في إطار تتبعنا لما حدث بالدار البيضاء يوم 16 ماي أجرينا هذا الحوار مع الدكتور محمد ضريف أحد أبرز المهتمين بقضايا الحركات الإسلامية بالمغرب. في هذا الحوار يميز الدكتور ضريف بين المسؤولية المباشرة وغير المباشرة فيما حدث بالدار البيضاء ويتطرق بالتفصيل لتطورات التيار السلفي في المغرب، ويلقي الضوء على قضايا أخرى. إليكم نص الحوار:

——————————————————————-

بصفتكم مهتما بالشأن الاجتماعي والسياسي المغربي، في رأيكم من يتحمل المسؤولية فيما حدث بالدار البيضاء من أعمال تخريبية؟

طبعا هناك من يتحمل المسؤولية بشكل مباشر، وهناك من يتحمل المسؤولية بشكل غير مباشر، إذا تحدثنا عن المسؤولية بشكل غير مباشر يمكن أن نتحدث عن طبيعة السياسات المنتهجة في المغرب. هناك لمدة عقود انتهاج لسياسات تهميشية وإقصائية أدت لتفاقم الفقر، وكذا انتهاج سياسات ثقافية لاتمت بصلة إلى الثوابت الأمة، وكانت أيضا سياسات اجتماعية أفضت إلى إقصاء كثير من المغاربة ولم تدمجهم في النسق الاجتماعي العام، وهناك سياسات اقتصادية أدت إلى ارتفاع نسبة الفقر والبطالة. في هذه الأحداث كيفما كانت الظروف فإن المنفذين هم مغاربة، والأدوات التي استعملت في هذه التفجيرات هي من صنع محلي، وأن هؤلاء المغاربة يعبرون عن رد فعل اتجاه سياسات معينة، لا أتحدث فقط عن عامل الفقر والبطالة ولكن أتحدث عن عوامل أخرى، سياسية وثقافية. إذن يمكن القول بأن من يتحمل المسؤولية بشكل غير مباشر في هذه الأحداث هي السياسات المتبعة منذ سنوات. وقد أدت هذه السياسات إلى تعميق الفجوة السياسية والثقافية، حيث نجد نخبة مغربة تحمل خطابا تحديثيا تريد فرضه على مجتمع لا زالت مكوناته وبنياته محافظة وتقليدية.

أما بالنسبة للمسؤولية المباشرة فمعروف أن هناك تنظيمات، وتفجيرات البيضاء بتلك الاعتبارات تحمل توقيع القاعدة، من هذه الاعتبارات إذا قرئنا هذه التفجيرات على ضوء سياقها، فهي أتت بعد التهديدات التي وجهها أسامة بن لادن يوم 11 فبراير إلى المغرب في تسجيل صوتي أذاعته قنوات عربية فضائية، وهذه لأول مرة يذكر أسامة بن لادن المغرب بالاسم، تأتي كذلك التفجيرات أربعة أيام بعد تفجيرات الرياض. هذه التفجيرات تحمل توقيع تنظيم القاعدة إذا مانظرنا إليه أيضا من حيث الأسلوب، فأسلوب القاعدة دائما هو عدم مواجهة الأنظمة بشكل مباشر، ولكن محاولة إضعافها من الداخل،باستهداف اقتصادها، ونعرف أن البيضاء مدينة اقتصادية، واستهدف أيضا القطاع السياحي باعتباره يشكل ركيزة القطاع الاقتصادي إضافة إلى رسائل فرعية أخرى تتضمنها هذه التفجيرات، هذا من حيث الأسلوب. ثم هناك طبيعة الأشخاص المستقطبين الذين نفذوا التفجيرات، فهؤلاء الشباب استقطبوا أخيرا لمدة لاتتجاوز سنة، وأكثر من ذلك هم غير معروفين لدى أجهزة الأمن، وهذا يندرج في إطار التصريح الذي أدلى به الناطق الرسمي الجديد باسم القاعدة الذي قال بأن القاعدة أعادت هيكلة نفسها، وقطعت مع العناصر القديمة المستهدفة من قبل أجهزة الأمن واستقطبت عناصر جديدة، بمعنى آخر أن هذه التفجيرات تحمل توقيع القاعدة، وقد وصلت السلطات العمومية إلى هذا الاقتناع، وإن كان المنفذون مغاربة، والوسائل التي استعملت من صنع محلي.

