لم يعد خافيا أن “شارون” قد استنفذ كل ما لديه من وسائل إرهابية لتحقيق الأمن، وأنه يشعر الآن بمرارة الهزيمة، لأنه وجد نفسه أخيراً أمام الحقيقة التي حاول أن يهرب منها على الدوام وهي أن المقاومة الشعبية لا يمكن أن تُهزم، أو بمعنى آخر أن جيش الاحتلال الذي صوره الصهاينة على أنه الجيش الذي لا يقهر ليس في مقدوره أن يحرز نصرا على مقاومة شعبية كتلك التي يديرها الشعب الفلسطيني، فعندما يعد “شارون” شعبه قبل انتخابه كرئيس للوزراء بأنه سيقضي على الانتفاضة والمقاومة خلال مئة يوم فلا أشك لحظة أنه كان يعيش وهما كبيراً، وأنه كان يعتقد ما يقوله، ولو خطر بباله للحظة أن مقولته تلك مستحيلة التنفيذ لما قالها، أما الآن فقد تبينت له الحقيقة وأنه إنما كان يخدع نفسه، بمعنى آخر أن “شارون” قد تغيرت قناعاته تماماً، وهذا يعني أنه يدرك وقد فشل في تحقيق هدفه أن أحداً من القادة الصهاينة الذين سيتسلمون الأمر من بعده لن يستطيع أن يحرز نصراً على فصائل المقاومة فشل في إحرازه “شارون”، ولذا فإن “شارون” يقف أمام خيارين إما أن يستمر في المواجهة والمواجهة لها استحقاقاتها المؤلمة، فاستنزاف المقاومة للكيان الصهيوني اقتصاديا ومعنويا ونفسياً وبشرياً لم يعد خافياً على “شارون”، والخيار الثاني أن يبحث عن مخرج يحقق فيه نصراً سياسياً يقود إلى تحقيق التفاف على المقاومة، وهذا الخيار أيضا له استحقاقاته ولكن لدى “شارون” أمل كبير في أن يحقق الالتفاف على المقاومة دون أن يدفع الثمن، فإن فشل فيكون على أقل تقدير قد كسب بعض الوقت لالتقاط الأنفاس.

ولقد اعتمد “شارون” الخيار الثاني وما كان له أن يعتمد غيره، وهذا في حد ذاته يعتبر نصراً لفصائل المقاومة الفلسطينية، ولكن ما يسعى إليه “شارون” هو الهروب من الهزيمة إلى نصر يختم به حياته السياسية، وهو في واقع الأمر لن يكتفي في هذه المرة بتسجيل انتصار على المقاومة ولكنه يريد سحقها تماماً، والعنوان الذي على سلم الأولويات في عملية السحق هو “حماس”، فضلا عن أن حركة “حماس” بناء على الإحصاءات الرسمية لخسائر العدو كان لها نصيب الأسد في ذلك، فإن “حماس” لها حضورها في قلوب الجماهير الفلسطينية، وكذلك العربية والإسلامية، و”حماس” بما تحمل من فكر إسلامي معتدل لها تقديرها من كافة أبناء المسلمين وعلى رأسهم علماء الأمة، كما أن حماس أثبتت أنها لا تساوم على الحقوق المشروعة مما يشكل تهديدا لمستقبل وجود هذا الكيان الذي يقوم على اغتصاب جزء عزيز من أرض المسلمين، والأهم من كل ذلك أن خلق توتر بين السلطة الفلسطينية و “حماس” قد يفضي إلى اقتتال داخلي كما يأمل الصهاينة، فرأس “حماس” إذن هو المطلوب أولا ولكن لن يقف الأمر عند حدود “حماس”، فكل من “فتح” و “الجهاد الإسلامي” و “الجبهة الشعبية” و “الجبهة الديمقراطية” وجميعها فصائل شاركت في المقاومة لن تنجو من الملاحقة والاستهداف.

