استيقظ المغاربة صباح يوم السبت 17 ماي على هول صدمة مدوية وفاجعة مؤلمة ومفاجأة بكل المقاييس من حيث شكلها أو موضوعها أو توقيتها، خبر نزل على الناس كالصاعقة فأصاب ألسنة بالخرس وآذانا بالصمم، واختلف آخرون حول طبيعته والوصف الذي يليق به والنعث اللائق به، ولكن الإجماع تحقق حول رفضه والتنديد به وبمرتكبيه مهما كانت مبرراتهم .

لقد تعرضت الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، لمجموعة عمليات إرهابية استهدفت مرافق اقتصادية وأجنبية مخلفة عشرات الضحايا وخسائر مادية مباشرة لم تحص لحد الآن، دون أن ننسى الانعكاسات السلبية لهذا الحدث على البلاد اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وحتى ثقافيا، و هي انعكاسات سنعايشها وسنتلقى تداعياتها يوما بعد آخر ولايمكن إطلاقا التكهن بحدودها، ولكننا نسأل الله تعالى أن لايؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

ومنذ البداية لابد من التذكير بأن قصد هذه المقالة ليس تكرار ماقيل، أو الاستغراق في وصف الحدث فقد كثر الكلام حول ماذا جرى ولم يرافقه للأسف كلام مواز يطرح أسئلة حول لماذا جرى ما جرى حيث وجدنا العديد من المتتبعين يسهب في الحديث عن نتائج الحدث ومظاهره، ومنهم من تجاوز ذلك للحديث عن أسبابه ولكنه اقتصر على بعضها، أوالارتكان إلى سبب واحد فبقيت نظرته جزئية وهامشية، ونرى أن من حسن اعتبارنا بما جرى أن لانقف عند مظاهره ونتائجه، ولكن يجب التنقيب على جذوره وأسبابه ودوافعه ومصدره لأن معرفة هذه الأمور تؤدي إلى إحكام مواجهة هذه الظاهرة وتقليص دائرة تأثيرها ومجال فعلها، كما علينا أن نحرص على عدم الاقتصار على سبب دون آخر، أو الارتكان إلى أسباب ثانوية متناسين الأسباب الرئيسية،وهذه الملاحظات لا نطرحها لمجرد إشباع رغبة معرفية أو لإرضاء ترف فكري، ولكن لأن معرفة الداء خطوة أساسية لوصف الدواء مميزين في ذلك بين تفسير مطلوب لابد منه وتبرير مرفوض هدفه التهوين والتغطية والتعمية. لذلك فغاية هذا المقال تقديم بعض الخلاصات الأولية لمتتبع هاله ما جرى وما يجري، وطالما نبه إلى خطورة المسار الذي تسير فيه السياسات العامة المتبعة لأنها لاتفرز إلا نتائج من هذا القبيل، وعلينا أن ندرك منذ البداية أن صدمتنا في رد الفعل الذي تجلى في هذه التفجيرات الإجرامية لاينبغي أن تنسينا فظاعة فعل السلطة التي تجبرت على العباد وطغت في البلاد فأكثرت فيها الفساد حيث الشعب سيم الخسف ومنع النصفة وتكالبت عليه المصائب من كل اتجاه وتم الاستخفاف به وتحقير آرائه، وفئاته النشيطة عمها اليأس والقمع طال كل شرائحه…

العنف مرفوض مهما كانت مبرراته

لابد في البداية من إدانة ماحدث، ومواساة كل من تضرر من قريب أو بعيد من جراء هذا العمل الإجرامي الذي لاينم إلا عن صبيانية وعدمية وضيق أفق، كما لابد من التذكير بأن ما وقع سلوك مدان وفعل مستنكر يحرمه الشرع ولايستسيغه العقل وتمقته النفس ويتقزز منه الذوق، فالله تبارك وتعالى أخبرنا بأن : “من يقتل مؤِمنا متعمدا فجزاؤه جهنم وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما” وأخبرنا كذلك بأن ” من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”، كما أن الله تعالى بين كيفية التعامل مع من لم يعادنا حيث قال” لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون” ورسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة رغم أنها أطهر بقاع الأرض، لذلك فالعنف مرفوض من حيث المبدأ كيفما كانت مبرراته وأيا كان مصدره أو أسبابه، ولايمكن استساغة أي اجتهاد لتبريره، كما أنه موقف لا مساومة فيه، ولاينبغي أن يزايد بعضنا على البعض الآخر بشأنه.

العنف والعنف المضاد، الفعل ورد الفعل

لكن لاينبغي أن يحجب هذا عنا الرؤية الموضوعية عند سعينا لاستخلاص العبرة مما وقع، حيث إن هذا العنف ليس في الحقيقة، سوى رد فعل لعنف سابق مصدره السلطة بكل أجهزتها ساهمت فيه من خلال مقاربتها الأمنية المتشددة والتي تجسدت في حملات التعذيب والاختطاف والاستنطاق العشوائية – وما ينشر في وسائل الإعلام وما تتضمنه التقارير الحقوقية خير مثال- التي صنعت أعداء وولدت أحقادا وتركت مخلفات ترسبت في ذهنية العديد من الشباب فأعمت أبصارهم وطمست على بصائرهم فلم يعودوا يفكرون فيما هم مقدمون عليه، ولهذا فهول الصدمة لايجب أن ينسينا فظاعة جرائم السلطة وأي وقوف على مظاهر المشكل دون الخوض في العمق والنفاذ إلى الأسباب لن يكون ذا جدوى، ولا أعتقد بأن منصفا عاقلا أو متتبعا موضوعيا كان يخفى عليه خطورة انتهاكات السلطة.

ولعل الاختلاف بين هؤلاء جميعا كان فقط حول حجم تأثيرها وانعكاساتها وردود الفعل التي يمكن أن تنجم عنها، والخوف أن تكون هذه التفجيرات مجرد بداية، نسأل الله تعالى أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

استقرار البلاد أكبر من أن يوكل إلى ” أجهزة الأمن”

إن ماحدث يجعلنا نقف عند خلاصة أساسية تتجلى في صعوبة ترك وظيفة الحفاظ على استقرار البلاد وأمن المواطنين للسلطة وحدها، فهذه وظيفة أكبر من أن يقوم بها جهاز في السلطة دون آخر، سيما إن تعلق الأمر بأجهزة غارقة في صراعاتها ولا هم لها إلا الحفاظ على مصالحها وتنمية امتيازاتها والانشغال ببعضها البعض وبمن تتصورهم ينازعونها مكانتها.

إن استقرار البلاد يجب أن يوكل إلى المجتمع بكل فئاته وعلى رأسها علماؤه وحكماؤه ومثقفوه ومفكروه، وقد ارتكبت السلطة أخطاء استراتيجية حين غيبت فئات فاعلة وذات مصداقية وحرمتها من القيام بدورها في تأطير الشباب وتوجيهه، ولا نحتاج لإيراد أدلة على ذلك فكل مجالات الفعل في المجتمع مغلقة إلا على من رضي بخيارات المخزن ورضي عنه المخزن، والتضييق الذي تتعرض له وسائل الإعلام وبعض العلماء والمفكرين والتنظيمات والجمعيات خير مثال، كما لانحتاج أن نذكر بأن الوقاية خير من العلاج وأساليب السلطة لاعلاقة لها بالوقاية، وحتى العلاج تقوم به في أسوء تجلياته، ولا تسأل عن عدد الوفيات في مخافر الأمن، وعن الأمراض والانحرافات المنتشرة في السجون ..فهل بعد هذا نترك أمن الدولة واستقرارها لهذه الأجهزة؟

عدلت فأمنت فنمت/ استفحال الظلم أذان بخراب العمران

تجرنا الخلاصة السابقة إلى خلاصة لاتقل عنها أهمية، وهي ارتباط ماوقع بالسياسات المتبعة والأوضاع العامة في البلاد، ورحم الله تعالى الحكيم ابن خلدون حين قال” استفحال الظلم أذان بخراب العمران” فغالبية الشعب تعيش في فقر مدقع لا تجد معه ما تسد به رمقها، ونسبة الأمية وسط المواطنين مفزعة ، وأدنى شروط العيش الكريم غير متوفرة، وحتى بصيص الأمل في غد أفضل منعدم، وبالمقابل هناك أقلية تنعم في البذخ والترف ولاتزداد إلا غنى وثراء وفضائح نهب المال العام ضاقت بها صفحات الجرائد وهجمت على الناس في كل مجالسهم فلم تترك لهم فرصة للحديث عن غيرها.

