والحال أن الذي يغلق باب الحوار أو يخل بأدبه يميت في نفسه روح العقلانية النافعة، ومن يميت هذه الروح يقطع الأوردة التي تحمل إليه هذه المعرفة الممتحنة، فيحرم نفسه من إمكان تصحيح آرائه وتوسيع مداركه، فيضيق نطاق عقله ويتسع نطاق هواه.(طه عبد الرحمن، حوارات من أجل المستقبل)

——————————————————————————–

عندما تنحل الروابط التي تصل النظرية بالتطبيق، وتصاب المسافة بينهما بالتشوه وبالتمزق فإن في ذلك إيذانا ببداية النهاية للأحلام النظرية التي لطالما سلبت العقول بدقتها أو منطقيتها أو نفعيتها. وإن أشد الضربات المميتة التي تتلقاها الأفكار هي تلك التي تأتيها من جهة معاكسة (بفتح الكاف) خطها بنقضه بسلوك تدميري قاصد لأهم أسسه البنائية. ولهذا قال الحق سبحانه مستنكرا هذه الفجوة السلوكية والفكرية المتعمدة(كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)(1)، والفكرة التي نود درسها في هذا المقام من أشد الظواهر التي باتت تعرف هذا الفصام النكد ما بين نظريتها وتطبيقها، إنها الديمقراطية التي أمست مرادفة للوهم مع التطورات الخطيرة التي شهدها العالم.

ليس من شك في أن مفهوم الديمقراطية يعيش في الوقت الراهن أصعب محطاته وأكثرها حساسية نتيجة لما باتت تعانيه آلياتها من تضعيف ومساطرها من توهين لصالح الغطرسة الأمريكية التي لا تنتهي عند حد ولا تلتزم بضابط أو شرط. إنها صورة من صور الذهن الأمريكي الضيق كما يعبر آلان بلومThe Closing Of The American Mind .

إن الإدارة الأمريكية الصهيونية تقيم تعثر العالم العربي والإسلامي في عجزه عن استيعاب قيم الحداثة والديمقراطية من منظورها الخاص ومركزيتها المستعلية التي تعكس كلها جنون العظمة الموهومة والقدرات العسكرية والاستراتيجية المزعومة.

إن مشكلتنا باختصار كما يراها الأمريكيون تتمثل في عجزنا عن التأقلم مع الديمقراطية وقصورنا عن تصور وتقليد أمريكا في بناء الصرح الديمقراطي العظيم، هذا العجز الذي يفضي إلى تفريخ الإرهاب وتهديد الولايات المتحدة الأمريكية في عقر دارها كما حدث في 11 سبتمبر. و أمام هذا الوضع الذي نعجز فيه عن بناء الديمقراطية ، لن تنتظر أمريكا المهمة لتنجزها أيادي القدر ، لأنه ببساطة لا مجال عندها لتدخل الميتافيزيقا ولا الغيب الذي نؤمن نحن به، فكل شيء تحكمه الحسابات الدقيقة لخبرائها ومنظريها الذين لا يخطئون وأجهزتها الاستخباراتية الفرعونية التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها لدرجة أن 11سبتمبر لم يشكل لها المفاجأة!! لقد كان أهم ما أطاح به الحدث، بدءا من لحظاته الأولى، ذلك اليقين الراسخ فى وجدان الشعب الأمريكى وحكومته ومؤسساته السياسية والشعبية بأن أمريكا خلف مياه المحيط الواسع وفى حماية قوتها العسكرية الأسطورية يمكنها أن تعيش آمنة بعيدة عن أخطار العالم ومشاكله.

يتحدث بوكانانBuchanan الأستاذ بجامعة باثBath ببريطانيا عن الصحة الاجتماعية للمجتمعات الحديثة ويربطه بالثورة التكنولوجية التي يعتبرها شرطا لازما للتحرير وسيادة الليبرالية التي هي الطريق إلى الديمقراطية. ويعتقد أنه إذا كان ثمة خطر حقيقي داهم يتمثل في تسخير التكنولوجيا لأغراض مناهضة للحرية والليبرالية فإن نجاح هذا لن يفضي فقط إلى تدمير الديمقراطية، بل أيضا تدمير الثورة التكنولوجية كما نفهمها. وإن مثل هذه النتائج تعني ضمنا انهيار بنية المجتمع الحديث وتفكك نسيجه، وهو ما يعني نذيرا أسود لمصير المجتمع العالمي كله(2) وليست هذه مبالغات سوداوية لما يمكن أن يؤول إليه الوضع الدولي ، بل هي الحقيقة في لونها الأسود الرهيب. والتي ترسمها الولايات المتحدة الأمريكية بمنظورها العقائدي التبسيطي والذرائعي فتجد لاحتلال العراق على سبيل المثال وضرب أفغانستان وتهديد كوريا وتخويف العالم ما تبرر به هجمتها وغطرستها ، إنه التحديث بالقوة والدمقرطة بالصواريخ والتطوير بالاستعمار الجديد. ليتواءم كل عنصر من عناصر المعارضة والتشغيب مع مقتضيات هيمنتها على العالم.

يتكشف يوما بعد يوم المزيد من الحقائق التي تؤكد زيف المزاعم الأمريكية بتحرير الشعب العراقي والأفغاني(3) وكل الشعوب التي وقعت تحت نير الاستعمار الجديد أو التي في طريقها إلى الاستعمار، فالقوات المحتلة ليست لديها نية للرحيل بعد أن أطاحت بأنظمة صنعتها قبل ذلك لخدمة أهداف زمنية معينة، ثم ما لبثت أن قررت نسخها بأنظمة أخرى عميلة تضمن استمرارية مصالحها الاستراتيجية في العالم وليس في الشرق الأوسط فقط. إن التاريخ الذي هو معمل للسياسة كما يقال ، لا يقدم حالة واحدة فقط أقدم فيها المحتل على جلب الديمقراطية للبلد المحتل ، ناهيك عن التاريخ الأمريكي الحافل بدعم أنظمة شمولية، وصناعة حكومات تفتقد الشرعية الشعبية والجماهيرية!! .

إن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك بعمق أن ديمقراطية حقيقية في العراق سوف لن تكون في مصلحتها، بل على العكس من ذلك قد تهدد أهدافها وتربك استراتيجيتها في المنطقة، وتفسد كل حساباتها، ولهذا سوف لن تتردد في استيحاء خبرتها من النموذج الأفغاني ، أي تنصيب حكومة عميلة تطبق ما تقرره الديمقراطية الأمريكية في واشنطن، والدليل على ما ندعيه إعلان الولايات المتحدة في أكثر من مرة أنها لن تسمح بحكومة شيعية عراقية قد تفرزها الغالبية الشيعية التي تمثل ما يناهز 60? من ساكنة العراق ، مما يعني بالاقتضاء والضرورة أن الولايات المتحدة لن تسمح بتغليب عنصر الإرادة العامة والشعبية والتي هي جوهر الديمقراطية ولبها الأساس . وتاليا تنفضح أطروحة الديمقراطية الوهم.

ما أشد الوهم الذي قد يستبد ببعض أشباه المثقفين وأنصاف المفكرين العرب حين تجدهم يبررون الهزيمة في بعض القنوات الإعلامية، ويمنطقون الحرب والاستعمار من موقع الطاعم الكاسي الذي لا يملك نظره القصير أن يجاوز حدود التصفيق لإسقاط نظام دكتاتوري يحلم معه بالكابوس الجميل الذي تصنعه الولايات المتحدة الأمريكية للعالم وتقدمه آلتها الإعلامية في صورة أحلام وردية. وما أشد غباءهم واستحمارهم حين يعتقدون أن الديمقراطية الغائبة في مجتمعاتنا العربية من المحيط إلى الخليج يمكن أن تأتي بها أسنة الرماح الأمريكية. وينسون أو يتناسون أن التاريخ لا يمنح إلا موعدا واحدا وفرصة واحدة ، إما أن تصنع فيها المجد بيديك ، وترفع عنك الضيم بإرادتك وصمودك كما كان الشأن في جنوب لبنان ، أو أن ترتمي في أحضان اليأس والعجز إن لم يكن التعجيز ببث روح الانهزامية والفشل والقدرية المميتة.