ومن هنا بدأ “شارون” بالتحضير لخارطة الطريق، فهو يرى فيها الطريق الوحيد لتحقيق مخططه في ضرب المقاومة وفي نفس الوقت التملص من أي استحقاق، وأعلن “شارون” مراراً عن استعداده لتنازلات مؤلمة، ولكن هذه الإعلانات لا تخرج عن إطار التسويق المخادع لخارطة الطريق، أو التدليس على الشعوب بإيهامها أن ضرب المقاومة له مقابل يمكن وصفه على أنه إنجاز سياسي، ولكن “شارون” يعلم أنه لا يمكن أن ينجح في تحقيق هدفه إلا بوجود شريك فلسطيني لديه الاستعداد أن يقوم بالدور الذي يريده “شارون”، فكما قلنا فقد أدرك “شارون” أن جيشه لم يعد قادراً على تحقيق النصر على المقاومة، ويرى “شارون” في هذه المرحلة على الأقل أن الحكومة الفلسطينية الجديدة جديرة بأن تعطى فرصة لتحقيق هذا الهدف.

ولكن المطلوب من “شارون” أن يقدم العون لهذه الحكومة حتى تستطيع أن تلعب دورها دون أن تخسر الشارع الفلسطيني، وهذا يعني أن يكون هناك إنجازات عملية على أرض الواقع يلمسها الشعب الفلسطيني فيقع في شرك الاقتناع بجدوى ما يسمى بالعملية السلمية من جديد بعد أن كفر بها، وبالتالي يغض الطرف عما يمكن أن تقوم به من تصدي للمقاومة قد يفضي إلى اقتتال فلسطيني فلسطيني، وهنا لابد “لشارون” من تقديم شيء يشعر به الشارع الفلسطيني كإنجاز هام وفي نفس الوقت لا يتناقض مع المشروع الصهيوني الرامي إلى تصفية القضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني لصالح الكيان الصهيوني، وعليه فلا غرابة أن يلجأ “شارون” للمناورة المحسوبة، وإطلاق التصريحات الفارغة من أي مضمون، تماما كما فعل في إعلانه بقبول خارطة الطريق، فهو قبول شكلي ولم يكن بسبب الضغوط الأمريكية كما يحلو للبعض أن يصور الأمر، ولكن سيناريو التآمر يتطلب هذا القبول المسرحي والذي يأتي بعد التعزز فيبدو رغم ما اكتنفه من تحفظات لم تبق ولم تذر أنه انتصار للدبلوماسية الفلسطينية، “فشارون” يعلم أن الطريق لتنفيذ المرحلة الأولى والتي ستكون حتما الأخيرة ولكن بعد تنفيذها يبدأ من بوابة قبول خارطة الطريق، والتي بتنفيذ مرحلتها الأولى يتوقع “شارون” أن يعلن النصر على المقاومة الفلسطينية التي أرقت مضجعه، وسلبته بريقه كمنقذ للكيان الصهيوني.

وأما الحكومة الفلسطينية فأنا على ثقة أنها لن تخدعها مناورات “شارون”، وأعني بذلك أنها تعلم جيداً أن ما يقوم به “شارون” مجرد مناورات ليس لها رصيد على صعيد الفعل السياسي الذي يمكن أن يفضي إلى إنجاز فلسطيني، وهذا يعني أن دخول السلطة في تنفيذ المخطط لن يكون لأنها خدعت، ولكن يعني بكل وضوح أنها قبلت بتمرير المؤامرة الصهيونية عن علم مع سبق الإصرار، وأنا لا أشك أنها تدرك تماما أن “شارون” يريد أن يبيع الوهم لتحقيق انتصار أخفق في تحقيقه في ميدان المواجهة، وستكتشف السلطة بعد حين أنها أمام خيارين إما أن تصبح لحدية، أو تعود إلى خيار الشعب فتحافظ على وجهها الوطني.

بقي أن أذكر أن انتصار “شارون” إن قدر له أن يتحقق -لا قدر الله- فلن يسجله التاريخ على أنه انتصار على المقاومة، بل سيسجله انتصاراً على من قبل شراء الوهم، وأذكر أيضا أن المقاومة قادرة بإذن الله على تجاوز المرحلة مهما فعل “شارون” الذي سيسجل له التاريخ أنه قد دق أول مسمار في نعش الكيان الصهيوني