هل يمكن أن ننتظر شيئا غير التخلف والانحطاط من إسلام “مخزني” “رسمي” عاجز عن قيادة معركة التحرير والتنوير والتنمية والبناء؟

ماذا يمكن أن ننتظر من مؤسسات دينية رسمية لا تتحرك إلا بالتعليمات، وظيفتها السياسية محصورة في تشديد قبضة الجبر والاستعباد على رقاب الشعب المسلم المستضعف؟

العلماء العاملون ورثةُ الأنبياء محاصَرون، والأبوابُ مفتوحة على مصاريعها لِـ”رُوَيْـبِضَاتِ” هذا الزمان، وهم أقليّة، يصولون ويجولون، يتكلمون في شؤون المسلمين بغير علم، تحميهم الدولة، بل تنظّمهم وتقودهم و تشجعهم وتجعل في خدمتهم سيفَها وإعلامها، بكل أنواعه، وبطشها وقمعَها ومنعَها؛ لقد صدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين أخبر أنه “سيأتي على الناس سنوات خدّاعات يُصدَّقُ فيها الكاذبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادقُ، ويؤتَمَنُ فيها الخائن، ويُخَوَّنُ فيها الأمينُ، وينطق فيها الرُّوَيْبِضةُ. قيل: وما الرُّوَيْبِضة؟ قال: السفيهُ(وفي رواية: الرجل التافه) يتكلم في أمر العامة.

جراءةٌ على الإسلام والإسلاميين تكشف عن وجهها الكالح في مختلف منابر “اللادينية” الخبيثة اللعينة. وعرّابو “الديمقراطية الحداثية” “الإقصائية الظالمة”، الحاقدون على الإسلاميين وعلى كل ما له علاقة بالمرجعية الإسلامية، لا يفتأون يجيّشون جيوشهم، مستغلين “فرصة العمر” التي ساقتها لهم تفجيرات 16 ماي الإجرامية، ويجمّعون فلولهم في اتحادات وروابط ومنظمات وجبهات وجمعيات وأحزاب، لاستئناف حربهم “المقدّسة” على الإسلاميين “الظلاميين” “…”، لاستئصال جرثومتهم وتجفيف منابعهم، لا فرق بين مذاهبهم وتياراتهم، فهم في الظلامية والإجرام والعداء للديمقراطية شيء واحد. ومن آخر ما أسسوا في هذا المضمار، يوم السبت 31 ماي، ما سمّوه “الجبهة/المنظمة الوطنية ضد ثقافة الحقد والكراهية”. ومن التناقضات الفاضحات في هذا المخلوق “اللاديني” الجديد أن الذي عُيّن ليكون ناطقا رسميا باسمه هو الصحافي جمال براوي، وهو من أحقد خلق الله وأشدهم عداوة للإسلاميين، بل هو من متزعمي تيار الإقصائيين الاستئصاليين الداعين، بكل صراحة ووقاحة، وفي الإعلام العمومي، إلى جعل النظام السياسي للبلاد نظاما لائكيا(علمانيا)، وقمع كل التوجهات التي تتخذ من الإسلام مرجعا وسندا وأصلا لأفكارها واجتهاداتها ومشاريعها وآرائها. وبعد هذا يزعمون أنهم سيحاربون ثقافة الحقد والكراهية!! إذن، ابدأوا بصفوفكم أيها اللادينيون الحاقدون إن كنتم صادقين.

رؤوس جهّال يبشروننا بل يفرضون علينا أن نؤمن بدين “الديمقراطية الحداثية” الذي يقبل في ناديه كلّ الطوائف والأعراق والتيارات إلا الإسلاميين، إلا العاملين للإسلام وغد الإسلام ومجتمع الإسلام وعدل الإسلام وأخوة الإسلام وحضارة الإسلام. (قد بَدَتِ البغضاءُ من أفواههم، وما تُخفي صدورُهم أكبر. قد بيَّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون). صدق الله العظيم، وهو، تعالى، حسبنا ونعم الوكيل.

ورغم كل هذا البلاء فإننا مأمورون- والزمانُ زمان فتنة واختلاط- أن نُقدِّم الرفق والحكمة والموعظة الحسنة وأن نجادل بالتي هي أحسن.

فهذه بعض العبارات الموجزة، كنت كتبتها في وقت سابق، مع بعض الإضافات والتعديلات التي تناسب المقام، عن المرجعية الإسلامية التي يصر اليوم أنصار الديمقراطية الحداثية اللادينية الإقصائية الحاقدة أن يصفوها بأنها(أي المرجعية الإسلامية) هي أصل ثقافة الإرهاب والحقد والكراهية، وبئس ما يصفون وبئس ما يأكفون.

في القرآن الكريم والسنة الصحيحة الشريفة عرض شاف للقواعد الإيمانية الكلية والتصورات العقدية والأخلاقية العامة التي بها قوام المرجعية الإسلامية.

هذه الأصول الإسلامية الإيمانية والأخلاقية، وكذلك الأحكام التشريعية القطعية، مثلها في القيمة المرجعية النظرية الفكرية مثل سائر أصول الفلسفات والنظريات و المذاهب الوضعية، تُعْنَى بشؤون النظر في تفسير الظاهرة الإنسانية وتحليل خصائصها وتعليلها، وكذلك النظر في مسألة الكون والوجود الإنساني، وتطور العمران البشري، ومعنى وجود الإنسان في الأرض ومصيره بعد الموت إلى غير ذلك من المباحث النظرية التي لازمت الإنسان منذ عرف الإنسانُ الإيمان والتفكير والتأمل، ومنذ كان للإنسان شعور وسمع وبصر وفؤاد.

فالمقصود بالمرجعية الإسلامية في الفكر والسياسة والفلسفة والأدب والفنون والعلوم وغيرها من النشاطات الإنسانية إذن، هو هذه التصورات الكلية في شأن الإنسان والكون والمجتمع والدنيا والآخرة والشر والخير وغير أولئك من الموضوعات والقيم والأفكار. أما الجزئيات والفرعيات مما يستجد في حياة الناس من قضايا ونوازل وغيرها، فلا بد أن يُرجع، في البتِّ فيها، إلى “الرجال” أهل العلم والاجتهاد والترجيح والاستنباط، وفق ما هو معروف في أصول الفقه وقواعد الفتوى.

لماذا المرجعية الإسلامية؟

أولا ـ لأننا جميعا مسلمون، وفي إسلامنا سعيُ الدنيا وسعيُ الآخرة متصلان لا ينفصلان، وإيمان المسلم لا ينفك عن سلوكه وتفكيره واجتهاده وعمله في مختلف المجالات.

ثانيا- لأن المرجعيات الأخرى، فلسفية كانت أو فكرية، دينية أو لادينية، لا تنفك، في القضايا التي تثيرها و المباحث التي تتناولها، عن مقولات معينة وتصورات محددة واستنتاجات مفترضة، تنظر بواسطتها إلى الإنسان والحياة والتاريخ وغيرها من مظاهر الوجود البشري في الأرض. بل إن بعض المرجعيات اللادينية والفلسفات الوضعية اشتهر في مضمار النظر والفكر بنظريات ومقولات وتحليلات لبعض الظواهر الإنسانية والسلوكات الاجتماعية اشتهارا واسعا يضاهي، في بعض الحالات- كالفرويدية، مثلا، في التحليل النفسي، والماركسية في التاريخ والاقتصاد- اشتهارَ الإسلام بالقرآن المنزل وحياً على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد، صلى الله عليه وسلم.

فلماذا نقبل بالمرجعية الماركسية أو المرجعية الاشتراكية أوالمرجعية اللائكية(العلمانية) أو المرجعية العقلانية اللادينية، على سبيل المثال، منهجا للتحليل و التفسير والتعليل، بل، وفي بعض الأحيان، عند بعض الباحثين، للتقويم والحكم أيضا، ونرفض المرجعية الإسلامية، وقد ثبت لدى المحققين المنصفين، من المسلمين وغير المسلمين، شموليةُ المنهاج الإسلامي وفرادُته أيضا في شأن معالجة كثير من القضايا الإنسانية الروحية، والنفسانية، والاجتماعية، والعلمية، والاقتصادية، والتربوية؟

ثالثا ـ إن المنهاج الإسلامي، كما تقدمه “المذهبية الإسلامية”هامش(1) يمتاز بالتكامل والرؤية الشمولية فيما يخص الاجتماع البشري، وحركة النظام الكوني. وهو كذلك شامل ومتكامل بتناسق تصوراته ووضوح مفاهيمه وخصوصية رؤيته، التي تشمل في مداها الحياة الدنيوية و الحياة الأخروية، فضلا عن قيامه، في أصله، على سنن ثابتة توجه التدافع الاجتماعي وتضبط صيرورة العمران البشري في الأرض.

رابعاـ لأننا اليوم، في كل مناحي تدافعنا وسعينا واجتهادنا وتفكيرنا وأحلامنا، شئنا أم أبينا، لا نخرج، ولو بمقدار أَنْمَلَة، عن نطاق الحضارة العربية الإسلامية ديناً وتاريخاً وفكراً وإبداعاً. ومن الخطأ المنهجي الكبير، في رأيي، عدمُ إيلاء هذه الحضارة، بكل تجلياتها، ما تستحقه من العناية، وخصوصا في أصولها الدينية، لأن الإسلام كان، وما يزال، هو روح هذه الحضارة، يشهد بذلك تراثها الزاخر بكثير من ألوان العطاء والإبداع، ولو جحد الجاحدون وجادل المجادلون.

فهذه الحياة الدنيا التي تضم الإنسان من المهد إلى اللحد، ما هي؟ ما حقيقتها؟ كيف كانت؟ ولماذا وجدت؟ ما الغاية منها؟ أين مكامن جمالها وحلاوتها؟ أين مواطن قبحها وحقارتها؟ والأرض؟ والسماء؟ والبحار؟ والنجوم؟ والجبال؟ والنبات؟ والحيوان؟…إلخ. خلائق وكائنات وعجائب في الأنفس وفي الآفاق، كيف نحسها؟ بأي قلب، وبأي فكر، وبأي منظور؟ في جملة، بأي إيمان وعقيدة نحيا الحياة ونستلهم مظاهرها ومخابرها، جمالهَا وأسرارها، حقائقها وعجائبها؟

وإن النظر إلى هذه الحياة بكل آياتها الرائعات، واستلهامَ أسرارها وسحرها لَيختلف بين رجلين مؤمنين من ملة واحدة، فأحرى بين إنسان مؤمن وآخر ملحد. ومن هنا أهمية المرجعية الإسلامية في النظر والنقد والتقويم، لأن الحياة في المعتقد الإسلامي هي غير الحياة في المعتقد الإلحادي، مثلا، أو المعتقد اللاييكي، أو المعتقد الوثني. ولا شك أن لتصور الحياة ومفهومها وقيمتها في كل معتقد تأثيرا قويا وبارزا في سلوك المرء ومواقفه، فضلا عن أفكاره ومشاعره وأحلامه. ولهذا، فإن عدم اعتبار هذه الاختلافات الحادة بين معتقد ومعتقد، أو التسويةَ بين المعتقدات بدعوى الحداثة أواللادينية أو اللاطائفية أو العقلانية أو غيرها من الدعاوي يُعَدُّ، في نظري، خللا في المنهج أولا، وتجاوزا لأبسط قواعد المنطق في تمييز المعتقدات والأفكار ثانيا.

وقد يذهب الجدل ببعض الناس إلى الظن بأن الإحالة على المرجعية الإسلامية في شؤون الفكر والسياسة، مثلا، ليس يعني إلا الإحالة على آراء الرجال وفتاوي الفقهاء المجتهدين. لا، لأن الرأي والفتوى مشروطان بالزمان والمكان والأشخاص، أي، وبعبارة أوضح، متأثران بثقافة العصر وظروفه السياسية والاجتماعية والاقتصادية.هامش(2).

أما المرجعية التي نقصدها في كلامنا فتخص الثوابت القطعية التي لا يسع المسلم المؤمن إلا الإيقان بها والتسليم لمقتضياتها، بعيدا عن كل معاني الإكراه، لأنه {لا إكراه في الدين، قد تبَيَّن الرُشد من الغَيِّ}(من الآية256 من سورة البقرة)، وبعيدا، أيضا، عن كل تعصب لرأي على رأي، ولوجهة نظر على أخرى، لأن الأمر يتعلق بأصول وثوابت وأسس لا يستقيم إيمان المؤمن إلا بها. أما الرأي والاجتهاد، طبعا، في حدود الأصول والثوابت القطعية، فحكمهما التغير والتعدد والتجدد الذي يغني التشريع ويتمشى مع مقاصد المنهاج الإسلامي في الحرص على مصالح الناس وصيانة حقوقهم. وأسوق فيما يلي مثالين من الأمثلة المُوضِّحَة(هامش(3)):

1 ـ {إن الدين عند الله الإسلام}(من الآية19 من سورة آل عمران)

إن الدين في المرجعية الإسلامية(هامش(4)) رسالة من الله، عز وجل، إلى عباده في الأرض، تبشرهم وتنذرهم، ترغبهم وترهبهم، تنادي الإنسان كل إنسان، آمرة ناهية، زاجرة محذرة، مذكرة بصيرورة العالمين إلى الله، تعالى: {يا أيها الإنسانُ إنك كادحٌ إلى ربِّك كدحا فمُلَاقِيه}(الانشقاق/الآية6)

والدين بلغة الاصطلاح: “وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل، وهذا يشمل العقائد والأعمال. ويطلق على ملة كل نبي، وقد يخص بالإسلام، كما قال الله، تعالى: {إن الدِّين عند الله الإسلام}…”هامش(5)

وقد تطور هذا الوضع الإلهي حتى بلغ صورة النضج والاكتمال مع آخر الرسالات السماوية، وهي رسالة الإسلام. بل إن الإسلام كان معروفا منذ عهد قديم، لكن ليس بالصورة التامة التي ظهرت في رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد ابن عبد الله، صلى الله عليه وسلم.

ويحكي القرآن الكريم وصية إبراهيم ويعقوب، عليهما السلام، لعقبهما في شأن التشبث بالدين والموت على الإسلام، حيث يقول الله، عز وجل:{وأوْصَى إبراهيمُ بنيه ويعقوبُ، يا بَنِيَ، إن اللهَ اصطفى لكمُ الدينَ فلا تمُوتُنَّ إلا وأنتم مسلمون}(البقرة/132). والدين في هذه الآية بمعنى “الإسلام، والألف واللام في “الدين” للعهد، لأنهم قد كانوا عرفوه”هامش(6). والشواهد في هذا الباب كثيرة.

وقد فصل الأستاذ محمود محمد شاكر، رحمه الله، في بعض مقالاته الكلامَ على لفظة “دين”، متتبعا تطورها الدلالي في اللغة العربية، مناقشا دعوى توحد معنى الدين عند مختلف الملل والطوائف، مبيِّنا في الأخير مفهوم الدين الحق بمعناه الجامع. ومما جاء في كلامه: “أن “الدين” عندنا، وهو الإسلام، إنما هو ما أنزل الله على نبيه من كتاب، وهو “القرآن”، وما نطق به رسول الله من أمر ونهي، وهو “الحديث والسنة”، وهما جميعا “الدين” الذي رضيه الله لنا، وأمرنا باتباعه والخضوع له، فيما أحببنا وفيما كرهنا، وأن ليس لأحد أن يخالف حكما أنزله الله في كتابه، ولا حكما قضى به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في سنته، سواء كان هذا الحكم قضاء في أمور الناس، وهو “الشريعة”، أو قضاء في أخلاق الناس، وهو “الآداب”، أو قضاء في الخضوع لله بالقلب والجوارح واللسان، وهو “العبادة”. ولكن كل هذا لا يستقيم وحده، لأن المطالبين بأن يسلموا وجوههم لله، وأن يطيعوا الله والرسول، لم يُطالبوا به عن طريق الإكراه والقهر والغلبة، بل طُولبوا به عن طريق الحجة والبرهان والدلالة، أي عن طريق العقل والتفكير والتمييز بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والرشد والغيِّ، ولذلك قال، سبحانه، في سورة البقرة / 255: {لا إكراه في الدين. قد تبين الرشد من الغي. فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها}(…)

“ولما كان الهدى والضلال، والحق والباطل، والرشد والغي، أمورا لا تُحدُّ كثرةً وتشعبا، وكانت وسائل التمييز بين مختلفاتها ينبغي أن تكون شاملة لأصول وثيقة محكمة على اختلافها وتباينها، كان بينا، بعد هذا، أن “الدين” لا بد أن يشتمل أيضا على الدلالة على هذه الأصول الصحيحة المحكمة التي يسترشد بها العقل في طريقه، أي في التفكير والنظر والاستدلال”هامش(7).

والدين كما أخبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديث جبريل المشهور(هامش(8))مراتبُ ودرجات أولُها الإسلام، وثانيها الإيمان، وثالثها وأعلاها الإحسان، وهو “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.” وفي نهاية الحديث أخبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن الذي كان يسأله إنما هو جريل “أتاكم يعلمكم دينكم”.

فمفهوم الدين الذي نقصده مفهوم إسلامي رباني شمولي تعم أحكامه مختلف الظواهر الكونية والقضايا الإنسانية، لا في جزئياتها وتفصيلاتها وتغيراتها وتطوراتها، بل في قوانينها العامة وخصائصها الكلية. إنه مفهوم يشمل المحيا والممات، ويرصد تفاعل السلوك الإنساني على مستوى البُنى النفسية العميقة، وعلى مستوى البُنى الاجتماعية الخارجية، ويتناول السنن التي تتحكم في تدافع المجتمعات البشرية في الأرض، وتقوم وراء صيرورة العمران البشري.

بهذا المفهوم الكلي والرؤية الشاملة تتكشف حقيقة كون الآخرة امتدادا للدنيا، وأن قيمة الفعل الإنساني، في الضمائر والظواهر، إنما تكون بحسب استجابته أو عدم استجابته للسنن الكونية والاجتماعية التي قضى الله، سبحانه، أن تكون الضابط لتوازن حركة التاريخ الإنساني في الأرض.

والدين، بهذا المنظور، لا يهمل السلوك الإنساني البسيط إذا كان منبثقا من أصل ثابت من أصوله ـ أي أصول الدين ـ الثابتة التي لا يعرف التغيير إليها سبيلا. وقد جاء في الحديث الصحيح أن “الإيمان بضع وسبعون شعبة ـ عند البخاري ـ بضع وستون ـ زاد مسلم: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان.”هامش(9)

فإماطة الأذى عن الطريق، في الظاهر، عمل عادي وبسيط، لكنه، مع ذلك، يمثل شعبة من شعب الإيمان في المرجعية الإسلامية، لأنه يرجع في حقيقته إلى أصل ثابت يشمل قيما مثل الصلاح والإصلاح والخير والتعاون، وهي قيم لا سبيل إلى تغييرها إلا بتغيير الدين نفسه، وعندئذ تفقد طابعها الديني الأصيل لترتد إلى وضع بشري يحتمل الخطأ والصواب، ولا يثبت قليلا حتى يعاوده التغيير فيصير إلى التحول.

وهكذا يتبين من هذا الموجز الذي قدمناه في شأن مفهوم الدين في المرجعية الإسلامية أن الأمر يتعلق بحقائق وثوابت يُجمع عليها المسلمون بمختلف فئاتهم ومذاهبهم وعصورهم، وليس برأي اجتهادي يمكن مراجعته ورفضه والتشكيك في عناصره. وننتقل إلى المثال التوضيحي الثاني.

2 ـ{الله خالقُ كل شيء، وهوَ على كلِّ شيءٍ وكيل}(الزمر/59)

{خلق الإِنسان من صلصالٍ كالفخّار، وخلقَ الجانَّ من مارج من نار}(الرحمن/12-13)

{خلق السماواتِ والأرضَ بالحق. يكوّرُ الليل على النهار ويكوّر النهار على الليل. وسخَّر الشمس والقمر. كلٌّ يجري لأجل مسمىًّ. ألا هو العزيز الغفّار}(الزمر/6)

{الذي خلق الموت والحياة ليبلُوكمُ أيُّكُمُ أحسنُ عملا، وهو العزيز الغفور}(الملك/2)

{وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}(الجاثية/12)

{وما هذه الحياةُ الدّنيا إلاّ لعبٌ ولهو، وإنّ الدار الآخرة لهي الحيوان(هامش(10)) لو كانوا يعلمون}(العنكبوت/64)

{ومنْ أرادَ الآخرةَ وسعى لها سعيها وهو مؤمنٌ فأولئك كان سعيهم مشكورا}(الإسراء/19)

{فأمَّا من طغى وآثرَ الحياة الدّنيا فإن الجحيم هي المأوى. وأمّا من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}(النازعات/37-40)