لعل أكثر ما يثير غضب الوعي الممانع ويستفز أركانه هو محاولة الولايات المتحدة الأمريكية إلباس العدوان على الأبرياء ، وتقتيل شعب بكامله ، وإبادة حضارات عن بكرة أبيها، لبوس القيم الإنسانية النبيلة ، وإحلال الديمقراطية وقيمها السامية محل الأنظمة التوتاليتارية التي تنتج الإرهاب(4) الذي بات يقض مضجع الخبراء لدرجة بلغ معها السعار استعداد الأجهزة الأمنية والمخابراتية الأمريكية التخلي عن الحرية الفردية لصالح المداهمات والتنصت على العالم والتفتيش في كل النقط والممرات ، وإحصاء الأنفاس.

إن المأزق الذي باتت تعيشه الديمقراطية والعالم المعاصر يظهر بجلاء في قفز الولايات المتحدة الأمريكية راعية السلام والأمن العالميين المزعومين على الأعراف والتقاليد الدولية والقوانين الكونية التي كانت ممثلة في مؤسسة الأمم المتحدة على وجه الخصوص، ورغم إقرارنا باللاتكافئ النظري والواقعي لدول الشمال ودول الجنوب في هذا المنتظم الدولي، وبالرغم من إدراكنا باختلال ميزان القوى الدولي بين العالمين الغربي والعربي الإسلامي ، فقد كان الواحد منا لا يفقد أمله في مدى جدية بعض الأطراف في المعسكر الغربي خاصة الأوربية في المساعدة والكفاح من أجل سيادة القانون والديمقراطية الدولية في اتخاذ القرارات ، ولو لفائدة مصالح قد لا يبعد أن تصلنا بعض ثمراتها، ولكن الواقع كان أقسى وأقوى في توجيه الدرس التاريخي في لحظة الانكسار، فتكشف الواقع عن ضرورة التمييز بين خليط من المعطيات في بناء الموقف المستقبلي إن أحسنا بالفعل قراءة الدرس . فبمجرد فشل الولايات المتحدة في استصدار قرار لغزو العراق في مجلس الأمن ، لجأت لرفع قناعها والكشف عن وجهها الحقيقي ، ومطامعها الواقعية، فادعت عدم ضرورة القرار ، وأدارت ظهرها لديمقراطية العلاقات الدولية ، ووجدت في حليفها وتابعها الوديع الجرذ الأنجليزي أغلبية بحساب خاص ولوغارتمية مدهشة للعالم.

في ضوء ما تبذله مراكز البحوث وثيقة الصلة بمجموعة الصقور المتشددين في البيت الأبيض والبانتجون وإسرائيل ، من جهود لتبرير الغزو، وفي ضوء التوجه اليميني الإمبراطوري المتطرف الذي يسيطر على عقول هؤلاء الصقور ، والذي ينادي بقوة بضرورة التوسع الإمبريالي وفرض السلام والديمقراطية بالمقياس الأمريكي، لأن القرن الحادي والعشرين هو قرن الولايات المتحدة بامتياز، وهو قرن السيطرة الأمريكيةPax Americana(5)، فإنه ما من شك في أن أسس النموذج الديمقراطي الذي يزعم هؤلاء إقامته في العراق أو غيره ممن يهدد بين الفينة والأخرى أو يصنف ضمن محور الشر لا يمت بصلة إلى القيم والتقاليد المتعارف عليها في الديمقراطية على الأقل كما نفهمها، لأن التخطيط لمستقبل هذه الدول يرتكز على فكرة القوة العارية من أي غطاء أخلاقي ، وتجريد هذه الشعوب من هويتها وشخصيتها الحضارية والتاريخية. ولا أدل على ذلك مما يروج الآن من تفكير جدي ومحموم في مسألة تغيير المناهج الدراسية والتعليمية والتربوية في عراق ما بعد الحرب في إطار الواقعية الجديدة. لتزال كل عناصر التطرف والعداء لأمريكا وإسرائيل من كتب التاريخ،. وقد نشرت صحيفة واشنطن بوست في عددها يوم12/04/2003 تقريرا يتحدث عن تعاون يجمع الحكومة الأمريكية مع بعض المغتربين لتغيير مناهج التعليم العراقية ، وأن وكالة المعونة قد رصدت ما مقداره 65 مليون دولار للمؤسسات التي تتولى هذه المهمة في غضون الأشهر القابلة وقبل افتتاح الموسم الدراسي الجديد. وقد الهدف المعلن هو مكافحة أفكار مثل النزعة العسكرية المتطرفة والولاء المطلق لصدام، كما كشف التقرير عن أن خبراء أمريكيين يعكفون على وضع دستور جديد للعراق بمشاركة عراقيين في المنفى من الموالين لواشنطن ، من المرجح أن يتضمن تغييرا ملموسا في هوية العراقيين الثقافية والحضارية، وشروطا محددة في مجال إعادة بناء الجيش العراقي ليقتصر على قوة رمزية على غرار الجيش الياباني والألماني عقب الحرب العالمية الثانية.

