وزن العامل الذاتي

يقتضي توزين العامل الذاتي وترجيح جانبه أن نعطي الأهمية القصوى لفحص ذاتنا، للنظر في عيوبنا، لتمحيص صفنا، لتربية نفوسنا وصقل قلوبنا وتهيئ المحل الذي يتنزل فيه نصر الله. لا نهضم هذا الجانب مثلما يهضمه الغافلون عن الله، كل شأنهم التخرصات والاستراتيجيات والترسانات. ما تغني التخرصات والاستراتيجيات والترسانات إن كان جانب فقه العباد بدين الله مخروما وكان التآخي في الله معدوما، وحب الله ورسوله والمؤمنين منقوصا، والآخرة مسكوتا عنها، وذكر الله أمرا نكرا، والطاعات مطففة، والأخلاق مجففة، والإيمان في القلوب باليا، والران عليها غاشيا !

اقتحام وقومة متى قمنا بشرطهما وضعنا قضيتنا في ظل الله وأصبحنا قوة اقتحامية قائمة بأمر الله ـ لا نتألى عليه جل وعلا ليستثنينا من سنن بلائه، لكن يَرجى لقومتنا يومئذ من مدد الله ما يَعز الله به جهادنا.

وقل ما شئت بعد أن تحكم مقدمات التربية وأسبقية تجديد الإيمان ويقظة التطلع إلى الإحسان، قل ما شئت عن ضرورة النضج الحركي، وإفشاء الشورى في الصف، وتكتيل الجهود بجمع الفصائل الإسلامية الجادة على مشروع، وعن ضبط التنظيم وتطعيمه بالوعي السياسي ودراسة الأوضاع القائمة، وعن التحالفات المرحلية وشروطها، وعن الخصم في الساحة السياسية أو العصابة المضادة المقاتلة إن كان الابتلاء ألجأ جند الله أن يقاتلوا.

كل أولئك مكملات متممات ضروريات. أسلحة علمية ومعنوية وإعلامية ومادية لا بد منها، لها الفاعلية التامة إن لم تتنزل على فراغ تربوي. إن كان قلبك فارغا من خشية الله، وجوانحك لا تنطوي على حب الله ورسوله والمؤمنين، وولايتك في ذات التنظيم لا في ذات الله ورسوله والمؤمنين، فما رفعك للشعارات الإسلامية إلا كالنفاق، وما تقدمك إلى الساحة إلا شقاق من الشقاق. تسلح إذا بالغضب الساحق وسمها ثورة وأظهر للناس على لونك.

تجديد الإيمان

يغلب كثير من إخواننا الإسلاميين الاهتمام بالتكوين الفكري، والتجديد الفكري. وهو أمر لا جدال في أهميته. لكنه ليس التربية التي نريدها شاملة عميقة، قلبية نفسية ربانية قبل كل شيء، ثم فكرية عضلية حركية تنظيمية بعدَ.

إن طليعة منظمة تريد أن تفوز بإمامة الأمة وأن تقودها إلى النصر لابد أن يكون لها فكر متكامل وخطة واضحة وآفاق معروضة على الجماهير، مشروحة لما هو البديل الإسلامي، وما مواضعه ومرافقه، وما أهدافه وبدايته وطريقه.

ما يكون الوجود الاستعراضي للحركة الإسلامية في الشارع والجوامع إلا ضربا من الدعاية المضادة إن كان جند الله يحملون اللقب زورا. إن كانت الأمراض القلبية والنفسية واللسانية والأخلاقية معششة تحت الجلباب واللحية والقميص.

الطليعة القدوة

إن لم يكن جند الله جند الله حقا، قدوة لا بالتظاهر وإتقان المظاهر، لكن بالسمت ينم عن التقوى، والتؤدة تنبئ عن الثقة بالله الساكنة، والعطاء من ذات اليد وذات القلب، والإيمان يشع نوره في السلوك.

طليعة قدوة تحمل مشروعا تجاهد عليه الأبيض والأحمر بصدق وثبات وروحانية. ذلك ما يكفل بعد توفيق الله عز وجل أن تلتف الجماهير حول طليعتها عندما تناجي القلوب القلوب، وينور العقل العقول، وتقترب الأنفاس خاشعة جميعا في صف الصلاة، وتمتد اليد بالعطاء، وترفق طليعة الحق بساقة الجند وأجنحته حانية محبة فادية.