فهذه بعض الآيات القرآنية اخترتها من بين آيات كثيرة تتناول بعض الأصول الإيمانية الثابتة للمرجعية الإسلامية، وتصورُ بعض خصائصها المتعلقة بقضية خلق الإنسان وأصل الحياة ومبدئها ومنتهاها، وأصل الوجود بكل مظاهره ومخلوقاته من سماوات وأرضين وشمس وقمر ونجوم وليل ونهار وبحار وأنهار وحيوانات وحشرات وجبال وغيرها من الكائنات والموجودات المسَخَّرة في السماوات والأرض. وإن كل قِراءَةٍ في القرآن الكريم وفي السنّة المطهرة، باحثةٍ مجتهدةٍ محقِّقةٍ منصفةٍ، لا يمكن أن تخطئ هذه الخصائص الفريدة التي تميز المنهاج الإسلامي من غيره من المناهج والمرجعيات.

فالإنسان والحياة والكون وسائر الموجودات إنما هي من صنع حكيم خبير هو الله، سبحانه. وما من شيء في هذه الأكوان الواسعة إلا وهو مخلوق بقَدَرٍ ولغاية:{إنا كل شيءٍ خلقناه بقَدَر}(القمر/49) {وما خلقنا السماوات والأرضَ وما بينهما لاعبين}(الدخان/36) ، وأن الحياة الدنيا ما هي إلا معْبَر إلى الحياة الأخرى حيث الخلود في السعادة أو الشقاوة، و{كلُّ نفسٍ بما كسبت رهينةٌ}(المدّثر/38) و{إن الله عنده علم الساعة وينزِّلُ الغيث ويعلمُ ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأيِّ أرض تموت. إن الله عليم خبير}(لقمان/33) {وما من دابة في الأرضِ إلاّ على الله رزقها ويعلمُ مستقرها ومستوْدعَها, كلٌّ في كتاب مبين}(هود/6)

آيات قاطعات بيِّنات مُبِينَاتٌ عن خصوصية المرجعية الإسلامية وأصولها الإيمانية في شأن قضايا الإنسان وأسراره، والدنيا وعوالمها، والآخرة وحقائقها ومُغيَّباتِها، والمجتمعات الإنسانية و نواميس تكوُّنها وارتقائها وتطورها ومآلها، يوقن بها المسلمون المؤمنون، ويُقر بها الفضلاء الباحثون المُنصفون، ويُعرض عنها المُلحدون المكذبون.

وهل أنا وأنت، أيها “الحداثي اللاديني الحاقد”، في المرجعية الإسلامية، إلا من مخلوقات الله، عز وجل؟

وهل هذه الدنيا بكل عوالمها وكائناتها ومفاتنها وآلامها وسحرها، إلا مخلوق من مخلوقات الله، سبحانه؟ وهل في الوجود حياةٌ دنيا غير هذه الدنيا؟

فهذان المثالان المقتضبان يوضحان بجلاء روح المرجعية الإسلامية المتعلق بالكليات الإيمانية في شأن الإنسان والحياة والمجتمع، كما يتوضّح معهما أن اختيار الحركات الإسلامية- ولا علاقة لهذه الحركات بالمجرمين الذين يقتلون الناس بغير حق- لهذه المرجعية عماداً روحيا وفكريا للمنهاج الذي يسيرون عليه في برامجهم التربوية واختياراتهم السياسي هو اختيار واع ومسؤول لا ينفك يستلهم روح القرآن الكريم وروح هدي خير العباد محمد، صلى الله عليه وسلم.

والعجب كل العجب ممن يدعو المسلم إلى الافتراق عن ذاته والتعري من هُويته باسم الديمقراطية والعقلانية والحداثة، وكأن ذات هذا المسلم كيان مستقل منفصل عنه يمكن التحكم فيه بالعزل والتحييد وإلغاء فاعليته في أثناء الممارسة والسلوك، أو كأن الديمقراطية والعدالة والتنمية لا تتحقق إلا إذا حُوّلت شخصيةُ المسلم إلى كيان غير كيانه، وتلبّست بنفسه وعواطفه أحاسيسُ ومشاعرُ من غير طينة مشاعره وأهوائه ومعتقداته وأحلامه. وما أرى الداعيَ إلى مثل هذا إلا داعيا إلى عملية مسخ وتشويه، قصدَ ذلك أو لم يقصده.