لقد أفلحت الولايات المتحدة الأمريكية في تشتيت قوة الإجماع الدولي، وإضعاف الكيانات المتنامية في كثير من اللحظات التاريخية ، وفي المقابل عملت على تقوية صفها باستعداء الكثير من الأطراف على ما سمته بالإرهاب(6)، فكان أن جمعت بين استراتيجيات للضغط والإغراء من اجل إنجاح مشروعها العدواني للتدخل السافر في الشأن الداخلي للدول، فقد اعتمدت في حالة باكستان على توظيف قضية كشمير وتهديد البرنامج النووي الباكستاني والوضع الاقتصادي المتردي. واعتمدت في حالة الدول العربية على توظيف الصراع العربي الإسرائيلي والتلويح بدور إيجابي لإنهاء حالة العنف في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتأييد إقامة دولة فلسطينية. واستخدمت في حالة دول آسيا الوسطى حاجاتها الاقتصادية ونزوعها لموازنة النفوذيْن التركي والروسي. بينما استخدمت في حالة روسيا قضية توسيع حلف الناتو من خلال منح روسيا صيغة للارتباط بالحلف تقضى على مخاوفها من توسع الحلف شرقا. كما أبدت من ناحية أخرى استعدادا واضحا للتنازل عن خلافاتها مع بعض الدول في سبيل ضمها إلى ذلك التحالف، خاصة تلك التي تتمتع بأهمية جيو/ سياسية بالنسبة لأفغانستان. والمثال الأبرز هنا هو حالة إيران. ولكن لا أظن أن الخبراء الإيرانيين يجهلون الحسابات الأمريكية، فقد تمرسوا كفاية على كشف ألاعيب وخدع السيناريوهات السياسية الهوليودية ،في حين قامت الولايات المتحدة الأمريكية باستبعاد وتحييد بعض الدول الأخرى والتي ـ للمفارقة الكبرى ـ أبدت استعدادا غير مشروط للانضمام إلى التحالف الدولي. والمثالان البارزان هما الهند وإسرائيل، نظرا لأن مشاركتهما كانت ستحد من أدوار دول أخرى، اعتبرت الولايات المتحدة مشاركتها في التحالف – وفى الجهد العسكري تحديدا – أكثر أهمية من مشاركة كل من الهند وإسرائيل.

إنها مفارقات رهيبة في زمن بات زمن النهايات السريعة لكثير من الأفكار التي توهمناها في لحظة ما صلبة كفاية. لكننا على كل حال لسنا ممن يشك في أن الديمقراطية تسمح للناس بالتصويت لاتخاذ قرار بشأن من يتولى حكمهم، كما أنها يمكن في ظروف معينة أن تساعد على ظهور قادة سياسيين أكفاء ، وتسمح بقدر معين من الاختيار وهو ما لا يسمح به نظام الحزب الوحيد،كما تسمح بالتداول السلمي على السلطة من خلال الاعتراف بحق الأغلبية في الحكم والقرار، وحق الأقلية في المعارضة والسعي إلى الحكم بالوسائل السلمية نفسها، ومع ذلك تجدنا مضطرين لأن نعلن أن أهم تحد يواجه كل نظرية سياسية هو كيف يمكننا منع الظلم والجور، كيف تصان الحريات العامة، وقبلها حريات الشعوب في تقرير مصيرها، ذلك أن أي إنسان يملك سلطة يميل إلى إساءة استعمالها حسب تأكيد مونتيسكيو(7) فما بالك بقوة دولة غاشمة كالولايات المتحدة الأمريكية تعطي لنفسها حق الإغارة على شعب بدعوى دمقرطته.