هذا ناهيك عن السياسة المتبعة من طرف المسؤولين فيما يرتبط بقضايا مصيرية تهم المواطنين كالقضية الفلسطينية واحتلال العراق، ولا نحتاج أن نذكر بالمواقف الانبطاحية والذيلية للمخططات الصهيونية والأمريكية ، وكل هذه الأمور ليست سوى الأرضية المناسبة للتطرف والحقد والإرهاب.

وليس من حل لمواجهة ذلك إلا بإرجاع الثقة للمواطنين ببعث الأمل- الأمل فقط كحد أدنى- في نفوسهم ، وليس من سبيل لاستقرار البلاد إلا نشر العدل في المجتمع وصدق من قال ” عدلت فأمنت فنمت”، العدل أولا.

لهذا على المسؤولين إعادة النظر في أولوياتهم ، وإعادة النظر في تلك الأمول الطائلة والميزانيات المفتوحة والصناديق السوداء التي تصرف للواجهة الأمنية مع أنها لا تعود بكثيرنفع على البلاد والعباد، وإلا كيف يستسيغ عقل وقوع مثل هذه العمليات الإرهابية وسلطتنا لم تتدارك الأمررغم أنها تطلبت أعدادا من المنفذين وأماكن للتدريب وبيوتا للتهيئ واتصالات وما شابه ذلك؟ والأولى أن تنفق تلك الأموال الطائلة في مجالات أخرى كالتربية والتعليم والتشغيل لأنها الضمانة الأساسية لمستقبل مشرق.

الخطاب الرسمي: جهل بالواقع وتنويم مغناطيسي

لطالما طبل الخطاب الرسمي بأننا بلد مستقر ومملكة آمنة وبأن شعبنا متسامح، وللأسف تلقف العديدون هذا الكلام باعتباره مسلمات لاياتيها الباطل من يبن يديها ولامن خلفها متناسين بأننا بلد يتعرض لتحولات ويتأثر بما يحدث في العالم ولهذا كان هول الصدمة كبيرا على هؤلاء لأنهم صدقوا ادعاءات السلطة بانها مسيطرة على الأوضاع ولا تخفى عليها خافية في السماء ولافي الأرض، في البر أو البحر، في الشارع أو في البيت و لعل هناك من صدق بأنها تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

وأعتقد بأن هذا الحدث كفيل بأن يجعلنا نطرح أسئلة النقد على هذه المسلمات، فكون بلادنا مستقرة فهذا من رحمة الله تعالى بنا وليس بسبب ما كسبت أيدي مسؤولينا، ولكنه استقرار على فوهة بركان وعلى جرف هار إن لم نتداركه، ولن نفلح في ذلك إن لم يتداركنا الله عز وجل برحمته فيفتح قلوبنا وينير أبصارنا وبصائرنا لمعرفة جذور المشكل وأصوله، وكون المغاربة متسامحين فهذا هو الأصل فيهم،ولكن إن لم نرعه وننبته نباتا حسنا يشب على العكس ويشتد عوده على الحقد، وهذه وظيفة تربوية أثبتت السلطة عجزها عن القيام بها ويصعب استئمانها عليها، ولايمكن لأي واحد أن يلمس ذلك في مناهج التعليم ووسائل الإعلام الرسمية والمساجد المؤممة و…

لقد كان الأولى بهؤلاء أن يعيدوا النظر في مسلماتهم منذ استفحال ظاهرة قوارب الموت واستهلاك المخدرات وشيوع اللامبالاة وانتشار الجريمة لينتبهوا إلى أن تمة تغييرات عميقة وتحولات جوهرية تحدث في المجتمع، وأن لاجدوى للقمع في علاجها، كما لافائدة من تجاهلها، وكون منفذي العمليات مغاربة حسب ما جاء في الرواية الرسمية فهذا يلزمنا بإعادة النظر في الكثير من الأمور.