لكن يعرف على تنظيم “القاعدة” أنه يستهدف الأجانب، بالإضافة إلى ذلك فلا نجد إلى حدود الساعة أي تبني لتلك العمليات من طرف ” القاعدة”، بماذا تفسرون ذلك؟

بالنسبة لتفجيرات البيضاء هي لم تستهدف مغاربة مسلمين، فلم تقع التفجيرات في أحياء شعبية وإنما اختيرت رموز من مثل النادي الإسرائيلي والمطعم الإسباني وفندق يرتاده الأجانب كثيرا، بمعنى آخر لايمكن أن نقول بأن تنظيم القاعدة يستهدف الأجانب فقط، وإنما يستهدف الأجانب والأنظمة المرتبطة بالولايات المتحدة، لذلك فهو عندما يخطط لتفجيرات يعلم أن هناك مسلمين سيسقطون، ولكن هذا ثمن لابد منه، فتفجيرات الرياض مثلا لم تستهدف فقط أجانب، وإنما سقط مسلمون أيضا.

مما لاشك فيه أن ” القاعدة” قبل ضربها لبعض المواقع تقوم بدراستها ومعرفة من يرتادها. فلماذا أقدمت على ضرب أماكن يرتادها في الغالب مغاربة؟

أعتقد أن دراسة المواقع قد تمت، وربما كانت هناك معلومات بوجود أجانب أو مجموعات يهودية في فندق فرح أو النادي الإسرائيلي، وأنا أعتقد أنه أحيانا قد تتوفر على المعلومات الكافية، وهذه المعلومات قد تكون أحيانا ناقصة، ولكن أقول أن كل المؤشرات تبين أن تفجيرات البيضاء تحمل توقيع القاعدة أما مسألة تبني هذه العمليات فأنا أعتقد إذا أخذنا تهديدات أسامة بن لادن بعين الاعتبار وأخذنا الشريط الجديد لأيمن الظواهري الذي يحث المسلمين على ضرورة القيام بضربات وليس فقط بتظاهرات، أعتقد بأن هذا تبني غير مباشر ليس بالضرورة أن تصدر القاعدة بيانا رسميا. لقد وعودتنا القاعدة أنها لاتتبنى بعض العمليات إلا بعد مرور وقت طويل كما هو الشأن في تفجيرات 11 شتنبر؛ لذلك فأنا أقول إذا أخذنا تفجيرات البيضاء من حيث سياقها ومن حيث طبيعتها ومن حيث نوع المستقطبين الذين قاموا بالعمليات، فكل هذه المعطيات تجعل تنظيم القاعدة هو المسؤول المباشر على تفجيرات البيضاء.

فضل بعض الناس هذه الأيام خطابا استئصاليا ضد الحركة الإسلامية رغم موقفها الرافض للعنف، ماهو تفسيركم لذلك؟ وماهي آثاره على مستقبل المغرب؟

هذا الخطاب الاستئصالي ليس جديدا، فهناك صحف يومية وأسبوعية عرفت منذ سنوات بتمرير هذا الخطاب الاستئصالي الذي لا يعترف بالإسلاميين، ويرى أن الإسلاميين يشكلون خطرا على مستقبل المغرب، ومنذ سنوات كانت هناك صور استئصالية ترسل تحذيرات بأن المغرب سيدخل الدوامة الجزائرية، فهذا الخطاب هو قديم، ولكن تمت تقويته باستغلال تفجيرات 16 ماي. أنا لم أفاجأ بتصاعد هذه الأصوات الآن التي تطالب باعتماد مقاربة أمنية في مواجهة الإسلاميين، فقد كان من المنتظر أن ترتفع هذه الأصوات ولكن مايهم هو رد فعل السلطات، هل ستنساق وراء هذه الأصوات الاستئصالية أم لا؟ أما هذه الأصوات فهي كانت دائما مرتفعة وكانت دائما تشيع هذا الخطاب وهذه الثقافة الإستئصالية.

ماهي دلالات منع الحركة الإسلامية من المشاركة في مسيرة الدار البيضاء؟

هناك احتمالان إذا كان المنع مرتبطا بقرار سياسي يسعى للقطع مع الإسلاميين وتحميلهم مسؤولية ماوقع، المسألة هنا تختلف عن الاحتمال الثاني الذي بموجبه يمكن أن نعتبر أن منع الإسلاميين هو فقط احتياط أمني لعدم حدوث مواجهة بين الإسلاميين وبعض العناصر الاستئصالية.

أنا شخصيا لا أرى أن قرار المنع يندرج في إطار اختيار مبدئي للقطع مع الإسلاميين أعتبر أن المسألة تندرج في إطار ردود الفعل، وغالبا ردود الفعل تتسم بالانفعال والتسرع، وينبغي إعطاء بعض الوقت لكي تتضح الرؤية أمام الجميع.

تحدثت الأوساط المنظمة لهذه المسيرة على أنها أضخم مسيرة في تاريخ المغرب الحديث وأنها ضمت مليوني مشارك، في الوقت الذي تحدثت فيه بعض الوسائل الإعلامية الأجنبية عن بضعة آلاف مشارك، ماهو تعليقك على ذلك؟

ماسمعته أن المنظمين يتحدثون عن مليوني مشارك، وأن وكالات أجنبية خاصة الفرنسية، تحدتث عن عشرات الآلاف بغض النظر عن هذه الأرقام أنا أعتبر أن كل المغاربة شاركوا في مسيرة البيضاء ولو لم يحضروا، لأن المغاربة الذين بقوا في منازلهم يرفضون الإرهاب ويرفضون هذه التفجيرات، الإسلاميون الذين منعوا عبروا بشكل واضح عن رفضهم للإرهاب لذلك فبالنسبة لي ليس معيار المشاركة هو الحضور أو عدم الحضور.

بالنسبة لي المغاربة جميعا شاركوا في مسيرة البيضاء وعلى الذين نظموا هذه المسيرة إن كانوا يبنون قراراتهم وخياراتهم على عدد المشاركين أن يستخلصوا الدروس المناسبة من عدد المشاركين.

ماهي حقيقة وجود تلك التنظيمات من مثل “الصراط المستقيم” ” الهجرة والتكفير” “الجهاد” بالمغرب؟

في المغرب توجد تيارات فكرية دينية، المغرب بلد منفتح، جميع التيارات الفكرية في المشرق وفي الغرب تجد صداها في المغرب. المغرب كما يقال هو ملتقى الحضارات والثقافات لذلك كان تاريخيا معروفا بتعدده الثقافي والاجتماعي. وإذا ماحاولنا أن ندرس خريطة التيارات الفكرية المرتبطة بتوجهات دينية. لندع الآن الإسلامين جانبا لأن المصادر الفكرية للتيارات الإسلامية في المغرب معروفة والتيار الإسلامي له تعبيراته التنظيمية. بالنسبة للتيارات الأخرى الدينية بعيدا عن الإسلامين يمكن الحديث عن فكرين دينيين لهما صداهما في المغرب السلفية الجهادية والتكفير والهجرة، هذا الأخير موجود كإيديولوجيا كفكر وليس كتنظيم ، ومعروف أن التكفيروالهجرة تطور في مصر، ومؤسسه هو مصطفى شكري له آراء معروفة قد رسمها في أحد كتبه، هذا التيار وجد صداه في كثير من الدول العربية والإسلامية بما فيها المغرب، وهناك عناصر قليلة تتبنى التكفير والهجرة. فالسلطات مؤخرا اعتقلت أحد من يعتنقون هذا التفكير وهو بنداود الخملي، ولم تستطع السلطات إتباث هذا التنظيم، وكلما تؤاخذ على هذا الشخص قيامه ببعض العمليات المجرمة قانونا وقيامه بدفن أمه قرب مسكنه في الناظور لأنه يعتبر أن المجتمع كافر، فلا يمكن أن نتحدث عن تنظيم باسم التكفير والهجرة. وكذلك بالنسبة للسلفية الجهادية أو السلفية بشكل عام، هي تيار فكري. السلفيون يعتبرون أنفسهم من أهل السنة والجماعة،والانتساب إلى أهل السنة والجماعة هو انتساب عقائدي وليس انتسابا تنظيميا، لا توجد جماعة منظمة اسمها السنة والجماعة، فكل السنيون هم من أهل السنة والجماعة مقابل الشيعة، لأن هذا انتساب عقدي. طبعا هذا التيار السلفي انقسم الآن في المغرب إلى تيار سلفي تقليدي لازال مواليا للسعودية ويحصل على تمويل منها، وممن يمثلون هذا التيار محمد بن عبد الرحمان المغراوي في مراكش من خلال جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة .

وهناك تيار سلفي “جهادي” يساير أسامة بن لادن ويرفض مسايرة الأسرة السعودية وقطع علاقته معها ويدعو إلى الجهاد ضد الولايات المتحدة الأمريكية، هذا التيار يساير التوجهات العامة لأسامة بن لادن وليس فقط توجهات بن لادن ولكن أيضا توجهات مجموعة من علماء السعودية الذين يوجدون الآن بالسجون، لأنهم هم الذين أوجدوا ما يسمى بالسلفية الجهادية، وأسامة بن لادن تأثر بها، والآن يرمز إليها سياسيا. لذلك عندما نتحدث عن هذا التيار الفكري فهو موجود في المغرب، وعندما نتحدث عن تيار السلفية الجهادية كتيار فكري ينبغي أن نميز بين مستوين مستوى الدعوة إلى هذا التيار، هنا نجد بعض الدعاة بالفعل أمثال محمد الفيزازي وحسن الكتاني وأبو حفص هؤلاء يدعون إلى السلفية ” الجهادية” من خلال مباركتهم لتفجيرات 11 شتنبر، ويعتبرون إعلان الجهاد ضد الأمريكيين واجب شرعي ويؤيدون أسامة بن لادن ، فمحمد الفيزازي اعتبر بن لادن صحابي القرن 21 .

هؤلاء الدعاة كانوا في الأصل أئمة مساجد يروجون لهذه الدعوة، وينشرون كذلك أفكارهم عن طريق أشرطة مسموعة ومرئية. طبعا هؤلاء الدعاة يعتبرون أنفسهم علماء، لذلك فهم لايعتبرون أنفسهم أعضاء في الحركة الإسلامية، وإنما أعضاء في الحركة العلمية، فهم يجسدون العلماء ويقومون بواجب ديني، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقديم النصيحة للأمة. طبعا لكل عالم أتباع ولكن هذه التبعية ليست تبعية تنظيمية هي تبعية فكرية لذلك فهؤلاء لايرأسون أية تنظيمات.

المستوى الثاني هو وجود بعض المتأثرين بالفكر السلفي “الجهادي”، قد يكونوا تأثروا بشكل مباشر بهؤلاء الدعاة وقد يكونوا تأثروا بالفكر السلفي الجهادي في الخارج، لأن هناك أشرطة تدخل إلى المغرب. هؤلاء ليسوا دعاة وليسوا علماء وإنما هم مجموعة من الشباب الحركيين لهم تمثل معين للفكر السلفي “الجهادي” وحاولوا أن يطبقوا بعض أفكاره بشكل من الأشكال، من هنا ظهرت مجموعات. الآن السلطة تتحدث عن مجموعتين مجموعة الميلودي زكرياء ومجموعة يوسف فكري، بالنسبة لمجموعة الميلودي يمكن ربطها بتيار السلفية “الجهادية” ولكن بطريقة خاصة لا ننسى أن زكرياء الميلودي اعترف من خلال استجواب منشور له بأنه من أهل السنة والجماعة، أما مجموعة يوسف فكري اعتبرتها السلطات من التكفير والهجرة، وأنا أقول أن ّ”فكري” لا علاقة له بالتكفير والهجرة لأن الأسلوب الذي انتهجه لاعلاقة له بالتكفير والهجرة ثم هو نفسه في رسالة نشرت له ينسب نفسه إلى أهل السنة والجماعة إلى التيار السلفي. إذن عندما نتحدث عن “الفكر السلفي الجهادي” ينبغي أن نميز بين مستوى الدعاة ومستوى بعض الحركيين الذين تمثلوا بطريقة خاصة بهذا الفكر وحاولوا أن يؤسسوا مجموعات تمارس كما قلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب طريقتها، ولكن بجميع المقاييس لايمكن اعتبار هذه المجموعات بمثابة تنظيمات، لأن بعدها التنظيمي جد بدائي، إن لم نقل جد متخلف. فنحن حين نتحدث عن التنظيم، نتحدث عن مستويات وهؤلاء نسجوا علاقات فيما بينهم تجعلهم أقرب إلى المجموعة منها إلى التنظيم، لذلك أعتقد شخصيا أنه يمكن لتظيم القاعدة عبر الوسطاء المغاربة المحليين أن يكون استغل بعض العناصر المرتبطة بالتيار السلفي في هذه التفجيرات، ولكن أن نقول أن تنظيم “الصراط المستقيم” هو المسؤول عن هذه التفجيرات، أعتقد أن هذه الأخيرة في حجمها أكبر بكثير من أن يقوم بها التنظيم الذي يسمى حاليا في الأوساط الإعلامية والأمنية بالصراط المستقيم.