ثم أليس من التناقض في بعض الديمقراطيات ما نجده من احتفاضها إلى عهد قريب بوزارات للمستعمرات أو لما وراء البحار مثلما الشأن بالنسبة لفرنسا وإنجلترا. وقيامها بالتمييز ما بين مواطنيها فيما بينهم ،أو بين مواطنيها والمهاجرين الذين يتعرضون لأبشع أنواع الاستغلال والتعذيب في شمال ضفة البحر الأبيض المتوسط وفي البلد الذي ينتصب فيه تمثال الحرية ليشهد على فداحة التمييز . إن موطن الداء كما يقول الأستاذ راشد الغنوشي ليس في الأجهزة الديمقراطية : الانتخاب ،البرلمان، الأغلبية ، تعدد الأحزاب ، وحرية الصحافة بقدر ما هو كائن في فلسفات الغرب السياسية القومية والمادية، تلك التي فصلت بين الروح والجسد(وهو جوهر فلسفة ديكارت)، ثم تجاهلت الروح ووأدتها ، وحاربت الله وجاهدت جهادا كبيرا لإحلال الإنسان محله، فلم يبق في الكون و الإنسان غير المادة والحركة واللذة والسيطرة والصراع وشرعة القوي(8).

لكن أمام هذا الوضع كله هل ينبغي أن نرتمي في أحضان الرجعية الدكتاتورية، ونقبل بسكين الحكم الفردي يذبح آمال المستضعفين في الانعتاق والتحرر؟ هل ينبغي أن نستمر في القبول والدفاع عن ملكياتنا الثيوقراطية وجمهورياتنا الملكية؟

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين يصف الوضع الداخلي فيما يمكن أن يسمى بالوجه العاري للأنظمة العربية: اليوم تحاول الأنظمة العربية المطلقة التي يمسك بأزمتها في بلداننا لائكيون تتفاوت درجات عداوتهم للإسلام أن ترتدي الأقنعة الديمقراطية ، فهي تارة تفرخ أحزابا سياسية فورية ذات شعبية معجزة سريعة الذوبان، وتارة يقسم الحزب الوحيد إلى تشكيلات صغرى توهم بالتعددية (عنوان الديمقراطية) ، وتارة أخرى تنظم انتخابات ينتج فيها التزوير والرشوة وجميع أنواع التلاعبات غرفا برلمانية مطبوخة سلفا . وللظهور بمظهر الديمقراطية لا يتردد هذا النظام أو ذاك في تفصيل دساتير مقدسة يصوت لها بنسبة100? أو في إعادة انتخاب الرئيس بنسبة99.99?قبل أن ينتخب مدى الحياة(9)

إن الإسلام يملك القدرة على استيعاب الصيغة الديمقراطية وترشيدها في اتجاه أن يكون حكم الشعب موجها بالقانون الإلهي ، فإذا كان في الديمقراطية الغربية مرجعية عليا هي القانون الطبيعي كما يقول الدكتور محمد عمارة، فنحن المسلمين نضع الشريعة الإسلامية مكانه، الديمقراطية في نظر الإسلام تعطي كل السلطة للأمة شريطة ألا تحل حراما، أو تحرم حلالا، كم أن هذا الجهاز الديمقراطي كما يؤكد الأستاذ راشد الغنوشي يمكن أن يجد في قيم الإسلام في فلسفته في الحياة والكون والإنسان أفضل وقود وخير طاقة وقوة وتوجيه تعطي لهذا الجهاز فعالية عظيمة، وتجنبه المزالق والوقوع في الكوارث التي انتهى إليها النظام الديمقراطي المعاصر، كالحروب الاستعمارية وتفقير البشرية وإشاعة الفواحش والأوبئة الفتاكة وتلوث النظام الأيكولوجي ، وانهيار الأسرة والعلاقات الاجتماعية ، ووقوع الفرد فريسة للعزلة القاتلة، وأزمة الضمير ، وسيطرة الأقوياء على الضعفاء(10)

سيطرة الأقوياء تلك التي تحول الحق إلى باطل ، والباطل إلى حق ، وتحشد للباطل أجنادا وعتادا ، وتشرعن اغتصاب الحريات ، وفتنة المسالمين الآمنين،وتهديد الشعوب والحضارات بالإبادة، وكلنا يتذكر القرار1377 الذي أعاد دعوة الدول الأعضاء إلى سرعة الانضمام إلى الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية ذات الصلة بالإرهاب كما تفهمه أمريكا. والذي ترتب عليه دعوة الدول الأعضاء إلى إفادة لجنة مواجهة الإرهاب Counter-Terrorism Committee ـ والتى تم تأسيسها وفق القرار 1373 ـ بمجالات الدعم المطلوبة ماديا وعسكريا واستخباراتيا ولوجستيا، ودعا اللجنة إلى تحديد الآليات التى يمكن من خلالها تقديم المساعدة لتلك الدول، خاصة فيما يتعلق بتطوير التشريعات والقوانين الداخلية الخاصة بمواجهة الأعمال الإرهابية.

