المغاربة عموما، وأصحاب الفكر والسياسة والإعلام منهم بصفة خاصة، لا يذكرون اليوم اسم إدريس البصري، وزيرِ الداخلية المشهور على عهد الملك الحسن الثاني- وقد أعفاه الملك محمد السادس من مهامه في التاسع من نونبر من سنة 1999- إلا ويتذكرون معه “سنوات الرصاص”، التي امتازت بالقمع والتزوير والتضليل وسائر أنواع الإجرام في حق المواطنين الذين كانوا يعارضون دولة المخزن أي دولة الاستبداد والتعليمات، وفي مقدمتهم جماعة العدل والإحسان.

هذا الرجل الذي سارت الركبان بأخبار تاريخه الأسود في مجال انتهاك حقوق الإنسان، والذي أصبح منبوذا ومكروها لدى شريحة عريضة من الرأي العام الوطني بسبب ماضيه المخزني العَفِن، يحاول اليوم، بعد حوالي ثلاث سنوات ونصف من إعفائه من الخدمة المخزنية العلنية الرسمية، أن يتسلل إلى الحياة العامة من جديد، لكن، هذه المرة، في صورة الأستاذ الجامعي المثقف، والوطني الشريف النقي، والخبير المحنك في شؤون السياسة والدولة والإدارة.

أيُّ قلب هو قلب هذا المخلوق؟ وأي ضمير هو ضميره؟ وأي إحساس هو إحساسه؟ أم أنها الصورة الجامدة والجثة الهامدة؟

لم يَكْفِ إدريس البصري- مهما تكن الأعذار والتبريرات التي يلتمسها له بعض الناس- أنه سيظل يحمل على كاهله- وإن كان عمله محصورا في السمع والطاعة والتنفيذ- أوزار ما عاناه المواطنون المغاربة من شتى أنواع جرائم الدولة، بدءا من الاختطاف والتعذيب والاغتيال السياسي وانتهاء بصناعة الأحزاب وتزوير الانتخابات. وبين البداية والنهاية فظائعُ لن ينساها المغاربة أبدا، وستبقى أسماء، كاسم معتقل “درب مولاي بالشريف”، مثلا، بالدار البيضاء، واسم “تازممرت”، هذا المعتقل الإجرامي الوحشي اللاإنساني، بالراشدية، واحدةً من العلامات المميزة لعهد أسود قُدِّر على إدريس البصري، رجلِ الحسن الثاني “القوي”، أن يكون واحدا من أعلامه البارزين.

لم يكْفِ هذا الرجل المخزني الذي ابتلاه الله بخدمة الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، أنه أصبح يخاف أن يسافر بحرية خارج المغرب لأنه يعرف أنه مطلوب للعدالة في بعض الدول بسبب الدعاوى التي سجلها عليه العديد من المغاربة الذين كانوا من ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي ارتكبت أيام كان إدريس البصري هو رجل السلطة الأول في الدولة المخزنية.

لم يكْفِ هذا الرجل كلُّ هذا التاريخ المليء بالتزوير والتضليل وإجرام الدولة وإرهابها واستبدادها، ولم يحمد الله على أنه حرّ طليق يسرح ويمرح مستمتعا بكل الامتيازات التي حصّلها، في أيام “العز” الخوالي، بما كان له من حظوة ونفوذ وسلطة وسطوة، ولم تتحرك منه ولو شعرة للتفكير في طريقة يُكفّر بها عما كان منه من انتهاكات وجرائم وتجاوزات في حق البلاد والعباد، ويرّد بها بعض ما عليه من مظالم للشعب المغربي بأكمله.

لم يفكر في أي شيء من هذا القبيل، بل وجدناه، في الأشهر القليلة الماضية، يحاول أن يرجع إلى الضوء للدفاع عن ماضيه الأسود وعن عهد “تازممرت” الظالم وعن نظام الجبر والاستبداد بأسلوب غاية في الجراءة والدناءة والوقاحة والحقارة، عماده الكذب والبهتان والتلفيق وشهادة الزور. وليس له من شاهد في هذا “الدفاع” الفاجر إلا نفسُه الميتة المجردة عن كل قيم المروءة والحياء.

