف من ذلك لأن المسلمين بينهم من العداء ما يذهب بخطرهم ” . نعم ! إن واقع المسلمين اليوم يشير إلى ذلك ، ولكن نسي “فوكوياما ” أن المستقبل بيد الله ، والغيب لله وحده ، فهو وأمثاله لم يقيموا لله وقضائه وقدره التفاتاً ، نسوه حتى يفاجئهم الله بقدره الغالب وحكمته البالغة .

لحكمة يريدها الله أعطى الغرب ، وأمريكا بخاصة ، قوة علميّة وصناعية وسلاحاً فتاكاً . وإن هذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى ، ليرى الله ما يفعل هؤلاء بنعمة الله عليهم ، ولتقوم الحجة عليهم يوم القيامة أو تقوم لهم إن أحسنوا ولم يعتدوا ولم يظلموا . ومن ناحية أخرى تمضي سنة الله في الحياة الدنيا ليجني الناس ، كلُّ الناس ما كسبته أيديهم أو ما اكتسبته .

الديمقراطية التي يلحُّ بها الغرب وأمريكا بخاصة انطلقت منذ عهد بعيد من الوثنية اليونانية ، لتقرر أن الحكم للشعب ، والشعب وحده هو الذي يبيّن الحق والباطل ، والحلال والحرام ، والصواب والخطأ ، ولا سلطان أبداً فوق سلطان الشعب. هذا هو مفهوم اليمقراطية, وهذه هي قاعدتها الأساسية. وسرت هذه الوثنية في أوروبا شركاً بالله سبحانه وتعالى مع سائر أفكار اليونان ومذاهبهم ، حتى صاغها أهلها اليوم نظاماً يُقدِّم للشعوب الفتات ، ويملأ جيوب المجرمين من حصاد تعب الشعوب ، وليقدِّم كذلك الخدر اللازم من خلال الزخارف الكاذبة ، والفتنة الهائجة ، والشهوات الثائرة من جنس وخمر ، وليطلقوا المرأة عارية تنفث لهيب الشهوة خدراً قاتلاً . فتسكن النفوس إلى حرّيّة فرديّة متفلّتة في ميدان الإباحة والشذوذ ، وأما في ميدان الكلمة فالحرية مكفولة في نطاق الكتابة والمظاهرات ” المؤدَّبة ” ، دون أن يكون لهذه أو تلك أثر في اتخاذ القرار . فالقرار يؤخذ في عتمات الكواليس وظلام الهيئات ليصدر في لحظة مفاجئة ، يحمل معه قوة التنفيذ والإكراه ، ويستغلُّ الشعب المخدَّر عند الحاجة إليه .

وجاءت الأحداث الأخيرة لتنزع آخر ” ورقة توت ” عن عورات الديمقراطية, حين أصرت أمريكا على الهجوم على العراق , وحشدت أعتى الأسلحة والبوارج والطائرات والصواريخ ومئات الألوف من الجنود , وانضمت إليها إنكلترا وأستراليا وإسبانيا وغيرها , ثمَّ خرجت الملايين من الشعوب في جميع عواصم العالم رافضة الحرب على العراق ، وخرجت الملايين في أمريكا نفسها لتعبّر عن رأي النسبة الأعلى لدى الشعب الأمريكي , وفي انكلترا تخرج الملايين تعبر عن رأي الشعب ، واستقال مسؤولون هنا وهناك احتجاجاً على سياسة الحرب ، وضجَّ العالم كله مقالاتٍ ومظاهراتٍ واحتجاجاتٍ , وألقى الرئيس الأمريكي ، رئيس الديمقراطية ، بكل ذلك عرض الحائط وأعلن هو وزمرته الإصرار على الحرب ! أين الديمقراطية ؟! وأين حق الشعوب ؟! وأين الحرّية ؟!

يا شعبُ باسمك كم تُـدار محاكـم والشعب لا يدري ولا هـو يحكـم

سقطت الديمقراطية في وحول الأهواء ، وتناثرت مع عواصف الطغيان ، وانكشفت سوءاتها ، ووقف الناس حائرين ، لا يدرون ما يفعلون : مجلس الأمن ، هيئة الأمم المتحدة ، الدول الكبرى والصغرى ، ودول عدم الانحياز ، كأنهم شُلُّوا أمام دكتاتورية الآلة العسكرية الأمريكية ، آلة سلاح التدمير الشامل الذي ابتُليتْ به أمريكا , لتُكْشَفَ النفوس والأفكار والمبادئ ، ولتُعرَّى الحقائق جليّة دون تزييف ولا ستار . وقفت فرنسا وألمانيا وروسيا والصين وغيرهم ضد الحرب بإصرار ، ولكن ذلك لم يُجْدِ ، ومضت أمريكا في استهتارها بالعالم كله .

إِن الذي يجري اليوم آية من آيات الله ، ودروس وعبر ممتدة مع كل لحظة وكل موقف وكل كلمة من فرد أو شعب أو دولة . كلهم محاسَبون بين يدي الله ، وكلهم مسؤولون ، وكلهم تقوم عليهم الحجة أو لهم على موازين قسط يضعها الله يوم القيامة ، على قدر ما يحملون من مسؤوليّة ، وعلى قدر ما يرفعون من شعارات .