ألا ترى بأن السلطة بشكل أو آخر وظفت هذه التيارات لمحاصرة الحركة الإسلامية؟

في كتابي” الإسلاميون المغاربة” قلت بأن السلطة تمارس حربا بالوكالة ضد الإسلاميين، السلطة لم تنخرط في حرب ضد الإسلاميين ولكن حاولت أن تقود هذه الحرب بالوكالة، ووظفت التيار السلفي. وأشرت إلى محمد المغراوي وكذلك إلى محمد الفيزازي بمعنى آخر أنه منذ 1984 عندما تم تعيين عبد الكبير العلوي المدغري وزيرا للأوقاف كان هناك توجه يسعى لتوظيف التيار الوهابي لمواجهة الإسلاميين، لماذا سنة 1984 بالضبط ؟ لأن الحركة الإسلامية آنذاك بدأت تتقوى وكانت الثورة الإسلامية في إيران قد توطدت فكان هناك تفكير في إحداث نوع من التوازن؛ لا ننسى أن حتى عناصر مايسمى آنذاك بالجماعة الإسلامية التي ستحمل اسم حركة الإصلاح والتجديد فيما بعد كانت متأثرة بالفكر الوهابي، ودخلوا في سجالات مع الأستاذ عبد السلام ياسين من هذا المنطلق وكفروه. أقول أنه كان هناك توظيف للتيار الوهابي في الثمانينات لتقوية مايسمى بالإسلام الرسمي من أجل مواجهة تيارات أخرى رفضت الدخول في اللعبة بدون شروط. بالفعل هذه السلفية تقوت وصدرت كتابات للدرعاوي والمغراوي وبعد ذلك للفيزازي والحدوشي، تهاجم التيار الإسلامي وخاصة في نواته الصلبة جماعة العدل والإحسان. كان هناك توظيف، ولازال جزء من هذا التيار السلفي مرتبط بالسلطة، لازال لحد الآن وهو مايسمى بالسلفية التقليدية متمثلا في المغراوي وغيره، ولكن حصل تطور في السعودية بعد حرب الخليح الثانية سنة 1991 قلب الأوضاع بحيث وقع شرخ داخل التيار الوهابي نفسه حيث انقسم إلى ما أسميناه السلفية التقليدية والسلفية الجهادية والتي كان لها صدى هنا في المغرب، وأصبحت هذه السلفية الجهادية الآن تعلن قطيعتها مع الاختيارات الرسمية وتندرج في مخطط دولي تقوده القاعدة يستهدف هذا النظام مادام يعتبرونه مسخرا من قبل أمريكا، وبشكل عام من الصعب جدا في إطار اللعبة السياسية أن يتحكم الفاعل السياسي في صنائعه، قد يخلق أو يقوي جهة من الجهات لكن من الصعب جدا أن يتحكم فيها عن بعد وهذا ماوقع في علاقة السلطة بالتيار السلفي.

كيف يمكن في رأيك محاصرة ظاهرة التطرف بكل أنواعه؟

أقول دائما بأن التطرف ليس له لون سياسي، التطرف قد يكون دينيا وقد يكون ثقافيا وقد يكون سياسيا ونحن في المغرب عشنا تطرفا ثقافيا مع دعاة الأمازيغية الذين يقولون بأن هناك أمة أمازيغية وبأن العنصر العربي عنصر دخيل ومحتل إلى آخره، عشنا كذلك هذا التطرف سياسيا سواء من طرف من كانوا يدعون له في السابق أي التيارات اليسارية التي كانت تدعو للماركسية بشكل عام، حتى الآن هؤلاء الذين يعتبرون اليوم أنفسهم ليبراليين ويدعون إلى الحداثة هم يستوعبون الليبرالية بفهم متطرف، أعتقد أن المدخل لتجاوز التطرف هو تدشين حوار وطني، هذا الحوار ينبغي أن ينطلق من التوابث المتفق عليها لأن لكل جماعة توابث، إذا لم تحترم هذه التوابث فعقد الجماعة سينفرط. ننطلق من التوابث. وهناك توابث متفق عليها في المغرب، هناك الإسلام وهناك الملكية وهناك الوحدة الترابية. عندما نقول بضرورة التشبث بالثوابت لفتح حوار حول المتغيرات ولنفسح المجال لممارسة وتدبير الاختلاف. أقول بأن الثابت إذا ما أفرغته من ماهيته يتحول إلى شيء آخر. لذلك عندما نأخذ أحد الثوابت الأساسية كالإسلام ونفرغه من ماهيته باسم الاجتهاد والحداثة أعتقد أن هذا خروج عن الثوابت، ينبغي أن ننطلق من الثوابت المتفق عليها وننخرط في حوار جامع يشمل كل مكونات الأمة لوضع أرضية حد أدنى نمارس من خلالها اختلافنا. أعتقد أنه بهذه الطريقة يمكن أن نتجاوز التطرف، أما أن نجري وننساق وراء خطابات استئصالية سواء كانت من اليمين أو اليسار فأعتقد أن هذا ما يهدد مستقبل المغرب ويشجع التطرف بجميع ألوانه.