” العصر الأمريكي ..!” هكذا صار الناس يسمون حالة الانهزام التي يعيشها العالم أمام القوة الظالمة والغاشمة لأمريكا، وتتناسل التحليلات والاستنتاجات وفي كل مرحلة يعاد نفس السؤال ، ” دور من المرة القادمة..؟ ” أو ” ماذا بعد العراق ..؟ ”

أتجرأ وأقول بأن “العصر الأمريكي ” أخذ في التراجع والتقلص والانحصار منذ مدة ، أمريكا التي جابت العالم غازية ومحاربة ومستعمرة وفارضة سلطتها ونفوذها على كل الكرة الأرضية .. هذا الكيان الذي أصبح أسلوبه ومنطقه في تدبير شؤون العالم مرفوضا حتى من أبنائه .. آن أوان أفوله .

أمريكا اليوم قامت على جماجم وأنقاض شعب كان له وجود وكانت له حضارة، وبنت صرحها بثروات وعلى أديم أرض ليست أرضها ، وصنعت مجدها بلقطاء.. خليط من الأقوام ، تجمعهم وجهة واحدة وهي تحقيق المزيد من القوة والسطوة واللذة.. أمريكا أبادت السكان الأصليين ، وشتتت جموعهم واستولت على أراضيهم ، ثم استقدمت من أوربا أجناسا أخرى استوطنتها بالأرض الجديدة..ثم جلبت إليها من إفريقيا، السود.. وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا في أوطانهم،.ليكونوا عبيدا وخدما للسكان الجدد، يستصلحون بهم الأراضي المغتصبة ، ويشقون بهم المسالك و الطرق ويمدون على أجسادهم سكك الحديد ليربطوا الشمال بالجنوب.. تاريخ أسود وصور بشعة في استغلال وإذلال الإنسان.. هكذا بدأت أمريكا، وهكذا استمرت حتى يومنا هذا ، واليوم نراها تضع آخر لبنة في بنائها ، تلك اللبنة التي سوف تأتي على ما بنت وأعلت من القواعد.. لبنة تضعها في أساس صرحها كالقنبلة الموقوتة المرتقب انفجارها بين لحظة وأخرى ..

بهذه البداية الدامية برزت أمريكا إلى الوجود ، ثم أخذ هذا الكيان يمد جسمه عبر العالم، يستبيح أقطاره ،ويروع سكانه ويبسط يده على ثرواته، ويحكم القبضة على منافذه ومواقعه الإستراتيجية..حتى ما تكاد تجد موقعا في البر أو البحر إلا وقد ضمه إليه ووسع به نفوذه وقوى به شوكته وأعلى به سطوته.

تحكي لنا قصص القرآن عن الأمم السابقة ، وفي القصص القرآنية عبر وعظات ، وتبين لنا كيف أن الملك الذي كان يحكم البلاد في عهد نبوة سيدنا إبراهيم عليه وعلى سيدنا محمد الصلاة والسلام ، أراد أن يرهب رسول الله وخليله ، فقال له بعد حوارداربينهما : ” أنا أحيي وأميت ” يحيي من يشاء من رعاياه ، فيبقي عليه ويغدق عليه بالنعم وبالخيرات والهبات، ويميت ويقتل من يشاء لامعقب لأمره! لأن القوة والسلطان بيده ، يبطش بهما دون رادع، ودون حسيب أو رقيب، والناس يهابونه لما يظهره لهم من قوة وقسوة وجبروت في قهرأعداءه ومناوئيه، والقصاص من كل من تحدثه نفسه بما لا يهواه الملك الإله ، يده تطال كل شيء..! لكن نبي الله إبراهيم عليه السلام لم يرهبه استعراض هذا الملك لقوته، لأنه عليه السلام مطمئن بأن هناك رب لا تخفى عليه خافية، بيده الملك وهو على كل شيء قدير، فقال له في ثبات ويقين المؤمن المحسن المحتسب : ” قال إبراهيم فإن الله ياتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب ، فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين” سورة البقرة الآية 257 .