ولا يقف الحساب والبلاء عند يوم القيامة فحسب ، وإنما هو ابتلاء وعقاب أدنى في الحياة الدنيا على قضاء ربّاني حق , وعقاب أكبر يوم القيامة على موازين قسط يضعها الله سبحانه ونعالى :

( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ) [ السجدة :21 ]

لقد سقطت الشعارات وبانت السوءات .

الشعارات كلها سقطت في ال أرض! أهوت مزاعم ووعود

ومن الآيات البينات أن أمريكا ليست وحدها المسؤولة عن الفتنة التي تجري اليوم . إن ما يجري اليـوم نتيجة طبيعية لمرحلة سابقة أدت إلى هذه النتائج ، وتلك المرحلة السابقة نتيجة لمرحلة أخرى سابقة لها ، لتتوالى الأحداث كلها على سنن ربانيّة ثابتة :

( سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً ) [ الأحزاب : 62 ]

إنّ تواطؤ الظالمين في الأرض زمناً طويلاً على الفتنة والفساد وقهر الشعوب ونهب خيراتها وثرواتها ، وصمت المستضعفين أو ممالأة المستكبرين ، كان له دور كبير فيما آلت إليه أوضاع العالم اليوم والأحداث الأخيرة التي تفجرّت حول العراق :

( وبرزوا لله جميعاً فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص ) [ إبراهيم : 21 ]

طلبت أمريكا أولاً خروج صدام حسين من الكويت في حرب الخليج الثانية سنة 1990م ، وادعت أن هذا هو المسوغ الوحيد للحرب التي أعلنتها ، وأخفت سائر الأسباب الجوهرية . وخرجت العراق من الكويت ، وتجدّدت بعد ذلك طلبات ثم طلبات ، واستقرّ الأمر على طلب إزالة أسلحة الدمار الشامل ، ودخل المفتشون فأزالوا وأزالوا ما شاؤوا من الأسلحة ، وأخذت الأمور تتعقَّد ، وأخذ عمل المفتشين يتحول إلى أعمال الجاسوسيّة لحساب أمريكا وإسرائيل وإلى نشر الفتن والفساد .

ولما كُشف الأمر انسحبوا بصورة مفاجئة بين أحقاد سوداء تفجرت من رئيسهم ومن بعض أعضائهم . فتشوا المنازل والقصور وغرف النوم والمصانع والساحات .

ثم تجدَّدت المشكلة ، وأصبح الطلب أن يقبل الرئيس العراقي بعودة المفتشين . وواضح أن أمريكا كانت تود ألاَّ يقبل العراق بعودتهم ، لتتخذ من ذلك ذريعة لحرب ظالمة مبيّتة في نفسها . فقبل العراق وبدأ المفتشون عملهم ، وتعاون العراق تعاوناً كبيراً ، وجاءت تقارير المفتشين في صالح العراق . فأُسقط في يد أمريكا ، وأخذت تدّعي أن المفتشين لا يستطيعون أن يزيلوا أسلحة الدمار الشامل التي يخفيها العراق ، وأنه لا بد من الحرب . واختلف مجلس الأمن وأعضاؤه حول ذلك ، أمريكا وإنكلترا دعاة الحرب ، وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين دعاة الحل السلمي الذي تتبنّاه شعوب الأرض كلها ، ودول كثيرة !

ولكن موقف الدول التي تتبنى الحل السلمي والدبلوماسي لم يكن مبنيَّاً على حب في العراق ومصلحته ومصلحة المسلمين . إن الخلاف بين الفريقين خلاف حول المغانم واقتسامها , حتى لا تنفرد بها جهة واحدة . وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم :

فعن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها. فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟قال : بل أنتم يومئذ كثير.ولكنكم غثاء كغثاء السيل .ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم , وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن . ” فقال قائل : يا رسول الله! وما الوهن ؟ قال: حبُّ الدنيا وكراهية الموت .” ]رواه أبو داود [

إنها المصالح الدنيوية المتصارعة , مصالح المجرمين في الأرض , يلتقون على اقتسام الغنائم ويتنازعون عليها . اختفت القيم والمبادىء , واصبحت شعارات يتاجرون بها , وأصبحوا جميعهم وحوشاً مفترسة جشعة نهمة .

وأسوأ من ذلك أن جعل المجرمون من أرض العراق ساحة تجارب , ليجربوا فيها أحدث ما اخترعوه من أسلحة الدمار والفتك , ولتظل مصانعهم تعمل لإفناء البشرية , وليجنوا الأرباح الطائلة من الفتك بأرواح الشعوب والأطفال والنساء والشيوخ والفتيان . العالم الإسـلامي اصبح ميدان تجارب وسوق استهلاك , إلا أن يصحو المسلمون قبل فوات الأوان .

ومع ضخامة الاحتجاجات ضد الحرب ، مضى الرئيس الأمريكي مع إنكلترا وإسبانيا يُصرون على الحرب من أجل نزع أسلحة الدمار الشامل من العراق ، ادعاء باطل يخفي النيّة الإجرامية ضد العراق . ومضت المهزلة إلى آخرها حين تجاهـل الرئيس الأمريكي مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة والعالم كله . ووجه في خطاب عام إنذاراً إلى الرئيس العراقي ليغادر البلاد أو يواجه الحرب . وردّت العراق فوراً : على بوش وبلير أن يغادرا ! وذلك يوم الإثنين 14/1/1424هـ الموافق 17/3/2003م .

هذا النهج ليس نهج دول تحترم مؤسساتها والمؤسسات الدولية ، والقانون والنظام . إنه عمل عصابات تحتمي بترسانة أسلحتها لتقوم بسطو مسلح ، وعدوان ظالم دونه كل أشكال الاستعمار القديمة ، فاق هذا الأُسلوب كلّ الأساليب السابقة ينفخ الكبر فيه جبروت الغرور وسكرة السلطة .

بأي حق تطلب دولة من دولة أخرى أن يغادر رئيسها البلاد ؟ ! بأيّ قانون أو شريعة ، إلا شريعة الغاب وتعطُّش الوحوش . والأسوأ من ذلك أن الرئيس الأمريكي يطلب من الجيش العراقي أن لا يقاتل الجيش الأمريكي الزاحف عليه ، ويطلب من الشعب العراقي أن يثور على دولته ، ويدعي انه قادم لتحرير العراق وشعب العراق !

الرئيس الأمريكي بأمسِّ الحاجة إِلى أن يحرِّر نفسه من نزوات الشر ، وسطوة الكبر ، والجشع القاتل ، وعبوديته لأهوائه وشهواته ، وجنون العظمة وليترك شعوب الأرض وقادتهم لأنفسهم ، فهم ما زالوا في حالة صحيّة أسلم من حالته ، ووعي أصدق من وعيه مهما ارتكبوا من أخطاء .

كيف لا يحسب الرئيس الأمريكي ما ستجرّه أسلحته المدمرة من هلاك لألـوف الأطفال والنساء والشيوخ غير المقاتلين ، وربما لمئات الألوف أو الملايين ؟! كيف يدَّعي الديمقراطية وحقوق الإنسان وقد فرض على العراق حصاراً أستمر أكثر من اثنتي عشرة سنة ، كان ضحاياه مليون طفل عراقي على الأقل ، غير المرضى والمعاقين ، وغير نقص الدواء والغذاء لسنين طويلة يصعد فيها أنين الأطفال والأمهات والشيوخ إلى بارئها وخالقها ، تشكو ظلم أمريكا وأعوان أمريكا في هذا الحصار الغاشم الذي لا يُقرُّه أي قانون إلا قانون المجرمين في الأرض .كيف لا يميز بين الحـق والباطل وهو في هذا المستوى من المسؤولية ؟

عجباً كل العجب ! يريد ” بوش ” إِزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية التي يدعي دون برهان أنها مخبأة لدى العراق ، ثم يستخدم هو نفسه أسوأ أسلحة الدمار الشامل وأشدّها فتكاً ليزيل به أسلحة الدمار الشامل ! لماذا ؟! دع يا بوش أسلحة الدمار الشامل التي تتوهمها في العراق والتي طال بحثك عنها أعواماً طويلة ، واطِوِ شرّ أسلحتك عن شعوب الأرض ! ودع العراق يعالج قضاياه وحده ، أو من خلال العالم الإسلامي والعربي !

لا أظن أن التاريخ البشري عرف إجراماً أشدّ من إجرام أمريكا ، ولا كذباً أبعد من كذبها ، ولا مراوغة أبعد من مراوغتها ! ماذا يريد بوش ؟! ماذا يريد ؟! لو كان العراق لا يملك هذا القدر الكبير من البترول ، هل كان بوش يبالي بما يدعيه كذباً من تحرير العراق ، ويدفع جيوشه وآلته العسكرية الجبارة ، ويتحمل هذه النفقات الهائلة من اجل ما يدعيه زوراً وبهتاناً من تحرير الشعب العراقي ، أو إزالة أسلحته ؟! ولا أظن أن التاريخ البشري شاهد عدواناً أبعد إجراماً ووحشية من عدوان أمريكا وحلفائها على العراق وكذلك على أفغانستان . ولو أن تاريخ الغرب كله عدوان وظلم وفساد في الأرض كبير .

لو نظرنا في الأرض لرأينا جـرائم أمريكا ممتدة في بقاع كثيرة منها : في أمريكا الجنوبية والوسطى ، وفي أفريقيا ، وفي اليابان ، وفي آسيا ، وأوروبا, جرائم ممتدة ، ومؤامرات متواصلة ، وخطف رئيس ، وقتل رئيس ، وانقلاب على رئيس .

عجباً كل العجب أن يكون رئيس أكبر دولة كذّاباً مخادعاً مراوغاً لا يستحي من ذلك كله . ولا يستحي من وحشية جرائمه وهولها في الأرض كلها .

منذ البداية ، ومنذ أكثر من ثلاثين سنة وأمريكا تحوم شهواتها حول العراق لأسباب اقتصادية مرتبطة بالبترول ، ولأسباب سياسية مرتبطة بإسرائيل ومصالحها ، مرتبطة بالجشع الأمريكي الذي يريد السيطرة الكاملة على العالم ، ليكون ذلك جزءاً من نهج عام وخطة مبيّتـة شاملة .منذ أكثر من ثلاثين سنة وأمريكا تضع خططها الإجرامية ضد العراق وغيرها من البلدان التي تدخل في دائرة مطامعها الدوانية الإجرامية .

وتدرّجت ادعاءات أمريكا خلال هذه السنين كما ذكرنا قبل قليل ، حتى وصلت جرأتها إلى مطالبة رئيس العراق بمغادرة العراق مع ولديه خلال ثمان وأربعين ساعة وإلا واجه الحرب . والسؤال : ما هو الادعاء القادم ؟! ربما يكون احتلال العراق تحت شعار إِعمارها بعد تدميرها ، ثم تحرير الشعب العراقي الذي ذاق من ظلم أمريكا ما لم يذقه من أي جهة أخرى ، بحصار إجرامي تجاوزت ضحاياه ضحايا هيروشيما وناجازكي حين ألقت أمريكا قنابلها النووية هناك ، ثمّ الادِّعاء بإقامة حكم ديمقراطي أمريكي في بلد هـدَّمت أمريكا وحلفاؤها المجرمون إمكاناتها وطاقاتها ، هدمتها أمريكا وحلفاؤها أنفسهم ، وجرّدوا الشعب العراقي من قواه وإمكاناته , وادعوا أنهم سيعيدون إعماره :

مـا قيـمـة العلـم الـذي يُـلـهـبُ حُـمَّـى السَّبَـق

يُـلـهِـبُ مـن جنـونـه ومـن هــوى أو شـبـقِ

يبـني ويُعـلي ما بـنـى شـواهـقـاً فـي أُفــقِ

يُنـفـق منـهـا عُـمـرَه وفـيْـضَ كـنـزٍ مُـغـدِقِ

ثـمّ تــراه يـنـثـنـي فـي لـحـظـة من نـزق

يهـدِمهـا إلـى الـثـرى كَـأنـهـا لـم تـسـمـق

ثـمّ يـقـول هــا أنــا أعـيــدهــا وأرتـقـي

فـهــذه حــضــارة وأهـيــة مـن ورق (1)

ستتوالى ادعاءات الرئيس الأمريكي ، ادعاءات مزيفة يرفضها العقل والمنطق والقانون ، ويرفضها الدين ، ترفضها كلُّ شريعة إلا شريعة الغاب . وتريد أمريكا أن تدخل العراق وتحتله ، سواء بقى صدام أم لم يبق . وهذا ما أعلتنه أخيراً بشكل واضح صريح !

ماذا يجري في فلسطين على أيدي أمريكا وإسرائيل ؟! ظلمٌ وإجرام وقتل وتدمير وتجاهل لقرارات مجلس الأمن ، وتجاهل لكل حق أو اتفاق ! وإسرائيل تملك من أسلحة الدمار الشامل ما لا تملكه العراق ، فلماذا لا تُزال أسلحة الدمار الشامل من إسرائيل التي هي خطر على الإنسانية كلها ؟! لماذ يُسْكتُ عنها وتقوم الدنيا وتقعد على ما يُتوهَّم أنه مخبأ في العراق دون دليل ، وبعد تفتيش استمرّ أكثر من اثني عشر عاماً ؟! لماذ السكوت عن إسرائيل ؟! لماذا يباح لها أن تملك هذا السلاح المدمر ، ويباح لأمريكا وروسيا والصين وفرنسا وغيرها من الدول الكبرى وبعض الدول الصغرى ، ولا يباح أبداً لبلد عربي مسلم مثل العراق ؟!

إذن هناك كيد مخفيُ ، ومكر مطويٌّ ، آن لنا نحن المسلمين أن نفيق ونستيقظ لندرك حقيقة ما يجري ضد المسلمين في الأرض كلها ، حرب على الإسلام والمسلمين بأسلوب جديد ماكر يرفع شعارات الإنسانية الكاذبة ، والديمقراطية المزعومة ، وحقوق الإنسان ، والنظام العالمي ، والحداثة ، والعولمة ومذاهب شتى , صيغت لتصب حقدها وحربها على الإيمان بالله الواحد القهار ، على توحيده وعبادته دون شرك ، على شريعة الإسلام ! حرب ضروس تستخدم كل الوسائل العلمية والفنية والثقافية والأدبية والاقتصادية والسياسية والسلاح المدمّر الفتاك ، وخبرة السنين الطويلة في مقارعة الإسلام والكيد له والمكر به وبالمسلمين . المجرمون في الأرض ، كما يسميهم القرآن الكريم ، يتولون كِبْر هذه الجريمة المروّعة الممتدة .

لماذا يحاربون الإسلام ؟! لأنهم مجرمون يعبدون مصالحهم المادية وأطماعهم الممتدة إلى ثروات الأرض كلها ، يعبدونها من دون الله ، هي إلههم ، ومنها تنبع شرائعهم ، وأهواؤهم ، وعلاقاتهم ، لا من أيّ شيء آخر ، على جشع لا يتوقّف ، وأطماع لا تهدأ .

هؤلاء عرفوا من خبراتهم الطويلة أنه لا يوجد في التاريخ البشري ما يقف أمام أطماعهم ويصد إجرامهم وعدوانهم إلا الإسلام كما أنزل من عند الله وحياً على محمد صلى الله عليه وسلم . هذا الإسلام وحده في التاريخ البشريّ كله هو الذي حمل هذه المسؤولية والأمانة ، لا يقبل معها مساومة على حق ، ولا تنازلاً عن حق ، ولا قبولاً بظلم . لذلك بعث الله الأنبياء والمرسلين بهذا الدين الواحد الحق الذي خُتم برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، في منهاج ربّاني منزل من عند الله ، قرآناً وسنة ولغة عربية ، ليحملها المؤمنون في الأرض على مدار التاريخ أُمة مسلمة واحدة أخذ الله عليها العهد والميثاق لتوفي بحق العبادة الشاملة الممتدة ، والأمانة العظيمة ، والخلافة في الأرض ، في جهادٍ ماضٍ إلى يوم القيامة .

نعم عرف هؤلاء المجرمون حقيقة الإسلام ، وعلموا أنه لا مساومة ولا تنازل ولا قبول بظلم أو باطل . فلم يعد أمامهم من سبيل إلا أن يحاربوا الإسلام والمسلمين المتقين الموفين بعهدهم وميثاقهم مع الله ، أو يفتنوهم عن دينهم ويحرفوهم عن الصراط المستقيم . وهذه قاعدة ثابتة في التاريخ البشري يذكّرنا بها القرآن الكريم بإلحاح حتى لا تغيب عن قلب مؤمن أبداً :

( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن يُنزّل عليكم من خير من ربكم والله يختصُ برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) [ البقرة : 105 ]

( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) [ البقرة : 109 ]

( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير ) [ البقرة : 120 ]

وكذلك :

( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين . وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط المستقيم ) [ آل عمران : 100،101 ]

وكذلك :

( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين . بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ) [ آل عمران 149، 150 ]

وكذلك :

( فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير . ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ) [ هود : 112، 113 ]

وكذلك :

( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) [ المجادلة : 22 ]

وتمتد الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة لتلحَّ بهذا الموضوع الخطير ، فتعالجه من جميع جوانبه معالجة متماسكة متناسقة ، لتبين للمؤمنين الموقف الإيماني الحق مع كل حالة ، حتى لا يُستدرجوا إلى تنازل ولا إلى انحراف ولا إلى توقف عن الوفاء بالعهد مع الله .

هذه حقائق ربانية أصدق من أيّ اجتهادات بشريّة تتنازعها الأهواء والخوف ومصالح الدنيا . وهذه الحقائق الربانية الثابتة تتميز كذلك من أي جهد بشري بأنها تربط قضايا الدنيا الإيمانية بالآخرة . إنها تجمع الوفاء في الدنيا والنجاة في الدنيا والآخرة , إنها نهج الإسلام . أما غيرها من الاجتهادات فإنها تعزل مصالح الدنيا المادية عن الآخرة ، لتصبح هي وحدها بعزلتها مصدر التفكير والتخطيط ، ومصدر الرأي والموقف ، وحافز الحركة والنشاط ، ومصدر تحديد الأهداف . هذا هو نهج العلمانية والديمقراطية !

من أجل ذلك يحارب المجرمون الإسلام وجنوده ، ويستغلون من اْجل ذلك عواطف الجماهير المضللة عندهم وما تحمل من أوهام دينية يغرسونها فيهم ، لتظلَّ أداة استغلال كلما احتاجوا إليها في حربهم المسعورة . إنهم يستغلون كلّ الشعارات وزخارفها لتزيد الضلال والفتنة في الأرض ، وليصدوا عن سبيل الله . إن أحداث العراق اليوم ، وكل ما أعلنته أمريكا من مسوّغات للحرب ضد العراق ، لم تكشف أمريكا حتى الآن الأسباب الحقيقية التي تصعب عليهم المجاهرة بها . كيف يمكن أن يقولوا للعالم : نريد أن نسطو على العراق سطواً مسلحاً مدمراً ننهب خيراته وثرواته ؟! كيف يمكن أن يقولوا سنسحق كل قوة تقف أمامنا وأمام أطماعنا وأمام ظلمنا وعدواننا ؟! كيف يُقرون أمام العالم بأنهم لصوص مجرمون محترفون ؟! إنهم مجرمون في الحرب وفي السلم !

قضية العراق بالنسبة لهم ليست قضية النظام العراقي , ولا هي قضية تحرير الشعب العراقي . فهو ادعاء باطل كاذب , كذبه مكشوف . ولكن القضية هي العراق نفسه كلُّه ، شعبُه وثرواته وموقعُه وتاريخه وانتماؤه ، العراق الذي يمكن أن يهدد الأطماع والجشع في لحظة ما على قدر من الله ! العراق الذي يأتيه نظام ويذهب منه نظام ، ويبقى العراق هو البلد المسلم العريق ، بلد التاريخ الإسلامي ، بلد الأحداث الهائلة .

أما بالنسبة لنا نحن المسلمين , فالعراق بلد مسلم , بلدنا وشعبه شعبنا, وانتماؤه انتماؤنا , وما حدث فيه من اضطراب وخلل فهو كما حدث في كثير من ديار الإسلام , نعالج أمراضنا وأخطاءنا , ونبقى أمة مسلمة واحدة , لا نلقي بقضايانا في أيدي أعدائنا . حسبنا الأندلس لتكون درساً واعظاً . نحن الذين يجب أن ننهض ونعالج أخطاءنا , فأخطاؤنا وعيوبنا وأمراضنا ممتدة في ديـار المسلمين , وليست محصورة في العراق , ولا هو الملوم وحده .

لا نستطيع أن نفصل قضية العراق اليوم عن قضية فلسطين ، ولا عن قضية أفغانستان ولا عن قضية كشمير ، ولا عن سائر قضايا العالم الإسلامي .

إنها كلها تجتمع لتكون القضية الأولى ، قضيتنا الأساسية ، قضية الإسلام والحرب المسعورة التي تُشَنَّ عليه ، حيث أخذ أعداء الإسلام يتناولون العالم الإسلامي بعد تمزقه ، بلداً بلداً ، كل بلد منعزل عن غيره ، تقطعت الحبال ، وشُغِل كلُّ بلد بنفسه ومشكلاته ، حتى أصبح كل بلد يقول بلدي أولاً ، فسهل على الأعداء أن يستفردوا بكل بلد وحده . وانظر إلى الميادين لترى صدق هذا التصور . وكلُّ بلد وحده أوهى وأضعف من أن يصدَّ جنون المجرمين !

ولقد تطور الوضع إلى أسوأ من ذلك ، حين استطاع أعداء الله أن يكوِّنوا في قلب كل بلد مسلم أناساً يحملون الهوية الإسلامية , ولكن فكرهم وثقافتهم وقلوبهم أصبحت معلقة هناك مع العدوّ الماكر ، يمدّونه بالعون في حربه على الإسلام ودياره ، يعطون ولاءهم لعدوّ الله .

ألم تجد أمريكا عشرات الآلاف من العراقيين يعملون لحساب المخابرات الأمريكية ؟ ! ألم يجد اليهود الآلاف من الفلسطينيين يعملون لحساب الموساد ؟! ألم تستطيع أمريكا شراء الآلاف من الأفغان بالدولار كما قال بوش : ” لقد حطمنا طالبان بسبعين مليون دولار ؟! ” ألم تجد فرنسا وإنكلترا ودول أخرى رجالاً يعملون لحسابها من قلب العالم الإسلامي ، يحملون الأسماء الإسلامية ، ويتكلمون لغتنا ؟! .

وانظر كذلك إلى الصورة المأساوّية ، حين لجأت الفئات المعارضة للحكم في بلادها إلى انكلترا وغيرها ، حيث احتضنت تلك الدول كثيراً من هؤلاء المعارضين , ثم أخذت تنظمهم ليقوموا معها بتدمير بلدهم ووطنهم وقتل أبنائهم تحت زخارف شعارات مضلة كثيرة . ولو عرفوا دينهم آيات وأحاديث لعلموا أن موالاة أعداء الله حرام وظلم وفتنة وكفر. كيف يتوقعون من عدوهم المشرك وعدو الله أن يضمر لهم الخير , أو يرجو لهم الصلاح . إن مهمته الأولى أن يمزق المسلمين دياراً وشعوبا ًوأحزاباً , ومصالح وأهواءً , يصرع بعضها بعضاً .

كان الناس يستحون أن يقولوا إنهم يتعاونون مع أمريكا أو غيرها ، ولكنهم اليوم يجهرون بذلك دون خشية من نقد ، أو لوم ، أو انتقام ! ودون حياء ! ودون خوف من الله !

من الأمور العجيبة المؤسفة أن أمريكا , وهي أقوى دولة اليوم عسكرياً , تحشد , من أجل عدوانها الظالم على العراق , على بلد أضعف منها عسكرياً بكثير , جيشا ًضخماً وطيراناً وصواريخ هائلة وأسلحة فتاكة , من أشد ما عرف العالم من أسلحة الفتك والتدمير الشامل , وتجمع معها خمساً وأربعين دولة تدفع جيوشها وسلاحها مع أمريكا , وفي الوقت نفسه يقف العراق وحده , لا يجد من العون غير تصريح بعد تصريح , ونشاطاً دبلوماسياً لم يغن شيئاً في ميدان الأزمة الرهيبة التي يمر بها اليوم , ولا في إنقاذ العراق وشعبـه من هذه الجريمة المروِّعة .

وتتم هذه الجريمة المفجعة بعد حصار دام اثنتى عشرة سنة , حصار طاغ ظالم شديد لم يعرف التاريخ له مثيلاً . ومع هذا كله وقف العراق موقف التحدي وحده في ميدان القتال , كما وقفت فلسطين وحدها في ميدان القتال , وكذلك كشمير وغيرها وغيرها .

لقد صرح مسؤول أمريكي أن هناك خمساً وأربعين دولة دخلت في التحالف مع أمريكا ضد العراق . ثلاثون منها لاتمانع في نشر اسمها , وخمس عشرة دولة تتحفظ على نشر أسمائها :

” يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً ” [النساء:108]

إن واقع المسلمين اليوم يجب أن يُدْرس بتكامله وترابطه ، لا بتجزئته وتمزيقه تحت شعارات العصبيات الجاهلية ! لا بد من دراسة واعية ووقفة إيمانيّة صادقة ، تحدد العيوب والأخطاء والخلل ووسائل معالجته . لسنا اليوم في موقف تحل مشكلاته الخطيرة بالفتاوى , ثم يمضي كلٌّ إلى استرخائه ولهوه ومتعته . أين المسلمون اليوم وأين الدعاة وأين العلماء ودورهم العظيم الذي أمرهم الله به ؟

إن الخطر اليوم عام جارف يهدد الأمة المسلمة كلها في جميع ديارها ومواقعها . ولا يجوز أن نفرِّغ عواطف الشعوب وشحناتها في جهود لا تعزم على هدف رباني حق يجمع الأمة كلها صفّاً في وجه المجرمين الزاحفين , ليصدَّ عدوانهم الظالم .

ولنتذكر واقع المسلمين أيام النبوة الخاتمة ، حين كانوا صفّا واحداً كالبنيان المرصوص ، لم يستطع المنافقون أن يخترقوا صف المؤمنين ، ولم يستطع ملك الغساسنة أن يشتري كعب بن مالك رضي الله عنه ، بعد غزوة تبوك ، وكان أحد المخلّفين الثلاثة الذين نزل بهم الحكم من السماء ، من عند الله , بأن يقاطعهم المسلمون ، وبأن يهجر كعب زوجته ، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، فلما قرأ كعب رسالة ملك الغساسنة يدعوه إليه ليخرجه من ضيقه ويكرمه ، أدرك أن هذا من الشيطان وألقى الرسالة في النار ليبرأ منها. واليوم يتهافت بعض المسلمين على أعداء الله يرجون خيرهم ، ويسارعون فيهم ،

( …. يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة …… )

كذلك لم تستطع الدول كلها أن تخترق صف المؤمنين ، الصف الذي كان كالبنيان المرصوص أمة مسلمة واحدة :

( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين . فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) [ المائدة : 51-52]

ولنتذكر كيف كان علماء المسلمين في مقدمة المجاهدين أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأيام الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم .

قضيّة العراق اليوم كشفت سوءات العرب والمسلمين ، وسقطت الشعارات والأقنعة ، وبان الخلل الذي تحدّثنا عنه طويلا ودعونا إلى معالجته على نهج محدد مدروس . لقد كشفت قضية العراق وقضية فلسطين وغيرهما ضعفنا وتمزّقنا . فحاول الكثيرون أن يبرؤوا أنفسهم ويبرؤوا أمريكا وإنكلترا وأتباعهم من جرائمهم. قضية العراق من ناحية أخرى ، كشفت حقيقة الحقد على الإٍسلام والمسلمين ، حقداً تقوده أمريكا ومن معها من الذيول والأذناب من المجرمين . لقد ارتبطت هذه القضية بشكل واضح جلّي بمشكلة فلسطين ، وبمشكلة أفغانستان ، وسائر قضايانا, لتنكشف حقيقة المعركة اليوم ، المعركة ضد الإسلام والمسلمين ، يستغلون من أجلها كل بادرة يستطيعون تزويرها لدعم باطلهم .

من الأمور العجيبة في هواننا وضياعنا أن يقال إن العراق ونظامه أو صداماً جلب على العرب المصائب والويلات . مهلكم أيها الناس ! فمهما تكن جرائم صدام وأخطاؤه فهي أولا قضيتنا نحن المسلمين ، نحن الملومون ! ليست قضية العراق قضية أمريكا , ولا يحلّ للمسلمين أن يسارعوا فيهم أو يوالونهم ! وعجباً كيف يبرّأ المجرم الحقيقي ـ أمريكا وإنكلترا وأتباعهم ـ من جريمته المروّعة ، وتتهم الضحيّة ؟! إنهم هم المتهمون! ونحن الملومون!

الذي ساق إلينا المصائب هواننا وتمزّقنا و بعدنا عن الوفاء بعهدنا مع الله . الذي ساق إلينا المصائب أمراضنا المتفشية فينا , غفلتنا , حبنا للدنيا وكراهيتنا للموت! واستغلت أمريكا وأعوانها والمجرمون في الأرض غفلتنا وأمراضنا، فنشروا فتنتهم بيننا, واستجاب لها الكثيرون من مرضى القلوب والضعفاء وأصحاب المصالح , فاحتلوا قلوب كثير من المسلمين حين فُتحِتْ لهم ، واحتلوا ديار المسلمين حين فتحت لهم ، وتهاون بنياننا وانهار ، ونحن الملومون وأعداء الله هم المجرمون الظالمون المعتدون :

مـالـي ألوم عـدوي كلما نزلـت بي المصـائـب أو أرميه بالـتهـم

وأدّعـي أبـداً أني البـرئ ومـا حملـت في النفس إلا سقطة اللـمم

أنـا المـلـوم فعهـد الله أحملـه وليـس يحملـه غيري من الأمـم

والمجرمـون هم والله يـأخذهـم أخـذ العـزيز بليل واسـع النقـم

إذا نهضنـا لعهـد الله وانطلقـت عزائم الصـدق والإيمان والشـمم

لا يتوانى المؤمنون عن الحق إلا انزل الله بهم العقاب ليوقظهم , حتى ينهضوا إلى أمانتهم , ويعرفوا أنهم كانوا مخطئين ملومين .

( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شي قدير ) [ آل عمران : 165 ]

لقد تطورت الأحداث تطوراً ربما لم يكن متوقعاً ، حين دبّ الخلاف بين اتجاهين : اتجاه تقوده أمريكا واتجاه تقوده فرنسا . وأدى هذا الوضع إلى زلزلة دولية ، ربما تتسع رقعتها ويتهدد النظام العالمي الغربي كله .

نجد من خلال المواقف والتحليلات والآراء حرصاً كبيراً على ما يسمونه الشرعية الدولية ، القانون الدولي ، مجلس الأمن ، هيئة الأمم المتحدة ، وغير ذلك من المؤسسات التي قامت منذ نشأتها على أهواء ومصالح يتبناها المجرمون ، ولكننا لا نجد أي حرص بين مختلف الآراء على شيء اسمه حق وعدل ، ولا على التمييز بين الحق والباطل على ميزان أمين , ميزان الإسلام , أين الميزان بين أيدي الناس ؟! لا يوجد إلا موازين متعدّدة يقيمها الهوى وصراع المصالح . أين القيم والمبادئ ؟!

عجباً كل العجب أن يحرص الناس على هذه الشرائع المضطربة المادية والموازين الباطلة ، ولا تجد الحرص على شرع الله و ميزانه الحق ومبادئه العادلة التي تحتاجها الإنسانية كلها . عجباً كل العجب أن تجد الناس يتمسكون بهذه المؤسسات المنهارة وقوانينها المضطربة ، ولا يتمسكون بشرع الله ودين الله على صعيد دولي ولا يتداعون إليه .

يشهد التاريخ البشري أنه كلما اشتدت أزمة الإنسان على الأرض واشتد انحرافه بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ، ليردوا الناس إلى الحق الذي يقوم على الحقيقة الكبرى في الكون والحياة ، حقيقة الإيمان والتوحيد ودين الإسلام ، ذلك على سنن ربانية ثابتة . كلما حزب الأمر هبّ الإسلام لينقذ :

( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون . قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له من الله يومئذ يصرعون . من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون ) [ الروم : 41ـ44 ]

وكذلك :

( ولقد بعثنا في كل أمّة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقّت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) [ النحل : 36 ]

نعم ! هذا هو المخرج : ” فأقم وجهك للدين القيّم .. ” ! لا مخرج سواه ، ولا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه . نعم ! لقد شهد التاريخ ?????? ?????? ??? ??? ???? ?????? ????? ??? ????? ???? : ” … فمنهم من هدى الله .. ” ! أولئك هم حملة رسالة الإسلام التي خُتمتْ بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فخُتِـمت بذلك رسالة الإسلام ، لتمتدَّ مع التاريخ البشريّ كله ولتظلّ هي المنجى والملجأ !

يتلفت العالم اليوم وهو يرى انهيار جميع مؤسساته وقيمه ، انهيار القضاء ، انهيار القيم ، يتفلت كما كان يتفلت سابقاً يسأل عن الإسلام ، عن الدين القيم , لينقذ البشرية من هلاك بعد هلاك ، يتفلت وقد ظهر الفساد في البر والبحر , وظهرت الجرائم في الأرض , وكاد يذهب الأمن من الأرض ومن النفوس ! فهل سيجد ما يبحث عنه ؟! هل ستجد البشرية المتهالكة اليوم الإسلام لينقذها كما أنقذ الأمم والشعوب السابقة ؟! هل سيتقدم المسلمون برسالتهم إلى العالم كله , إلى هيئاته ومؤسساته وشعوبه ودوله , دعوة صريحة جلية , دون أي مساومة ولا تنازل ولا رعشة خوف؟!

أيها المسلمون ! هذه هي الأمانة التي تحملونها والتي ستحاسَبون عليها بين يدي الله ! إن هذه المؤسسات التي تتوهَّمون أنها تنقذ وتعين ، هي مؤسسات أنشأها المجرمون قادة الحروب لتحمي مصالحهم وأطماعهم وجشعهم . لا لتقيم في الأرض عدلاً ولا سلاماً ! فإذا تفجَّرت المطامع حتى لم تعد تتسع لها هذه المؤسسات التي أقاموها سحقوها هم تحت أقدامهم وتحت عجلات دباباتهم ، أو رموها وراء ظهورهم وانطلقوا وحوشاً في الأرض ، يفتكون ويدمرون في جنون إجرامي !

وتتلفت البشرية لتسأل :

أين الإسلام لينقذ ؟!

أين المسلمون ؟!

أيها المسلمون ! أنتم الأقوياء اليوم لأنكم حملة رسالة الإسلام ، وغيركم هو الضعيف لأنه يحمل رسالة التـيه والضياع . اجمعوا صفوفكم واصدعوا بالحق واجهروا به ، وسننتصر ما صدقنا الله وأحسنا التوكل عليه ، وبنينا صفَّ المؤمنين صفَّاً واحداً , أُمـة مسلمة واحدة , كالبنيان المرصوص , ولا تدعوا العدو يخترق صفّ المؤمنين ولا أرضهم ، واثبتوا على الحق ! سننتصر بإذن الله .

المصدر: موقع جريدة الشعب المصرية