1. النقل والعقل والإرادة:

قبل طرق هذا الموضوع، هناك سؤال مشروع يتبادر إلى الذهن؛ هل هناك فعلا أزمة منهاج في ساحة الفكر والعمل الإسلاميين؟

الذين يرون عدم الجدوى من طرح السؤال، أويرون عدم وجود هذه الأزمة أصلا، يضعون فكرة تبسيطية مفادها أن الإسلام قام ولا يزال وسيبقى كذلك، على الوحي الإلهي: القرآن الكريم والسنة المطهرة، القولية والفعلية والتقريرية. ومن ثم لا حاجة لنا بأي ابتداع في الدين يبعدنا عن الوحي ويكون “واسطة” بيننا وبينه. الفكرة في ظاهرها غير قابلة للنقاش، بل “إن المحفوظ من حفظه الله من الشك في هذا”1 كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين.

لكن، أليس هذا الوحي بعد أن اكتمل، بين أيدينا منذ خمسة عشر قرنا؟ فلماذا انحرف القطار الإسلامي منذ عهد مبكر وتشتت الفقه وتشرذمت الأمة فرقا وطوائف ومدارس، تشرذما لا نزال نرى ونعيش عقابيله؟

الفتنة الكبرى والانكسار التاريخي الذي صحبها وضعا حدا لحكم الشورى الذي انتهى بعد ثلاثين سنة فقط هي عمر الخلافة الراشدة حسب الأحاديث الصحيحة والحقائق التاريخية. هذا الانحراف الخطير الذي جعل الأمة تعيش تحت حكم السيف وأودى ولا يزال بخيرة أبنائها وعلى رأسهم آل البيت النبوي عليهم السلام، حصل والكتاب والسنة لم يمسسهما سوء لأن الله تعالى حفظهما من كل تحريف وقيض لهما رجالا أتعبوا أجسادهم من أجل خدمتها. إذن يجب البحث عن الأسباب في جهة أخرى.

بنفس الرؤية التبسيطية أعلاه، يدرك الخطيب المفوه أن أسباب الغثائية والفتنة وسائر أمراض الأمة ترجع إلى عدم التمسك بالكتاب والسنة. ينحي الخطيب، الذي تجزأ الفقه لديه، باللائمة على الأفراد من باب “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” (قرآن كريم). وقلة من يتجاوز العامة ليعظ أولي الأمر لأنهم المسؤولون المباشرون عن الرعية. وهذا الوعظ، على أهميته، لا يمثل خطة عمل ولا ينتج المنهاج المطلوب. فالتمسك بالكتاب والسنة فعل إرادي، سواء كان فرديا أو جماعيا، وهو متعلق بالاستعدادات والقابليات. الاستعداد لتلقي شعب الإيمان بعد إحكام أركان الإسلام ثم التشوف لنسمات الإحسان، وهي مراتب الدين مفصلة في حديث جبريل المشهور.

نمسك بهذا الخيط لنبحث عن خيط آخر لا يقل أهمية عن الأول، وهو أن التطبيق المطلوب لا يكون إلا عن علم وعن فهم تام للشرع ومطالبه ومقاصده، والفهم آلته العقل وأدواته. وبتفاوت التمكن من هذه الأدوات تتفاوت الأفهام وبالتالي التمسك والتطبيق. والتفاوت حاصل أيضا في الاستعدادات القلبية. الاستعداد والفهم، قلب وعقل، مضافان إلى النقل معادلة نحصل بها على خطة العمل التي هي عين المنهاج.

لم تعرف الأمة الإسلامية في تاريخها أزمة في النقل كما حدث للنصاري مثلا، ولكن الأزمة مست على الدوام الفهم والإرادة، الجماعيان على الخصوص، الشيء الذي أخل بخطة تنزيل الشرع على أرض الواقع بصفة شمولية وتامة. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “أزمتان إحداهما أعوص من الأخرى تعيشهما الأمة ما تزال: أزمة القيادة وأزمة المنهاج”2. اقتصرنا ونقتصر في حديثنا هنا على الموضوع الثاني أي أزمة المنهاج، على أن أحدهما لا ينفك عن الآخر، ولنا عودة في مقال قادم للحديث عن أزمة القيادة بإذن الله.

2. النموذج المحتذى

عاشت الأمة الإسلامية مرحلتين عرفت فيهما الدين بشموليته دعوة ودولة، قيادة ومنهاجا، هما مرحلة النبوة وهي مرحلة التأسيس وتثبيت الأركان ثم مرحلة الخلافة الراشدة وهي مرحلة الانتشار والعالمية، على الأقل قبل الفتنة الكبرى.