لا تكن حيسوبا جمْاعة عدادا لقدراتنا الذاتية وإمكاناتنا تحصر القدرات والإمكانات في نطاق الكم والعدد والطاقة المادية. إنما تتفجر من حولك وإليك طاقات الشعب وإمداداته إن شم فيك الشعب مع ريح الرجولة نسائم الصدق وعبير الفتوة الجهادية وعطر الإيمان.

تريد أن تلحق بك الجماهير وتلتف وتقاتل من دونك؟ أين أنت من قول الله عز وجل ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان وَدا) مريم 96،آمنوا وعملوا الصالحات إخلاصا لوجهه سبحانه لا شَرَكا سياسيا نفاقيا لتحصيل ولاء الناس. وما تحصل بالمظاهر النفاقية، إن حصلت، إلا على هتاف كلهْبة التبن لا تلبث أن تنطفئ. وأنت لا بد لك من جماهير تصدق معك الكرة.

التربية الشاملة القلب والفكر والأخلاق، ثم التنظيم الواعي المحكم الشوري بقيادة محبوبة مطاعة. هذه مقدمات بديهية لتأليف الشعب على كلمة الإسلام وقيادته، لتحقيق مشروع الإسلام وتعبئته للجهاد ـ أيا كان نوع الجهاد المتعين في الآن والمكان.

من أين نبدأ؟

من أين نبدأ التربية والتنظيم والزحف في مقدمة الشعب؟ متى وكيف يصبح العامل الذاتي الأمر الحاسم في المعادلة؟

إن الجهد المستمر والجهاد الصادق لنيل هذه الرغائب لا يبدأ ولا ينتهي والمؤمنون في مقاعد وثيرة ومجالس أنيسة. إنما يبدأ ويتأتى وسط الزحمة ومن خلال المدافعة والمثافنة. والعدو يرقب ويسجن ويقتل، والخصم السياسي يعرقل، والناس تشك وتسري فيها الدعايات المضادة، وتثبط عزائمها أصداء الأفاعيل التي ينقل الإعلام يوميا خبرها حين يقتل المومنون ويفتنون ويحجمون ويجففون ويكسرون الثقة بالله.

ثقة الشعب رأس مالك، وقابليته للبذل والجهاد في سبيل الله متى استيقظ إيمانه وتنور وعيه رصيدك. فإن كانت ثقتك أنت بالله عز وجل وصدقك معه، وتصديقك لموعوده حافز تحركك كان مما يؤيدك الله به في قومتك من يؤلفهم حولك من المؤمنين والمسلمين. من يؤلف قلوبهم بالإيمان. ( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم ) الأنفال 62-63.

وسط ضراوة التحديات وطغيان الأذى، وسط المعمعة وجنون العالم المعادي لمشروعك وخطتك وحركتك، وسط الشيطنة التي تكيد والمكر الذي يدبر عليك، تنضج الظروف النفسية وتنبني ثقة الجماهير بك إن أعطيت برهان صدقك بالصبر واليقين. عندما تنهار ثقة الناس بأعدائك وخصومك ويظهر الله جلت قدرته من آثار توفيقه لك موقفك وعزمك، تنهال عليك الجماهير آملة أن تجسد طموحاتها على أرض الواقع. ويكون قد آن الوقت لتدخل تربيتك وتنظيمك لقاعة الامتحان، ولتبتلى ” قدراتك الذاتية ” ، بل الحكمة المرجوة من توفيقه تعالى، ويوضع على محك التجربة ما كان فكرا مجردا عاما ومطالب وشعارات وتهيئا وإعدادا.

في ميدان الصراع

على محك التجربة وفي ميدان الصراع والمدافعة والمجالدة يتضح خط جماعة جند الله ومسار الصف الإسلامي. وعندها يوم يثبت الله الأقدام، وتخطى الخطى بثبات وإيمان يتبين أن نصر الله معقود على ناصية” العامل الذاتي” مهما تخرص المثبطون وتخوف الخائفون من ضعف القائمين المقتحمين وقوة الحواجز والعوارض والأعداء.

وعلى محك التجربة وفي ساحة الصراع وسوق السياسة سيلتقي جند الله، ويصطدم جند الله، ويواجه جند الله، بدعوات أخرى تربيتها وتنظيمها ومشروعها واقتراحها على الشعب منصوبة على غير الأساسيات التي جعلت منا على مدى قرون أمة عظيمة. أولئك هم الفلول المبثوتة على أرض المسلمين من متقاعدي الثورية التقدمية وأرامل الإديولوجية التي خر مثلها الأعلى في العدل، وخمد أوار حماس أبنائها النضالي مع انهيار الإمبراطورية السوفيتية. أولئك في بعض بلاد المسلمين لا يزال معهم من الوقاحة، بل من بلادة الحس وتخلف الفكر، ما يجعلهم مصرين على التقاط الأطروحات الملفقة البالية التي طرحها أصجابها ومنشؤوها في ” مزبلة التاريخ ” ليقترحوا على الأمة خرقا تافهة ميتة ينفخون فيها لتصبح في أوهام عامة البلداء رايات نصر.

نعم، لا يزال في بعض بلاد المسلمين من هذه ” النخب ” المغربة المؤدلجة من يروم تسويق هذه البضاعة الكاسدة في كل مكان.

وآخرون من دعاة الوطنية والحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان سرى فيهم الشعور وتنامى الوعي بأن الإسلام وحملة رسالة الإسلام هم القوة الصاعدة التي لا مناص من محاورتها والتفاهم الحضاري الديمقراطي معها. هكذا يزعمون في كتاباتهم ونواياهم المعلنة، بينما يفعل نظراؤهم في اللاييكية (ولا أكتب العلمانية لأسمي البضاعة الفكرية باسمها الأصيل) وقسماؤهم في دعوى الديمقراطية وحقوق الإنسان ما نعلمه من اغتيال الديمقراطية في الجزائر وتصفية الخصم الإسلامي في معتقلات الصحراء وسجون تونس ومصر، وما تتجدد أخباره من إنشاء قوانين لردع “الإرهابيين الظلاميين المتطرفين” .

بينما يحاكم الممسكون بزمام السلطة من النظراء في اللاييكية والقسماء في دعوى الديموقراطية خصمهم الإسلامي في المحاكم العسكرية، تنطلق محاكمة أخرى إعلامية، منذرة بأن الإسلاميين أعداء الديموقراطية، إنما يمتطون موجتها ليخنقوها بعد وصولهم إلى الحكم كما فعل النازيون والفاشيستيون. رمتني بدائها وانسلت ! ما يفعلونه، ما يفعله نظراؤهم وقسماؤهم على أرض الواقع، يتهمون هم به الجانب الآخر محاكمة على النيات ومصادرة وتجريما.

سنة الله

هؤلاء اللاييكيون اللبراليون، سواء الأصيل منهم في لبراليته أو العائد إليها باحتشام على خطى بوريس إلتسين، ليس عندهم العامل الذاتي الذي كنا نتحدث عنه إلا تعبيرا عن إرادوية هائمة في سماء الأحلام. التاريخ عندهم، وهم تلامذة ماركس وانجلز ولينين علنا أو خفية، تيار جارف وحتمية لها اتجاه غالب.التاريخ عندهم مد لا يقاوم، فإما أن تندمج في سياق حركته وإلا يطوح بك في مجاهل التخلف الأبدي والهامشية مع العالم الرابع والخامس.

إن كان بعضهم يعبد التاريخ وتهوله أحداثه الجسام ـ ربما عن اقتناع مخلص للوطن والديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان ـ فنحن نعبد الله وحده لا شريك له، ونوقن أن ما من حركة في الكون ولا سكون إلا بإذنه وتدبيره وفعله، وأنه سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وأن ما يحدثه سبحانه في التاريخ وفق سننه في الخلق أو خرقا لها أو اختصارا لها ودمجا ما هو إلا صور من بلائه للعالمين. ومن كان من عباقرة الإديولوجية التاريخانية يجسر على توقع سقوط جدار برلين وتطارح العملاق السوفيتي بين عشية وضحاها على أعتاب الرأسمالية يتسول قوت يومه !

لا إله إلا الله محمد رسول الله، أي دمج واختصار وتسريع إلهي للتاريخ هذا.