الأحداث الإرهابية التي عاشتها الدار البيضاء أفرزت تلاسنا حادا بين الكتلة المسماة حداثية والكتلة المسماة إسلامية. ماهي قراءتك الخاصة لهذا التلاسن؟

بسم الله الرحمان الرحيم، أغتنم الفرصة لأتقدم بتعازي لعائلات الضحايا وأقاربهم ولكل من تضرر من قريب أو بعيد من جراء هذا الحدث الإجرامي سواء داخل المغرب أو خارجه. ولأضم صوتي إلى باقي الأصوات المنددة بالعنف مهما كانت مبرراته وأيا كان مصدره. وأعتقد بأن هذه الأحداث التي عرفها المغرب خلال 16 ماي لم تشكل إلا حلقة ضمن صراع أصبح ممجوجا ويقتقد لأي مبرر أو مسوغ، وربما تكون هذه الأحداث كشفت حقدا دفينا يكنه تيار استئصالي معادي للإسلاميين شعاره ” الإدانة هي الأصل والاستئصال هو الحل”، وهم يحاولون من خلال هذه الأحداث كسب مواقع متقدمة في صراعهم هذا، وفي حربهم المقدسة هاته.

إن الاختلاف أمر مشروع، إن كان يعكس تنوعا في الرؤى وتشخيص الواقع واقتراح الحلول، وهو رحمة إن تحلى المختلفون بآدابه من احترام للآخر وتحل بعفة لسان وقلم، وتجنب للمتاجرة بالكذب واصطناع الأباطيل، وترك الحسم في الأخير للشعب الذي له كامل الصلاحية في اختيار أي الآراء يعبر عن آماله، وأي التوجهات يعايش آلامه، وهذا ما نتمنى أن يتحلى به جميع الفاعلين الموجودين في بلدنا لأن الساحة تسع الجميع ، ولأن الواقع المتردي الذي تتخبط فيه البلاد، والتحديات التي تنتظرنا أكبر وأضخم من أن يقوم بها أحد دون آخر.

إن المزايدات السياسوية والحسابات الانتخابوية والحرص على المصالح الفئوية لن تكرس إلا الشتات ولن تفضي إلا إلى الفرقة ولن تنفع البلاد، ولن تخدم إلا أعداءنا الذين ينهبون خيراتنا ويغتنون من فقرنا ويتقوون بضعفنا، ولهذا ندعو الجميع إلى التحلي باليقظة واستحضار المستقبل والتسريع بفتح حوار وطني يشارك فيه الجميع بدون استثناء، على مرأى ومسمع من الشعب، بغية التوصل إلى ميثاق جامع يلم شتاتنا ويقوي ضعفنا ويوفق آراءنا وينظم خلافاتنا ويحدد أولوياتنا.

وهذا أول الطريق لتفادي الكارثة لا قدر الله، لهذا على عقلاء هذا البلد التنبيه إلى خطورة هذا المسار وتسريع أدائنا لتجنيب البلاد ويلات نتائجه

الملاحظ أن الحركة الإسلامية غير موحدة في الخطاب وفي الأسس السياسية والفكرية، لكن يبدو أن التهامات على المستوى الإعلامي انصبت بالدرجة الأولى على العدالة والتنمية، مع العلم بأن الجماعت بما فيها العدل والإحسان وباقي الفصائل الإسلامية تم استثناؤها. هل ترجع ذلك إلى الرغبة في تقليص حظوظ الإسلاميين في اكتساح الانتخابات الجماعية ؟

أعتقد بأنه من العبث وضع كل الإسلاميين في سلة واحدة، كما أنه ليس من العدل في شيء تصنيف كل اليساريين أو غيرهم في خانة واحدة. وإن هذا التعميم ينم عن جهل مطبق أو عن تشويه مقصود، فالمتتبع الموضوعي يرى بأن الحركات الإسلامية هي أكثر من يعاني من خطاب بعض المتنطعين والمغالين في فهم الدين وتطبيقه، كما أنها أكثر من يعاني من قمع السلطة وجبروتها، ومن التعتيم والتشويه والتضليل. إن هذا التعتيم يبين خلفيات أصحابه الانتخابية ، ولكن ينسون بأنهم بأفعالهم هذه لايخدمون لا مصالحهم ولا مصالح البلاد وسينقلب عليهم تخطيطهم هذا؛ إذ ليس هذا هو الأسلوب الأنجع لمواجهة الخصوم السياسيين فهو لايخلق إلا عداوات وأحقاد تهدم أكثر مما تبني، ولكم نحن في حاجة إلى أن يترفع الجميع عن هذه الحسابات الضيقة فيقدم مصلحة البلاد والعباد، ويتحلى بنوع من الإيثار

في المسيرة الأخيرة للدار البيضاء كان مقررا أن تشارك الحركة الإسلامية كلها خاصة وأنكم أصدرتم بيانا مشتركا، لكن في آخر لحظة طلبت السلطة من فصيل واحد هو حزب العدالة والتنمية بعدم المشاركة خوفا من وقوع مشاداة مع المتظاهرين.لماذا ركزت السلطة على هذا الفصيل دون باقي مكونات الحركة الإسلامية؟

لقد عكست التفجيرات الإجرامية الأخيرة إجماعا وطنيا على استنكارها وإدانة مرتكبيها، وكانت المسيرة ستشكل مناسبة لإبراز ذلك الإجماع، حتى يتضح بأن هذا الحدث حالة شاذة واستثناء، وفي هذا السياق أعلنت الحركات الإسلامية عن مشاركتها رغم العديد من التحفظات على الخلفيات السياسوية التي حكمت الداعين لها، ولكننا ألغينا هذه الحسابات ترجيحا لمصلحة البلاد وتحسينا لسمعتها، ولكن اتضح، للأسف، أن هناك من مازال مليئا بالحقد ومتشبعا بالفكر الإقصائي وغارقا في التعصب، حيث ووجه العدالة والتنمية بضغوط من قبل السلطة حتى لايشاركوا، وووجهت باقي الحركات الإسلامية يوم المسيرة بحواجز طبيعية وبشرية من البوليس وبعض المتحزبين تمنعهم من المشاركة في مسيرة أريد لها أن تكون لكل المغاربة. لقد عميت بصيرة وبصر هؤلاء الاستئصاليين فصاروا يخضعون المواطنة لمعايير مزاجية – وفيهم الخصم والحكم- يمنعون بها كل ملتح ومرتدية للحجاب من الالتحاق بالمسيرة وصده بالسب والشتم. بما يندى له الجبين وبأنواع من التهديد ليست بغريبة على من ترعرع في بيئة القمع واحتقار المواطنين، وللأسف يصدر هذا عن بعض رجال السلطة المفروض فيهم الحياد ، وعن متحزبين المفروض فيهم تأطير المواطنين وتجسيد القدوة لهم.. فهل هؤلاء كانوا حقا واعون بالنفق المظلم الذي يدفعون البلاد إليه، وهل هم واعون بأنهم يصبون الزيت في النار ويذكون بأفعالهم هاته نار الحقد، ومن يزرع حقدا لايحصد إلا فتنة، نسأل الله نعالى أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن لايؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

إن السلطة بأفعالها هاته أثبتت بأن أمن البلاد أكبر وأجل من أن توكل إليها لأنها بأفعالها هاته المتحيزة تبين أنها لا تمثل الجميع. أما عن تخصيص السلطة للعدالة والتنمية وحدها، فجوابه عند السلطة وما سأجيبك به سيبقى تخمينات فقط.

نجد أن بعض المراقبين يتخوفون من تكرار النموذج الجزائري في المغرب، فهل تتفق معهم حول هذا الطرح؟

أعتقد بأننا في المغرب بعيدون كل البعد، لحد الآن على الأقل، عن الحالة الجزائرية، فرغم وجود بعض الاستئصالين الحريصين على اصطناع فرصة لكهربة الأجواء، ورغم تزايد حدة خطابهم التحريضي الحاقد، فهم معزولون عن المجتمع ولا يملكون من القوة ما يستطيعون به تنفيذ رغباتهم وأهوائهم لأن الحركة الإسلامية،والحمد لله، متجذرة في المجتمع ومنتشرة وسط كل مكوناته، وعلى هؤلاء، إن أرادوا النجاح في مهمتهم، تصفية الشعب كله، ثم لأن هؤلاء نخب معزولة عن الشعب ومذمومة من قبل مختلف شرائحه بسبب فضائحها وفشلها في إصلاح أوضاع البلاد والعباد طيلة سنين تحملها للمسؤولية، ثم لأن الحركات الإسلامية تنبذ العنف ولن تستدرج لمواجهة عنف هؤلاء بعنف مضاد” لئن بسطت يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين” صدق الله العظيم. ولكننا مع الأسف نضيع وقتا ونستفرغ جهدا في خلافات عقيمة ونخطئ الطريق ونبتعد عن الحل الأمثل في وقت أصبح للزمن قيمته، وفي وقت تتزايد فيه أمامنا العقبات وتتكاثر فيه التحديات وهذا ما على الجميع أن يعيه ويستوعبه ويشتغل بالبحث عن الحلول المناسبة لمواجهته.

بدأ يتناهى غلى علمنا أن المجتمع بدأ يحل محل الدولة في محاربة كل ما له علاقة بالانتماء للحركة الإسلامية ولو على مستوى المظهر( اللحية واللباس) من من قبيل أن بعض الطاكسيات يرفضون نقل اصحاب اللحي، هل يمثل هذا السلوك بداية تململ المجتمع لرفض ما كان يعتبره مصدرا للخلاص؟

أعتقد بأن هذه من السموم تنفثها بعض وسائل الإعلام التي صار الخاص والعام على دراية بكذبها وبهتانها، وأصبح الكل مدركا لخلفيات قصصها الوهمية وحكاياتها الخيالية ورواياتها المفتعلة، أما من يعايش المغاربة يوميا فسيدرك أنهم يعيشون بعيدين عن هذه الادعاءات، وشخصيا لم ألمس شيئا من هذا القبيل، بل على العكس أرى بأن أعضاء الحركة الإسلامية والمتعاطفين معها في تزايد والحمد لله، وهذا الأمر لايقتصر على فئة دون أخرى، أو منطقة دون سواها لأن الناس صاروا يدركون بأن الحركة الإسلامية ملاذ تربوي وأخلاقي قبل أن تكون منافسا انتخابيا وفاعلا سياسيا، كما أن الناس فقدث ثقتها في هؤلاء الذين أثبتوا فشلهم وخيبوا ظنه فيهم وقادوا البلاد خلال سنين تحملهم المسؤولية إلى وضع لا يحسد عليه، فأغرقوها في الفقر والأمية واليأس، وحتى من تجرأ على معارضتهم أذاقوه ألوان النعذيب وصنوف التنكيل.

حبذا لو فتح المجال لمنظمة نزيهة تقوم باستفتاء شعبي يعبر من خلاله الشعب بكل فئاته عن إرادته بعيدا عن الترهيب المخزني وإغراءات زبانيته.

عدد من الأقلام تتهم قادة الحركة الإسلامية بكونهم كانوا يؤججون الشارع المغربي بخطاب الإقصاء مستغلين الفقر واليأس، ماقولكم في هذا الطرح ؟

إن الحركة الإسلامية لاتقوم إلا بدورها في التوعية والتحسيس والرقابة والنصح، وعلى هؤلاء أن يعوا بأن الفقر واليأس والفوارق الاجتماعية والشطط في استعمال السلطة واقع لايرتفع ومشاكل حقيقية، ونحن لايمكن أن ننافق الناس ونلهيهم عن هذه الحقائق أو نبلد حسهم أو نخدرهم، ” كاد الفقر أن يكون كفرا” وفي المغرب أزيد من عشرة ملايين يعيشون بأقل من عشرة دراهم، وأزيد من نصف السكان أميون، والشباب الذين يشكلون أكثر من ثلثي السكان يعيشون حالة يأس مدمر جعلهم فريسة للإدمان واللامبالاة وإلقاء أنفسهم في البحر بحثا عن حياة أفضل أو هروبا من واقع كريه.

إننا لن نهادن الظالمين، ولن نداهن، ولن نساوم على آلام المستضعفين، ولن نخاف في الله لومة لائم، ولن نسمي الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية، ولن نصطنع قضايا وهمية أو ثانوية نغطي بها على القضايا الأساسية، فلن نرضى بشيء غير العدل ولن نقبل بشيء غير احترام حرية المواطين وكرامتهم. إن بلادنا تسير نحو الهاوية لا قدر الله، وأوصلها إلى ذلك نخب طغت وتجبرت واغتنت من مال الشعب وامتصت دماءه وعرقه،والحمد لله أنها صارت معروفة و منبوذة بعدما افتضح أمرها واتضح زيف شعاراتها وتبخرت وعودها، وما تعرفه من حركة اليوم ليست سوى مقدمة لموتها الطبيعي ولن نترك لها فرصة لتلصق ذلك بنا وتحملنا تبعات ذلك، ولكننا مع ذلك ندعو هؤلاء إلى تدارك الأمر وتجاوز ما سلف، والتوجه نحو المستقبل بإكراهاته وتحدياته، لأننا حملة رسالة رحمة ولسنا قطاع طريق، ودعاة رفق ولسنا انتقاميين.

لكننا، بالمقابل، لا نقتصر في مخالطتنا للناس على وصف الواقع الأليم فقط حتى نيئس الناس، فنحن أدرى من غيرنا بأنه ” لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”، ولذلك فنحن نربط الناس بالبشائر الربانية والنبوية، وبأن بعد العسر يسرا وبأن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولهذا فإخوتنا أبعد الناس عن العنف واليأس، وأقرب الناس إلى الشعب يعايشونه في السراء والضراء، في البأس والشدة ، وهذا ما تنبهت له السلطة فظنت أنها ستنافسنا في ذلك فبادرت إلى القيام بأعمال خيرية واجتماعية ولكنها كانت فاشلة لأن ماكان لله دام واتصل وماكان لغير الله انقطع وانفصل.

هذا هو خطابنا يمزج بين وصف الواقع وإعطاء البديل وتجسيد القدوة، نندد بالظلم ونفضح الظالمين ولكننا لا نزرع الأحقاد ونتجنب النزعة الانتقامية، نؤكد أن التحديات كبيرة ولكن نقول بالموازاة بأن الله أكبر، ونرى بأن اللائمة تقع بالأساس على من يتحمل المسؤولية في البلاد والذي لم يستطع أن يعيد الثقة لمواطنين ويبعث فيهم حتى مجرد الأمل، فالأولى أن نوجه أصابع الاتهام إلى هؤلاء.

هل تعتقد أن المغاربة سيتجاوزون أحداث 16 ماي الإرهابية بسهولة؟

أعتقد بأن صدمتنا فيما جرى يوم 16 ماي ينبغي أن لا تنسينا صدمتنا الكبرى في سرقة حلم المغاربة في بلد ينعمون فيه بحريتهم وتصان فيه كرامتهم ويتمتعون فيه بحقوقهم في ظل نظام عادل، وينبغي ألا تنسينا صدمتنا في جهود آبائنا الذين بذلوا الغالي والنفيس لطرد المستعمر ليفاجأوا بأنفسهم في مغرب مليء بالتناقضات وغارق في الطبقية الفاحشة وفي ظل سلطة جردتهم من آدميتهم.

ينبغي أن نتعمق في أسباب ما جرى ودوافعه وتسلسله، لنشيد البنيان على هدى وتقوى من الله، هذا هو الجهاد الأكبر، جهاد التأسيس والبناء.