وبينما تراجع الدور الديمقراطي المفترض لمجلس الأمن وللمنتظم الدولي وشرعيته، أطلقت الولايات المتحدة يد ها في بناء تحالف دولي يتسم بالكثير من تعاون الدول الأخرى دون أن يمثل ذلك أي قيد على حركتها العسكرية الراهنة أو المستقبلية، سواء ضد أفغانستان أو غيرها من الأهداف التي قد تحددها الولايات المتحدة في مراحل لاحقة، فقد اقتصر دور مجلس الأمن على تشكيل الإطار القانوني لضمان الدعم الفني والمعلوماتى والاستخباراتى للولايات المتحدة الأمريكية في تلك الحرب.

ولعلنا في الوقت الراهن أحوج ما نكون إلى إقامة جبهة واسعة ذات بعد كوني لمقاومة الاستبداد الأمريكي ، واغتصاب حريات الشعوب ، والتدمير التدريجي للقيم الإنسانية والأخلاقية، إننا محتاجون لحلف فضول يجمع كل الشرفاء والفضلاء الإنسانيين وليس الإسلاميين فحسب، ولنكن على يقين أننا لن نكون وحدنا الذين يرفضون انتهاك حقوق الإنسان، وسحق كرامته، فالإنسان كما يقول الدكتور طه عبد الرحمن:”آية قبل أن يكون آلة”(11)

العنوان الحالي: ص.ب2242 مكناس المدينة مكناس . المملكة المغربية

——————————————————————————–

1 – الصف:61.

2 – الآلة قوة وسلطة، التكنولوجيا والإنسان منذ القرن17 حتى القرن الحاضر،ترجمة: شوقي جلال، عالم المعرفة.ع259. ص241.

3 – لا ننسى أنه قبل عامين تقريبا ذهبت أمريكا إلى أفغانستان لتحرر الشعب الأفغاني من قبضة طالبان ، بيد أنه وبعد الإطاحة بهذه الحركة المتخلفة والعدمية ، وقعت أفغانستان بقبضة الولايات المتحدة التي كانت تريد تكريس نفوذها في هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة، فهناك نفط بحر قزوين، وإجهاض بوادر حلف صيني روسي هندي إيراني بدأ يتبلور.

4 – الغموض الذي يكتنف مفهوم الإرهاب يوفر أساسا قويا لاستغلال نصوص القرار رقم 1373 (28 سبتمبر 2001) ضد أية دولة، لاسيما فى ضوء عدم وضوح الجهة المخولة تكييف عمل أو نشاط ما بأنه إرهابى من عدمه، حيث تُرك الأمر لمجلس الأمن ذاته، أو بالأحرى للأعضاء الدائمين للقيام بهذا التكييف وفق مصالحهم الوطنية الذاتية. فأصبحت المقاومة في جنوب لبنان والانتفاضة في فلسطين إرهابا، في الوقت الذي لا يمكن بحال اعتبار ما تقوم به إسرائيل في المنطقة من جرائم بشعة إرهابا!!!

5 – ينظر: حازم الببلاوي: النظام الاقتصادي الدولي المعاصر، من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نهاية الحرب الباردة،232-233.

6 – تبرر الولايات المتحدة احتلالها للعراق ولأي دولة أخرى بالدفاع عن النفس ، ذلك أن انتشار أسلحة الدمار الشامل والإرهاب في الوطن العربي حسب زعمهم، جعل من مسألة إدخال ثقافة ديمقراطية أمرا حيويا لبقاء الغرب .

7 – مونتيسكيو: دولة القانون،42.

8 – راشد الغنوشي: الحريات العامة في الإسلام،86-87.

9 – الإسلام والحداثة:340.

10 – الغنوشي: م. س،88

11 – حوارات من أجل المستقبل:132.