إن أشرف ظاهرة عرفها تاريخ البشرية هي ظاهرة الاستشهاديين الذين قالوا بدمائهم “الوطن أغلى من دمائنا”، وكأنهم يقولون إذا خيرنا بين بقائنا أو بقاء الوطن سنقول بقاء الوطن أولى من بقائنا، ومن هنا فإن الاستشهاديين فقط هم القادرون على حماية الوطن.

أسوق هذه الحقيقة بينما أقلب النظر في واقعنا المخيف، متسائلا ما الذي جرنا إلى هذا المنزلق؟ وهل من فرصة للهروب من معتقل العملية السلمية؟ أم أن الذين ساقونا إلى أغلالها أصبحوا رهائنها، وأصبح المطلوب منا أن نفديهم بالوطن وأن نتفهم مأزقهم؟

لقد قلنا إن “خارطة الطريق” مؤامرة على القضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني، ولكن هناك من يتعمد إغماض عينيه حتى لا يرى المؤامرة لكي ينكر على المبصرين رؤيتهم لها، ولا يتردد في نفي التآمر من جذوره، فكيف ضاعت فلسطين إذن؟ وكيف أصبح المجاهد ملاحقا ومتهما؟ وكيف أصبح العميل حراً مكرماً؟ وكيف أصبحت خارطة الطريق حلاً عادلاً؟ وكيف أصبح قبول تحفظات “شارون” عليها عملية إحقاق لمزيد من العدالة؟!! وهل تمزق الأمة وتفرقها وهوانها وضياع خلافتها إلا بسبب التآمر الدولي عليها؟ وهل انصراف الأمة عن دينها إلا نتيجة لمليارات الدولارات التي أنفقت على التبشير من جانب، وعلى المستشرقين من جانب آخر، وعلى التغريب من جانب ثالث؟ ليس بالضرورة أن نكون شركاء في التآمر، ولكن بالتأكيد أن منا من جرته مطامعه لغض الطرف بل والتعمية عنها، وكذلك منا من ساهم في تمريرها جاهلا بها، ومنا من كان عنصرا مركزيا في تسويقها.

واللعبة الصهيونية لا تحتاج إلى كثير ذكاء لفهمها، فهم يكررون نفس الأسلوب حتى أصبح شيئاً نمطياً، هم يضعون الخطة ويقومون بصياغتها أو على أقل تقدير تقوم الإدارة الأمريكية بصياغتها وفق الرؤية الصهيونية، ثم يقوم الجانب الأمريكي بطرحها على أنها خطة أمريكية، فيرفضها الصهاينة، وتسارع السلطة بقبولها بهدف إحراج الجانب الصهيوني، ثم يضع الجانب الصهيوني تعديلات وتحفظات على الخطة، فيقبلها الجانب الأمريكي بحجة أنه لا يريد عرقلة العملية السلمية، فتصبح الكرة في الملعب الفلسطيني، فلا يجد الجانب الفلسطيني مفرا من قبول التعديلات الصهيونية، ثم يأتي دور التنفيذ فينفذ الجانب الفلسطيني ما التزم به بنزاهة تامة، ولكن الجانب الصهيوني لا يقدم شيئا بحجة أن الذي قام به الجانب الفلسطيني لا يكفي، وهكذا يكون الجانب الفلسطيني قد ألزم نفسه بتخفيض سقفه دون أن يحصل على استحقاق ما قدم، والطامة الكبرى أن السلطة لا تتعلم ولا تريد أن تتعلم، ويبقى السؤال لماذا؟!!

فتجربة اتفاق (واي بلانتيشين) – على سبيل المثال لا الحصر – لا زالت حاضرة في الأذهان، لقد جاء المقترح الأمريكي لإعادة الانتشار في (13%) من مساحة الضفة الغربية مطابقا لما يريده الصهاينة ومخالفاً لما طالبت به السلطة (40%) وذلك بعد استقراء أمريكي لمواقف الطرفين، ورغم ذلك قبلت السلطة، ومن ثم “نتنياهو” رفض، وطالب بالتعديل المعروف بإعادة الانتشار (10+3) والذي قبلته الإدارة الأمريكية، ولقد تركزت مفاوضات (واي بلانتيشين) على الشق الأمني من الاتفاق، إضافة إلى ترتيبات المرحلة الانتقالية الأخرى المعلقة (المطار- الميناء- الممرات الآمنة- المعتقلين- تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني- القضايا الاقتصادية)، وفي النهاية لم يبق منها إلا تعديل الميثاق الوطني، والالتزامات الأمنية التي أدمت الشعب الفلسطيني، تنصل “نتنياهو” ومعه “شارون” من الاتفاق وذلك في لقائهما مع “عرفات” و”بل كلنتون” في اليوم التالي لتعديل الميثاق، ولقد أبدى “بل كلنتون” استياءه وغضبه، ولكن غضب “بل كلنتون” لم يترجم إلى ضغوط على الصهاينة، بل على النقيض من ذلك مارس “بل كلنتون” ضغوطاً هائلة على الجانب الفلسطيني في معتقل “كامب ديفيد”، وهكذا مزقنا الميثاق وانتهت المفاوضات وبؤنا نحن بغضب “بل كلينتون”.