الخطاب التحريضي والتيار الاستئصالي خطر على المجتمع

لقد تزايدت في الآونة الأخيرة حدة خطاب تحريضي وتقوى نفوذ تيار استئصالي شعاره” الإدانة هي الأصل والاستئصال هو الحل”، بمبرر الحداثة والعقلانية، لا هم له إلا الطعن في دين الأمة وعلمائها، والترويج للفاحشة، وإلصاق كل الأفعال الشاذة بالملتحين واستفراغ الجهد في ابتكار الأوصاف القبيحة لنعثهم بها متناسين أنهم بذلك يصبون الزيت في النار، وأنهم يضيفون استبدادا آخر إلى استبداد السلطة التي مهدت لهم الطريق من خلال إمدادهم بكل الوسائل مقابل التعتيم على تحركات الآخرين وتشويه آرائهم، والمتتبع للتغطية الإعلامية لقناتينا التلفزيتين يقف عند هذه الحقيقة جليا.

سنسقط جميعا في غيابات جب عميق إن لم ننتبه لخطورة هذا الخطاب الاستئصالي التهكمي الاستفزازي، وسنقع في فتنة لن تستثني احدا لأنها ستأتي على الجميع إن لم نتدارك الأمر بكلمة سواء، وميثاق جامع نلم به شتاتنا، ونجمع به أمرنا، ونوحد من خلاله صفنا، وننهض جميعا لطلب مغرب أفضل من هذا المغرب المخزني الاستبدادي الذي جرد المغاربة من آدميتهم وأحكم قبضته عليهم، ونعمل جميعا من أجل مغرب العدل والكرامة والحرية الذي نتفق على تفاصيله من خلال حوار هادئ رصين بعفة لسان وقلم، واحترام للآخر، وحرص على العمل المشترك، لأن ثقل الموروث المخزني وضخامة المطلوب في الحاضر والمستقبل أكبر من أن يقوم لهما طرف دون آخر.

هذه بعض الخلاصات قصدها تقديم رؤية شمولية ونظرة متوازنة لما وقع حتى نعتبر ونتعظ، وحتى لا نخطئ مرة أخرى الطريق، وحتى لانفاجأ، لاقدر الله، بما هو أفظع. فهل سنكون في المستوى؟

إننا أمام حلين لا ثالث لهما، وعلى طبيعة اختيارنا تتوقف النتائج وترسم ملامح المستقبل، فإما أن نجعل ما وقع فرصة للم الشمل وتوحيد الجهود للقضاء على أسباب التطرف بشقيه الديني واللاديني ومن أي جهة صدر ومهما كانت مبرراته، وكيفما كان القناع الذي يتستر وراءه، وأول الطريق فتح المجال لعلماء الأمة وفعاليات المجتمع لتأطير الشباب وتوجيهه وتحصينه ضد حملات التضليل والتجهيل والتيئيس، والعمل على اتخاذ تدابير استعجالية لبعث الثقة ونشر الطمأنينة، وإما نختار التضخيم من حجم فئات منبوذة في المجتمع واستغلال أفعالها الطائشة لنصنع من ذلك أعداء وهميين تبرر السلطة من خلالهم استمرارها والحاجة إليها فتكبت الحريات، ولعل هذا ما فضلته السلطة مباشرة بعد هذا الحدث من خلال التسريع بالمصادقة على قانون مكافحة الإرهاب رغم الأصوات الكثيرة الرافضة له، ومن خلال الحكم الجائر الذي صدر في حق الصحفي علي المرابط – وأستغل الفرصة لإبداء التضامن معه في محنته- وهو ما يبشر بردة حقوقية نحن على أبوابها ونسأل الله تعالى أن يجنبنا الفتنة ما ظهر منها وما بطن.