ففي بعض ما نُشر من هذا الدفاع الفاجر، وخاصة في المقال الصحفي الطويل الذي ظهر في أسبوعية “لوجورنال” الفرنكفونية(عدد10-16 ماي 2003)، أصرّ إدريس البصري، على سبيل المثال، وفي صفاقة منقطعة النظير، على إنكار معرفته بوجود معتقل “درب مولاي الشريف”، في الدار البيضاء، الذي استقبل العديد من معتقلي الرأي من مختلف ألوان المعارضة، وخاصة من التيار اليساري الشيوعي، حيث كان التعذيب يمارس بشكل يومي وفي صور كانت تصل في بعض الحالات إلى قمة الوحشية والفظاعة وسحق كرامة الإنسان، حسب شهادة الأستاذين محمد العلوي السليماني وأحمد الملاخ من جماعة العدل والإحسان، اللذين قضيا هناك حوالي سنة ونصف، من غير محاكمة، على إثر ظهور رسالة “الإسلام أو الطوفان” الشهيرة للأستاذ عبد السلام ياسين سنة 1974.

وذكر، في نفس المقال، أنه لم يكن له أي علم بوجود معتقل الراشدية الرهيب “تازممرت” الذي مات فيه العشرات من الأبرياء في ظروف تقشعر الأبدان من هولها وبشاعتها ولاإنسانيتها. وزاد، في دفاعه الفاجر، شاهدا كذبا وزورا لتبرئة النظام المخزني، أن الحسن الثاني نفسه، رحمه الله وغفر لنا وله، لم يكن يعرف شيئا عن “تازممرت”، وأن القضية كانت تهم العسكريين وحدهم. وأضاف أنه أجاب الصحفي الفرنسي الذي سأله في الموضوع بأنه لا علم له، وأنه ذهب إلى الملك(الحسن الثاني) وأخبره بسؤال الصحفي الفرنسي عن “تازممرت” فوجده هو الآخر يجهل كل شيء عن الموضوع. ثم ختم إدريس البصري روايته الكاذبة الفاجرة بأن الملك، بعدها، فتح بحثا في القضية، ولمّا تبينت له الحقيقة أمر بإطلاق سراح ما بقي من أحياء/أموات “تازممرت” وأنهى الموضوع في غضون أربعة أيام.

لمن تحكي حكاياتك يا إدريس الكذّاب؟

إن من علامات إصرار هذا المخزني الكذاب على البقاء وفيّا لماضيه الإجرامي أنه يعتقد، وهو مرتاح، لا تؤرقه يقظة من ضمير ولا تهزه وخزة من ندم- والله، سبحانه، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور- يعتقد، هذا المزوِّرُ الكذّاب، أنه ما يزال في الناس من سيصدق أباطيله ويتبعه في فهمه الفاسد ورؤيته الضالة المُضِلّة ورواياته المصنوعة الكاذبة. ولعله يخطط، هو أو من يقف وراءه، أن يكون هذا التصديق هو المدخل السليم ليبني لنفسه وجودا مخزنيا جديدا، في الحياة العامة، بعد وجوده القديم المظلم الذي ما تزال دعوات المظلومين تلاحقه من جميع الجهات.