وتتكرر المسرحية في “خارطة الطريق” فقد رفضها شارون الذي إما أن يكون هو من صاغها أصلاً أو أنها صيغت أمريكيا وفق رؤيته، واشترط لقبولها عدة تحفظات تفرغ الخارطة من كل شيء إلا الشق الأمني الذي يطالب السلطة الفلسطينية بإعلان الحرب على المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، والاعتراف بدولة “إسرائيل”، مع إعطاء الشرعية التامة للصهاينة لاستباحة دماء المسلمين في فلسطين.

ولقد تمنى العرب على أمريكا أن تمارس الضغط على “شارون” للقبول بالخارطة، فماذا كان الرد الأمريكي على تمنيات العرب؟ يقول “باول” : (قلنا “للإسرائيليين” إننا سنأخذ بعين الاعتبار ملاحظاتهم شيئاً فشيئاً مع بدء العمل بهذه الخطة)، وهذا ما أكده بيان صدر عن البيت الأبيض قال : “تتفق الولايات المتحدة مع وجهة نظر الحكومة “الإسرائيلية” وترى أن هذه المخاوف حقيقية وستتعامل معها بشكل كامل وجدي في تطبيق خريطة الطريق. وقال مسئول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية كان يرافق باول على متن الطائرة “إن التعهد الأمريكي بأخذ التحفظات في الاعتبار لا يعني بالضرورة أنه ستتم تلبية كل المطالب “الإسرائيلية”.

وقال مسئول صهيوني رداً على سؤال لوكالة فرانس برس “إن هناك فرصاً كبيرة لإعلان الحكومة “الإسرائيلية” موقفها من النص اليوم الأحد بعد التوضيح الإيجابي جداً الذي أصدرته وزارة خارجية الولايات المتحدة”. وكانت “يديعوت احرونوت” العبرية نقلت عن مقرب لشارون أن “إسرائيل” ستعترف بالمبادئ التي تنص عليها الخطة، لكن لا يعني هذا أنها ستوافق على كل بند من بنودها”، ولقد وافق الجانب الصهيوني على خارطة الطريق، بل وبدأ بتنفيذها قبل أن يعلن عن موافقته المشروطة عليها، فها هو وزير الإسكان لدى العدو يعلن عن مشروع استيطاني كبير، وهو البدء باستدراج عروض لبناء 3500 وحدة سكنية في مستوطنة معاليه ادوميم القريبة من القدس، وكذلك قام باجتياح شامل ومدمر لمدينة “طولكرم” وذلك تطبيقا لخارطة الطريق التي تستبيح دماء المسلمين وتحرم دماء الصهاينة، فهي تطالب الفلسطينيين بوقف العنف، ولا تطالب الصهاينة بوقف الإرهاب المتمثل بالاجتياح، والمذابح، والاغتيال، والاعتقال، والحصار، والإذلال، والتخريب للحياة الفلسطينية، ونعود للسؤال لماذا يصر البعض على التعامي عن الحقيقة الدامغة؟

ولا أرى جواباً لهذا السؤال إلا أن الذين أقاموا سلطة وفق “أوسلو” أصبحوا رهائن عملية التسوية، ولم يعد أمامهم إلا إحدى خيارين إما أن يقبلوا بتنفيذ كل ما يطلب منهم من ضرب للمقاومة، وشق للصف الفلسطيني، وتنازل عن كل الوطن، أو أن يعودوا من حيث أتوا، لأن رفضهم تنفيذ ما يملى عليهم يعني أنهم تخلوا عن عملية “السلام”!!!!! التي بسببها دخلوا إلى فلسطين، فإذا حصروا خياراتهم في هذين الأمرين فالأمر جد خطير، ولكن إذا سمعوا إلى نداء العقل والواجب فعليهم أن ينحازوا إلى خيار المقاومة، فالمقاومة هي الطريق الذي ينبغي أن نعبره وليس خارطة الطريق.