وبعد، فأي حوار أو تفاهم أو تقارب أو تعاون مع من يتجاهل، عن عمد وقصد مبيّت، أو عن فهم منحرف ناتج عن تربية تغريبية لادينية، هذه البديهيات في المرجعية الإسلامية؟

أي جدال ينفع مع من يجحد الآيات البينات والأصول الواضحات، ويسعى للتشويش والمغالطة والتهريج والتعتيم؟

ما هذا الجهل الفظيع بمبادئ الإسلام في أبسط صورها عند حداثيينا “المتنورين”؟

إلى أين بهذه الحرب “المقدسة” الخبيثة الظالمة التي يشنها الديمقراطيون الحداثيون اللادينيون على المرجعية الإسلامية؟

ما هذا العناد والإصرار على العداوة والشحناء والبغضاء؟

سأقف، في مقال لاحق، إن شاء الله، مع المرجعية اللائكية(العلمانية) وأهم مآخذها على المرجعية الإسلامية.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

1 أستأنس، هاهنا، بالعبارة التي اختارها الدكتور محسن عبد الحميد في كتابه “المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري” “للدلالة على ما ذهب إليه الإسلام في أمور الكون وخالقه، والحياة والإنسان، أي القضايا التي تتعلق بالكليات وليس الجزئيات” ص 19. “فالمذهبية الإسلامية” ـ كما يرى المؤلف ـ تشمل العقيدة الإسلامية، وتشمل غيرها من الكليات التي ارتضاها الإسلام في العالم المادي، لضبط حركته، سواء في الحياة عموما، أو في المجتمع، أو داخل عالم الإنسان من حيث هو فرد” ص 19 من نفس المرجع. وأنا، في هذا المقال، أستعمل عبارة “المرجعية الإسلامية” لنفس الدلالة تقريبا. ويستعمل باحثون آخرون عبارات أخرى لنفس المعاني، مثل “التصور الإسلامي”، و”الفكر الإسلامي” و”الإيديولوجية الإسلامية” و”الفلسفة الإسلامية”…

2 راجع معالجة هذا الموضوع بالتفصيل في كتب أصول الفقه المشهورة، كالمستصفى للإمام أبي حامد الغزالي، وكتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين للإمام ابن قيم الجوزية، والموافقات في أصول الشريعة للإمام أبي إسحاق الشاطبي، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول للإمام محمد بن علي الشوكاني، وغيرها من المصادر الأمهات في هذا الفن.

3 هناك بعض المراجع التي يمكن الوقوف فيها على مزيد من التوضيحات والتفصيلات والمناقشات في موضوع خصائص “المرجعية الإسلامية” ومقوماتها، ككتابي “خصائص التصور الإسلامي” و”مقومات التصور الإسلامي، لسيد قطب، وكتابي “التطور والثبات في حياة البشر” و “منهج الفن الإسلامي”، لمحمد قطب، وكتاب “الخصائص العامة للإسلام”، للدكتور يوسف القرضاوي، وكتاب “المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري”، للدكتور محسن عبد الحميد.

4 لا شأن لنا هنا بالمعنى الأنثربولوجي لكلمة “دين”، ولا بالتفسيرات الفلسفية لهذا المعنى. فنحن نُبعد كلّية وعن قصد، كل التصورات والمفاهيم والدلالات التي تحيل عليها الديانات الوثنية القديمة، والطقوس والأشكال والممارسات التي طبعت حياة الإنسان في الحضارات البائدة، كعبادة البشر والكواكب والحيوانات، وتقديس الجمادات، وغيرها من الطقوس والتقاليد التي خُلعت عليها صفة القداسة والتعظيم، ونحصر قصدنا في المعاني التي تحيل عليها الرسالات السماوية التي حملها الأنبياء والرسل إلى الإنسان في الأرض مبشرين ومنذرين.

5 كشاف اصطلاحات الفنون، للتهانوي، 2/503. قارن بِـ “الكليات”، لأبي البقاء، أيوب بن موسى الحُسيني الكفوي، ص 443 ـ 444.

6 الجامع لأحكام القرآن، للإمام أبي عبد الله محمد القرطبي، المجلد الأول، ص137.

7 أباطيل وأسمار، ص 522 ـ 523.

8 رواه الشيخان وأصحاب السنن عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.

9 رواه الشيخان وأصحاب السنن عن أبي هريرة، رضي الله عنه.

10 “أي دار الحياة الباقية التي لا نزول ولا موت فيها…” تفسير القرطبي، ج21 /الآية 64 من سورة العنكبوت.