(…)وفرقة أخرى اغتروا بالصوم، وربما صاموا الدهر أو صاموا الأيام الشريفة وهم فيها لايحفظون ألسنتهم عن الغيبة وخواطرهم عن الرياء وبطونهم عن الحرام عند الإفطار، وألسنتهم عن الهذيان بأنواع الفضول طول النهار، وهو مع ذلك يظن بنفسه الخير فيهمل الفرائض ويطلب النفل ثم لايقوم بحقه، وذلك غاية الغرور.

وفرقة أخرى اغتروا بالحج، فيخرجون إلى الحج من غير خروج عن المظالم وقضاء الديون واسترضاء الوالدين وطلب الزاد الحلال، وقد يفعلون ذلك بعد سقوط حجة الإسلام ويضيعون في الطريق الصلاة والفرائض، ويعجزون عن طهارة الثوب والبدن، ويتعرضون لمكس الظلمة حتى يؤخذ منهم،ولا يحذرون في الطريق من الرفث والخصام. وربما جمع بعضهم الحرام وأنفقه على الرفقاء في الطريق وهو يطلب به السمعة والرياء، فيعصي الله تعالى في كسب الحرام أولا وفي إنفاقه بالرياء ثانيا، فلا هو أخذه من حله، ولا هو وضعه في حقه. ثم يحضر البيت بقلب ملوث برذائل الأخلاق وذميم الصفات، لم يقدم تطهيره على حضوره، وهو مع ذلك يظن أنه على خير من ربه، فهو مغرور.

وفرقة أخرى أخذت في طريق الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ينكر على الناس ويأمرهم بالخير وينسى نفسه. وإذا أمرهم بالخير عنف وطلب الرياسة والعزة، وإذا باشر منكرا ورد عليه غضب وقال أنا المحتسب فكيف تنكر علي؟ وقد يجمع الناس إلى مسجده ومن تأخر عنه أغلظ القول عليه، وإنما غرضه الرياء والرياسة. ولو قام بتعهد المسجد غيره لحرد عليه. بل منهم من يؤذن ويظن أنه يؤذن لله تعالى، ولو جاء غيره وأذن في وقت غيبته قامت عليه القيامة وقال لم أخذ حقي وزوحمت على مرتبتي؟ وكذلك قد يتقلد إمامة مسجد ويظن أنه على خير، وإنما غرضه أن يقال أنه إمام مسجد، فلو تقدم غيره وإن كان أورع وأعلم منه ثقل عليه.

وفرقة أخرى جاوروا بمكة أو المدينة واغتروا بمكة ولم يراقبو قلوبهم ولم يطهروا ظاهرهم وباطنهم، فقلوبهم معلقة بلادهم ملتفتة إلى قول من يعرفه إن فلانا مجاور بذلك، وتراه يتحدى ويقول قد جاورت بمكة كذا كذا سنة، وإذا سمع أن ذلك قبيح ترك صريح التحدي وأحب أن يعرفه الناس بذلك. ثم إنه قد يجاور ويمد عين طمعه إلى أوساخ أموال الناس، وإذا جمع من ذلك شيئا شح به وأمسكه لم تسمح نفسه بلقمة يتصدق بها على فقير، فيظهر فيها الرياء والبخل والطمع وجملة من المهلكات كان بمعزل عنها لو ترك المجاورة، ولكن حب المحمدة وأن يقال إنه من المجاورين ألزمه المجاورة مع التضمخ بهذه الرذائل، فهو أيضا مغرور.

وما من عمل من الأعمال وعبادة من العبادات إلا وفيها آفات؛ فمن لم يعرف مداخل آفاتها واعتمد عليها فهو مغرور، ولا يعرف شرح ذلك إلا من قرأ كتب إحياء علوم الدين فيعرف مداخل الغرور في الصلاة من كتاب الصلاة، وفي الحج من كتاب الحج، والزكاة والتلاوة وسائر القربات من الكتب التي رتبناها فيها، وإنما الغرض الآن الإشارة إلى مجامع ما سبق في الكتب.