إن التجديد الذي ننشده لأمتنا في قرنها الخامس عشر هو بناء على الأصول الثابتة وهي الكتاب والسنة أو ما اصطلحنا عليه بالنقل. هذا الأصل لم تنل منه يد السنون، كما سبق، بحفظ من الله، وإنما نالت من درجات فهمه، ومن درجات التفاعل معه على مستوى الإرادة. والتجديد المنشود هو تجديد لهذا الفهم ولتلك الإرادة.

إن مرحلة النبوة دعوة ودولة وعصر الخلافة الراشدة، يمثلان الفهم الصحيح للتنـزيل والإرادات المتأهبة على الدوام للتنفيذ، هذا لأن المنهاج كان واضحا لدى القيادة ولدى كل عضو في الجماعة المؤمنة. لم يكن الوضوح فحسب، ولكن القابلية للتنفيذ أيضا. بمعنى أن التنفيذ عملية ساهمت فيها إرادات متأهبة بفعل التربية النبوية والراشدية، وتيسير من الله تعالى لشرعه.

لم يكن هناك انفصام بين الفقه الفردي والفقه الجماعي، بين غايات الدعوة وأهداف الدولة، أي بين غايات الإحسان ومطالب الاستخلاف. كان ما يمكن أن نسميه بالفقه الجامع الذي ينظم حاجات وواجبات الفرد داخل الجماعة ويرتب الأولويات ويحدد العلاقة بين الدعوة والدولة. التربية النبوية هي التي أنتجت رجالا ونساء كانوا على استعداد لتلقي القرآن بنية التنفيذ كما كان يقول سيد قطب رحمه الله، والتعليم النبوي هو الذي أوجد عقولا صارت منبعا للحكمة بعد أن رحم الله تعالى القلوب.

التعليم النبوي كان حاضرا في كل خطوة يخطوها الفرد وتخطوها الجماعة. فهذا الحباب بن المنذر رضي الله عنه تعلم كما تعلم كل الصحابة، منذ حادثة تأبير النخل الشهيرة، أن يسأل إن كان تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهادا بشريا أم وحيا. فيقول حين رآه نزل أدنى ماء من مياه بدر استعدادا لغزوة بدر: يا رسول الله، أرأيت هذا المنـزل، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنـزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم -قريش- فننزله ونغور ما وراءه من القلب (الآبار) ثم نبني عليه حوضا فنملأه ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي”3.

يقول الأستاذ ياسين: “المنهاج النبوي يجمع لنا نور القلب الذي يصدق بالحق ويخضع له، وبين فهم العقل المضبط بالعلمية والتجربة والدقة في الحكم، بهذا العقل فقط يمكن أن نبني، وبذلك القلب فقط يكون البناء إسلاميا على هدى من الله”4.

فالصحابي الجليل هنا كان على استعداد للتخلي عن رأيه غم أن التجربة والخبرة علمتاه حصافة الرأي، فالوحي قبل الرأي لأن القلب صدق بالحق.

هل انقطعت التربية النبوية بموت جسده الشريف عليه الصلاة والسلام، وبالتالي ما استفاد منها سوى الصحابة الكرام؟ هذا ما لا يستطيع الجزم به أحد، لأن النصوص الصريحة تكذبه. (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). والخيرية ما هي حفظ للنصوص وفهم لها وكفى، لأن هذا مناطه العقل، والاقتصار عليه تجزيء للدين. بل قد يصبح العلم وبالا على صاحبه إن جعل منه دودة قارئة زاحفة على بطنها في موائد الحكام.

الخيرية تجمع لنا العلم بالنصوص وتفاعل القلب معها، وهما علمان لا مناص من تلقيهما عن الرجال. الرجال الأول كانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، ومن أكابرهم أئمة الأمة خلفاؤها الراشدون الذين جمعوا بين الدعوة والدولة، بين العدل والإحسان المأمور بهما في القرآن.

ومن مهام التجديد اليوم أن ينظر في وظيفة القيادة من خلال هؤلاء الرجال، إذا أردنا أن نبني على الأساس الأول المتين والسليم. وهو الموضوع القادم بإذن الله تعالى.

1 المنهاج النبوي ص. 212.

2 مجلة الجماعة العدد الخامس ص. 47.

3 الرحيق المختوم للمبار كفوري ص 203.

4 المنهاج النبوي ص. 215-216.