أمريكا اليوم تسلك نفس أسلوب الترهيب والتخويف والترويع ضد الأمم والشعوب ، بل إنها تنفذ إلى قلوب وعقول حكام هذه الشعوب وكبار رجالاتها، وتستضيفهم على أرضها ، وتجول بهم عبر مؤسساتها المدنية والعسكرية ، فيقفون على دقة التنظيم في دواليب الدولة ، ويطلعون على هول مخزون ترسانتها العسكرية.. فيقضي ذلك على آخر بذرة أمل ويقين في أن الظالم لابد أن يندحر، فيقفلون راجعين إلى بلدانهم، وإلى مرؤوسيهم ، يحملون نعوش سيادة أوطانهم واستقلال قراراتهم السياسية والاقتصاديةعلى أكتافهم، ولسان حالهم يصرخ وينذر ويولول : ” التسليم لأمريكا إله العصر ..! “

إن العنف الذي تتطاير الصحف الوطنية والدولية بأخباره كما تتطاير أشلاء ضحياه ، والذي اقتحم المغرب في تفجيرات الدار البيضاء … الفاجعة، وخرق هدوءه، بلد السلم والتعايش ، الذي ظلت أبوابه مفتوحة على الدوام لكل الوافدين عليه ، فتحا… أو طلبا للتجارة أو العلم أو هروبا من عدو راصد أو من غريم منتقم … المغرب الذي ما ضاقت أرضه يوما بأحد منهم ولا ساء أهله وسكانه اختلاف دين أحدهم أو عرقه أو لونه… هذا العنف إنما يتغذى وينمو بسبب الظلم والإرهاب والتضييق وكتم الأنفاس الذي تمارسه أمريكا ومن يدور في فلكها على كل شعوب الأرض …

إن تفجيرات 16 ماي بالدارالبيضاء لا يمكن بأي حال إلا إدانتها واستنكارها لأنها تتعارض مع مقاصد شرعنا ومع آداب وأخلاق الإسلام في السلم والحرب …لكن في نفس الوقت لا يفوتني أن أسجل إدانتي للواقع الوطني و الدولي وللأسباب التي نتجت عنها ظاهرة العنف … فليعمل العقلاء في بلدنا وفي العالم على مساءلة ذلك الواقع واستفسار تلك الأسباب ، علهم يدركون مكمن الداء ويصفون نوع الدواء …!

كانت أمريكا إلى عهد قريب تعمل جاهدة من أجل إشراك أكبر عدد ممكن من دول العالم ، صغيرها وكبيرها ، غنيها وفقيرها ، لتبرر عدوانها على أية دولة ، خاصة حينما يتعلق الأمر بالدول العربية والإسلامية، وتوظف في ذلك ترسانتها الإعلامية الضخمة والمتنوعة لاستمالة الرأي العام العالمي، ناهيك عن أسلوب الضغط السياسي والاقتصادي، والمنح والهبات والعطايا التي تصرف من أموال وثروات المستضعفين لتشتري بها تبعية الدول والحكومات أو تضمن على الأقل حيادها. لكنها في عدوانها واحتلالها للعراق، كشفت عن وجهها الحقيقي للعالم ولكل من كان يعتقد أنها راعية السلام والأمن فوق هذه الأرض وتقدمت إلى مسرح الحرب لوحدها ضاربة عرض الحائط كل القوانين والمواثيق والأعراف الدولية، ومخلفة وراءها كل تلك الدول، الحليفة على الدوام ، والتي كانت ربما تطلب وترغب في حصة من الغنيمة أكبر من حجمها في نظر أمريكا. دخلت أمريكا إذن إلى العراق عنوة، فقتلت ودمرت وخربت ، وأحدثت فوضى عارمة في البلد،وخلطت أوراق العديد من الحكومات القريبة و وحتى البعيدة ، ثم التفتت إلى العالم، قائلة: ” لقد حل بالمنطقة واقع وعهد جديد، ولابد للدول المحيطة و المجاورة للعراق أن تأخذ بعين الاعتبار هذا الواقع الجديد وتضعه في الحسبان ..!