وفرقة أخرى زهدت في المال وقنعت من اللباس والطعام بالدون، ومن المسكن بالمساجد، وظنت أنها أدركت رتبة الزهاد، وهو مع ذلك راغب في الرياسة والجاه إما بالعلم أو بالوعظ أو بمجرد الزهد. فقد ترك أهون الأمرين وباء بأعظم المهلكين؛ فإن الجاه أعظم من المال، ولو ترك الجاه وأخذ المال كان إلى السلامة أقرب. مغرور إذا ظن أنه من الزهاد في الدنيا وهو لم يفهم معنى الدنيا ولم يدر أن منتهى لذاتها الرياسة، وأن الراغب فيها لابد وأن يكون منافقا وحسودا ومتكبرا ومرائيا ومتصفا بجميع خبائث الأخلاق. نعم وقد يترك الرياسة ويؤثر الخلوة والعزلة وهو مع ذلك مغرور إذ يتطول بذلك على الإغنياء ويخشن معهم الكلام وينظر إليهم بعين الاستحقار ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم، ويعجب بعمله ويتصف بجملة من خبائث القلوب وهو لايدري. وربما يعطي المال فلا يأخذه خيفة من أن يقال بطل زهده! ولو قيل له إنه حلا فخذه في الظاهر ورده في الخفية لم تسمح به نفسه أنه زاهد في الدنيا وهومغرور. ومع ذلك فربما لا يخلو من توقير الأغنياء وتقديمهم على الفقراء، والميل إلى المريدين له والمثنين عليه، والنفرة عن الماثلين إلى غيره من الزهاد، وكل ذلك خدعة وغرور من الشيطان نعوذ بالله منه.

وفي العباد من يشدد على نفسه في أعمال الجوارح حتى ربما يصلي في اليوم والليلة مثلا ألف ركعة ويختم القرآن، وهو في جميع ذلك لايخطر له مراعاة القلب وتفقده وتطهيره من الرياء والكبر والعجب وسائر المهلكات فلا يدري أن ذلك مهلك، وإن علم ذلك فلا يظن بنفسه ذلك توهم أنه مغفور له لعمله الظاهر وأنه غير مؤاخذ القلب وإن توهم، فيظن أن العبادات الظاهرة تترجح بها كفة حسناته وهيهات وذرة من ذوي تقوى وخلق واحد من أخلاق الأكياس أفضل من أمثال الجبال عملا بالجوارح! ثم لايخلو هذا المغرور مع سوء خلقه مع الناس وخشونته وتلوث باطنه عن الرياء وحب الثناء، فإذا قيل له أنت من أوتاد الأرض وأولياء الله وأحبابه فرح المغرور بذلك وصدق به وزاده في ذلك غرورا وظن أن تزكية الناس له دليل على كونه مرضيا عند الله،ولا يدري أن ذلك لجهل الناس بخبائث باطنه!

وفرقة أخرى حرصت على النوافل ولم يعظم اعتدادها بالفرائض. ترى أحدهم يفرح بصلاة الضحى وبصلاة الليل وأمثال هذه النوافل ولايجد للفريضة لذة ولا يشتد حرصه على المبادرة بها في أول الوقت، وينسى قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: ” ما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضت عليه” أخرجه البخاري. وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور، بل قد يتعين في الإنسان فرضان أحدهما يفوت والآخر يتسع وقته، فإن لم يحفظ الترتيب كان مغرورا. ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى. فإن المعصية ظاهرة والطاعة ظاهرة، وإنما الغامض تقديم بعض الطاعات على بعض: كتقديم الفرائض كلها على النوافل، وتقديم فروض الأعيان على ما دونه، وتقديم ما يفوت على مالا يفوت، وهذا كما يجب تقديم حاجة الوالدة على حاجة الوالد، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: من أبر يارسول الله؟ قال:”امك”. قال: ثم من؟ قال:” أمك”. قال: ثم من؟ قال:” أمك”.قال: ثم من؟ قال:” أباك”. قال: ثم من؟ قال:” أدناك فأدناك”. (أخرجه الترمذي والحاكم وصححه من حديث زيد بن حكيم عن أبيه عن جده) . فينبغي أن يبدأ في الصلة بالأقرب، فإن استويا فبالأحوج، فإن استويا فبالأتقى والأورع. وكذلك من لايفي ماله بنفقة الوالدين والحج فربما يحج وهومغرور، بل ينبغي أن يقدم حقهما على الحج، وهذا من تقديم فرض أهم من فرض هو دونه. وكذلك إذا كان على العبد ميعاد ودخل وقت الجمعة فالجمعة تفوت.