هل يحتاج المواطن المغربي الذي ذاق من كل ألوان الظلم على يد وزارة الداخلية، أمّ الوزارات، في “سنوات الرصاص”، إلى أدلة لإثبات كذب إدريس البصري وتهافت رواياته السخيفة التي ترمي- كما فعلت روايات أحمد البخاري والدكتور عبد الهادي بوطالب، مثلا، من قبل- إلى تبييض صفحات عهد “تازممرت” السوداء وتبرئة ساحته من الجرائم التي سجّلها عليه التاريخ؟

هل تحتاج جماعة العدل والإحسان المعروفة، لدى القاصي والداني، بموقفها القوي والواضح من النظام المخزني الجبري، إلى ما يثبت أن إدريس البصري قد وصل غاية الوقاحة في الكذب حين زعم في مقاله أن جميع مسؤولي الجماعة السياسيين كانوا أصدقاءه باستثناء الأستاذ عبد السلام ياسين، وأن الاتصالات والمفاوضات مع الجماعة لم تنقطع قطّ!!؟؟

ولنقفْ وقفة خاطفة للتذكّر؛ ألم يُجبْ هذا المخزني الكذّاب، بكل صلف ووقاحة، أعضاءَ مجلس النواب، في دجنبر من سنة 1995، في الجلسة المخصصة للأسئلة الشفوية، حين سُئل عن الحصار اللاقانوني المفروض على الأستاذ عبد السلام ياسين- وكان قد مرّ على فرض هذا الحصار الظالم ستّ سنوات- بأن الدولة لا تحاصر مرشدَ جماعة العدل والإحسان، كما عاين ذلك العالم أجمع، بل تحميه على الرغم منه، وأضاف، كاذبا، أن الجماعة متابعةٌ قضائيا وأن ملف هذه المتابعة ما يزال مفتوحا…إلى آخر ما قاله، في هذا التاريخ، من أكاذيب وأباطيل.

حصارٌ ظالم مكشوف يتحول إلى حماية، وجماعةٌ مظلومة مضطهدة، على مرأى ومسمع من العالم، تصبح متهمةً ومتابعة قضائيا، ومسؤولو الجماعة، بمختلف مستوياتهم، الذين عانوا كل ألوان الظلم على يد أجهزة وزارة الداخلية يصبحون فجأة أصدقاءَ لإدريس البصري ذي الملف الحقوقي الأسود… !!وقاحة ما بعدها وقاحة؛ فلعنة الله على الكاذبين.

أما عن الاتصالات التي كانت بين الدولة المخزنية وجماعة العدل والإحسان، فلم تتعدّ، على طول تاريخ هذه الجماعة، الذي بدأ بظهور رسالة “الإسلام أو الطوفان” سنة 1974، اتصالين اثنين كانا بمبادرة الدولة ولهدف جبري مخزني محض: الأول كان سنة 1991، حينما كان أعضاء مجلس الإرشاد الخمسة في المركب السجني بسلا يقضون حكما ظالما بسنتين نافذتين. وكانت غاية الدولة المخزنية من وراء هذا الاتصال هو مساومة قيادة الجماعة على مبادئهم واختياراتهم. وقد حاولت إخضاعهم بكثير من الإغراءات، لكن قوة الرجال وثباتهم- بفضل الله، تعالى، وتأييده- ردها على أعقابها فاشلة خائبة.

أما الاتصال الثاني، فقد جرى في شتنبر من سنة 1999، وكان مضمونه حول حصار مرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين؛ وقد كانت الدولة المخزنية، يومئذ، تهيء للسماح برجوع إبراهام السرفاتي. ولعل العهدَ الجديد كان يريد أن يصنع لنفسه حدثا “حقوقيا” يقرن بين رجوع السرفاتي وإنهاء الحصار الظالم على الأستاذ ياسين. لكن الجماعة ردّت على هذه المبادرة المخزنية “الماكرة” بأن حصار الأستاذ عبد السلام ياسين ليس إلا جزءا من ملف كامل اسمه “جماعة العدل والإحسان، وأن على دولة “العهد الجديد”، إن كانت جادة في معالجة هذا الملف، أن تبدأ بالإفراج عن طلبة العدل والإحسان الاثني عشر المحكومين، ظلما وعدوانا، بعشرين سنة سجنا نافذة في قضية مصنوعة لا يخفى وجهها السياسي. ولمّا فشلت الدولة المخزنية، مرة أخرى، في نيل ما تريده من الجماعة، سمحت للسرفاتي بالرجوع وأبقت على حصارها الظالم على الأستاذ ياسين، وبذلك أكدت دولة “العهد الجديد” أنها، على سنة العهد القديم، لا تريد معالجة حقيقية وعادلة وشاملة لملف جماعة العدل والإحسان.

وهذان الاتصالان، على ما وضحت، لم يكونا، في يوم من الأيام، سرا من الأسرار، بل كانا معروفين لدى الخاص والعام، وقد وردت الإشارة إليهما في كثير من تصريحات مسؤولي الجماعة واستجواباتهم، وفي مقدمتهم الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم الجماعة.

وإن كان هناك من اتصالات أخرى للدولة بالجماعة، فقد كانت، ولا شك، اتصالات عبر التقارير الأمنية اليومية، التي كانت تصل إلى يد إدريس البصري الكذّاب ثم إلى من هو فوقه، حول الانتهاكات الحقوقية والتجاوزات القانونية والممارسات القمعية وسياسات القبضة الحديدية التي كانت تمارسها وزارة الداخلية، بكل أجهزتها ومؤسساتها، من أجل تركيع العدل والإحسان وخنق أنفاسها وإسكات صوتها ومحاصرة دعوتها وتجفيف منابعها. وقد مكروا ومَكَرََ الله، والله خير الماكرين؛ فقد لُفظ إدريس البصري كما تُلفظ النواة، وعاشت جماعة العدل والإحسان عزيزة كريمة عالية الرأس، بفضل الله وكرمه ونصره، تعارضُ دولة الجبر والاستبداد والقمع والمنع والتعليمات، وتدعو لبناء دولة العدل والشورى والحريات والمؤسسات والقانون والمسؤولية والتراحم والتضامن والتعاون على البر والتقوى. وليخسأ إبليس وجنده.

هذا هو إدريس البصري المخزني الكذّاب يحاول اليوم، باستغلال رصيده الشيطاني الضخم الذي جمعه في “عهد تازممرت”، أن يتسسل إلى ذاكرتنا، كاذبا مزوّرا مضللا، لتبييض تاريخ أسود كلّه إجرام في إجرام في حق الشعب المغربي عامة، وفي حق الشرفاء الأحرار من نخبته خاصة، وليصنعَ لنفسه، من جديد، مكانة متميزة في حياتنا العامة، كما حاول مزوّرون مخزنيون آخرون من قبله.

إنه بدأ ببعض الرسائل والتصريحات القصيرة يسرّبها، بين الفينة والأخرى، إلى بعض وسائل الإعلام، في الخارج بصفة أساسية. وها هو ذا اليوم يقرر الخروج إلى الفعل العلني، بعد أن هُيّئت له الشروط وأُعطي له الضوء الأخضر؛ لقد بدأ بخطوات محتشمة، ثم جعل يزحف، شيئا فشيئا، ويدبّ ويتسرب ويتسلل، تسعفه خبرته الجبرية الطويلة مع وسائل الإعلام، حتى استطاع، في هذه الأيام الأخيرة، أن يوقع بعض الجرائد في مصيدته، فقبلت أن تنشر أكاذيبه وأباطيله وبهتانه همُّها، أساسا، السبق الصحفي أو الشهرة أو الإثارة أو الربح المادي.

إن هذه الاستعراضات الإعلامية الكاذبة الفاجرة لن تغنيَ عن إدريس البصري ولا عن أسياده وأعوانه من الحق شيئا. وإن إدريس البصري، مهما كذَبَ، ومهما زَوّر، ومهما لفّق، سيبقى، في ذاكرة التاريخ، وفي ذاكرة المغاربة أجمعين، معدودا في المخزنيين الكذّابين إلى أبد الآبدين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.