أمريكا اليوم “تميت وتحيي” تقتل الناس ، ترمل النساء وتيتم الأطفال ، ثم تجلب لمن بقي منهم المعونات والمساعدات ” الإنسانية ” لتبقي على حياتهم..!فهل نسترسل معها، بل وحتى مع قوم من بني جلدتنا ، في الجدل حول هذا الأمر ، كونها القادرة على كل شيء في العالم وأنه ليس ثمة قوة تستطيع الوقوف في وجهها.. أم نوجه نظرها إلى حقيقة شاخصة ، إلى واقع جلي يصرفه الله فوق أرضها ولا حيلة لها لدفعه ومنعه .. وهي أن الأمريكيين ، وفي أشد الظروف حرجا ، وفي أقسى الفترات وأكثرها تشويها للإسلام والمسلمين..بعيد أحداث 11 شتنبر، أخذوا يعتنقون الإسلام ويدخلون في دين الله أفواجا..! يا الله! ما هذا التحدي..؟

وهل نتراجع وننتظر انبعاث من هو في إيمان نبي الله إبراهيم عليه السلام كي يقف في وجه أمريكا ويقول لها بثقة أهل اليقين: ” قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبيس المهاد” سورة آل عمران الآية 12 . ويعلن بأن العاقبة للمتقين، وبأنها ، أي أمريكا ، حطب جهنم ؟

أننتظر مائتي عام أخرى ، تبسط فيها أمريكا نفوذها المطلق على المنطقة، ومن خلالها على العالم كله ، وتحكم شد الخناق على دولها ،وتربط خطوط أنابيب النفط العربي كله بخزائنها ؟ أم ننتفض ، ينتفض أهل العراق والشام .. وينتفض الشيعة أهل القومات .. وينتفض أهل الحجاز واليمن ..؟

قد ننتظر بعض الوقت، وقد تفاجئنا الأقدار بما لم يكن في الحسبان! لكن الأكيد أن لا شيء بعد العراق..! وحتى إن أرادت أمريكا استباحة أرض أخرى كما حصل في أفغانستان والعراق ، فهي تدرك تماما أن اللحظة ليست مناسبة لذلك، ستنهمك إذن في إعادة الإعماروفي ترتيب الأمور بالمنطقة، وأثناء ذلك، ومن تلك البقاع ستعلو صيحات الله أكبر معلنة بداية العودة والكرة للحق على الباطل، وفي بقاع أخرى… يهيء الله بها أسباب اليقظة والهمة والنضج والجندية لله تعالى، لتكون بحول الله منزل إرادته ومهبط قدره بالفتح المبين الذي وعد الله به عباده الصالحين ، وبشرنا به نبيه الأمين صلوات ربي عليه وسلامه.

دعونا نتفلت ولو للحظات من ضوضاء الدنيا ، من أخبار حروبها وكوارثها ومن أرقامها وتقاريرها، دعونا نهدأ ولو قليلا، وننصت إلى خبر الغيب الذي يحدثنا ويبشرنا به رسوله الكريم صلوات الله عليه وسلام. كدنا ننسى في خضم هذا الإعلام الهاجم المبهر الأخاذ، وفي خضم منطق القوة الظالمة والعنف الأهوج اللذان يسودان العالم، أن لنا نحن المسلمون مصدرا للأخبار اليقينية لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يبشرنا بأن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى ويطمئننا ويبعث في نفوسنا الأمل، فلنستمع إلى تلك الآيات لنقيس ونحلل ، ونخطط ونبرمج… وفقها وعلى ضوئها، دون أن نغفل بالطبع الأخذ القوي بأسباب ووسائل وعلوم القوم …

يقول تعالى : ” وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون” سورة النور الآية 54 ؟

… ويوم يسقط كبرياء أمريكا مرة أخرى، وتدور الكرة عليها ، آنذاك ستبهت وترجع إلى نفسها فتدرك ، يدرك العقلاء فيها ، أن لقوتها حد وسقف لا يعلوان على قوة العزيز الجبار .. وسيرى العالم بأسره كيف ستتتابع خسائرها بالضربات الموجهة إليها.. و سيقف الجميع مندهشا ومشدوها بهول المفاجأة.. ولسان حالهم يقول : ” وي كأن قوة أمريكا لم تكن ! وي كأنها لم تحكم العالم يوما ما قط ..! والله بالغ أمر … ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم