أسف واضح وإدانة صريحة، ينبغي أن يجمع عليها مختلف فضلاء هذا الوطن، بل ينبغي أن يجمع عليها الشعب المغربي بمختلف فئاته وشرائحه. لكن مالاينبغي هو اختزال الحدث في عدد الضحايا، وعدد المتورطين في هذه الأعمال الشنيعة، وتتبع التحقيقات التي قد تطول،

والحديث على أن الوضع أصبح تحت السيطرة ..

لن نساهم في بناء مستقبل أفضل لهذا البلاد إذا اكتفينا بالكلام العام واللمز والشتم، ولم نبذل الجهد عبر حوار وطني يشارك فيه الجميع، لفهم ماجرى، ولماذا جرى؟ وماهي أسبابه وجذوره؟

وماهي تداعياته؟ وأي سبيل لتأمين المستقبل؟

لايمكن لذي عقل سليم إلا أن يدين أحداث العنف التي روعت سكان الدار البيضاء. فبأي حق تراق دماء أناس- رحمهم الله- غدرا؟ وبأي مبرر تفجع عائلات في ذويها؟ أما من تربى في أحضان الإسلام، واغترف من مشكاته؛ مشكاة الرحمة والرفق والعفو وكظم الغيظ، فلا يمكن إلا أن يتأسف شديد الأسف على ماحدث، خاصة وقد ذاع وشاع -أقول ذاع وشاع- أن تلك الأعمال الخرقاء ارتكبت بدافع الحماس الديني من طرف أشخاص ذلك مبلغهم من العلم بالدين.

أسف واضح وإدانة صريحة، ينبغي أن يجمع عليها مختلف فضلاء هذا الوطن، بل ينبغي أن يجمع عليها الشعب المغربي بمختلف فئاته وشرائحه. لكن مالاينبغي هو اختزال الحدث في عدد الضحايا، وعدد المتورطين في هذه الأعمال الشنيعة، وتتبع التحقيقات التي قد تطول، والحديث على أن الوضع أصبح تحت السيطرة ..

لن نساهم في بناء مستقبل أفضل لهذا البلاد إذا اكتفينا بالكلام العام واللمز والشتم، ولم نبذل الجهد عبر حوار وطني يشارك فيه الجميع، لفهم ماجرى، ولماذا جرى؟ وماهي أسبابه وجذوره؟ وماهي تداعياته؟ وأي سبيل لتأمين المستقبل؟

قد يبدو أن إثارة هذه الأسئلة أمر سابق لأوانه، لكن باستحضارنا لبعض ردود الفعل؛ خاصة من طرف الأوساط الحكومية، التي نظرت إلى ما حدث من زاوية واحدة؛ عبر تصريحات تجعل من حدث الدار البيضاء مسوغا لما كان وربما يكون من خرق سافر لحقوق الإنسان؛ من اختطافات واعتقالات تعسفية.. ردود الفعل المتسرعة هذه تدفعنا إلى إثارة تلك الأسئلة منذ الآن من أجل خوض نقاش هادئ ينتهي بنا إلى رصد المعالم الأساسية لمقاومة ظاهرة العنف، خاصة وأن زمن الحوار الفكري الهادئ أطول بكثير من زمن الحلول الأمنية الجاهزة.

بعد هذا التوضيح أتطرق لبعض القضايا المرتبطة بأحداث البيضاء، قد أكون ساذجا في بعض تساؤلاتي، وقد أكون مثاليا في بعض اقتراحاتي، لكن همي الأول وليس الأخير توسيع دائرة التفكير، للنظر إلى ما حدث من زاويا مختلفة، وعبر أبعاد متعددة.

من وراء أحداث العنف بالبيضاء؟

بعد أحداث 11 شتنبر 2000 انتشر حكم أصبح وللأسف في درجة المسلمة، ليس فقط عند عامة الناس، بل حتى عند خاصتهم من ذوي الفكر والثقافة، مفاد هذا الحكم /المسلمة أن كل أحداث التفجير التي تقع في بلاد المسلمين من ورائها حركات إسلامية متطرفة، حتى وإن لم تتبنى هذه الحركات تلك العمليات.

أعتقد أن من حق كل صاحب فكر حر أن يشكك في هذا الحكم التبسيطي؛ خاصة وأن قرائن التشكيك أكثر من أن تحصى.

الا نذكر بأنه في أحداث 11 شتنبر نفسها تحدث بعض المشهود لهم بحصافة الرأي من غير المسلمين عن تورط إسرائيل في تلك الأحداث، وشرعوا في إظهار بعض الأدلة، قبل أن تنقلب عليهم، وعلى رأيهم الآلة الإعلامية المتصهينة.

أليس من حقنا أن نتساءل من له المصلحة أكثر من غيره في التفجيرات التي تقع في بلادنا نحن المسلمين؟

ربما لايختلف إثنان أن الرابح الأول من مصائبنا وكوارثنا هو إسرائيل، ثم إن ماتعرفه أوطاننا من قمع وفقر وجهل يسخر الكثير من البسطاء ليخربوا بيوتهم بأنفسهم مقابل مصلحة كاذبة نعرف جميعا قدرة الآلة الصهيونية على تزيينها وتلميعها.

وبعد إسرائيل، ألا يمكن أن يكون من الأسباب الأولى لتلك الأعمال الخرقاء ما تعرفه الأنظمة العربية من تناقضات بداخلها. مما يؤجج تصفية الحسابات والتصفية المضادة.

كثيرا ما نستبعد هذا الاحتمال الأخير، والسبب في اعتقادي عدم معرفتنا بالتناقضات الحقيقية داخل الأنظمة الحاكمة نظرا لتكتمها وانغلاقها على نفسها. ولعل ما يؤكد مثل هذا الافتراض تلك الأحداث الدامية في الجزائر، ألم يعترف بعض المسؤولين في الجيش أن الأمر كان مجرد تصفية حسابات بين أجنحة النظام ؟

ربما أطلقت العنان للاحتمال والافتراض أكثر من اللازم، لكن اعتقد أن ذلك ضروري في وقت تربط فيه كل عملية تخريب بالإسلام والإسلاميين، ربما لتشويه صورة الإسلام عند المسلمين وغيرهم، وربما لقطع الطريق أمام الإسلاميين الذين أصبحوا يحرزون تقدما ملموسا عبر الوسائل والأساليب الديمقراطية، وربما لتبرير هذه الحملة العشواء على الحضارة الإسلامية تحت يافطة مكافحة الإرهاب، وربما للفت الأنظار عما يحدث في بعض المناطق الإسلامية في فلسطين والعراق..

نعود الآن لأحداث الدار البيضاء، فقد أكدت الأوساط الحكومية أن الفاعلين ينتمون لتنظيم “الصراط المستقيم” . وأجدني مضطرا عند تدشيني لهذا الحوار، الذي أريده حوارا هادئا، أن أطرح بعض التساؤلات حول مضمون تلك التصريحات؛

لم نسمع بـ”الصراط المستقيم” في المغرب إلا في الآونة الأخيرة ، وكل ما نعرفه عنه أنه تنظيم بسيط من حيث أعضائه وإمكانياته، دليل ذلك أن بعض قيادييه اعتقلوا في جرائم عادية، بعيدة عن كل تخطيط محكم، أو تنظيم مضبوط، فهل يمكن لمثل هذا التنظيم البسيط أن يكون وراء أحداث البيضاء التي هي على قدر غير عادي من الدقة والضبط؟

وإذا احتمل بعض المتتبعين أن يكون هذا التنظيم مسخرا من طرف تنظيم القاعدة، وبالتالي فإن التخطيط لتلك العمليات هو تخطيط قاعدي قبل أن يحال على المغاربة للتنفيذ. إلا أنه يمكن أن يكون من أوجه تفنيد هذا الاحتمال معرفتنا بالاختيار الواضح للقاعدة ، والمتمثل في استهداف الأجانب وليس المواطنين، الأمر الذي لم يكن في البيضاء، حيث أغلبية من قتلوا مغاربة.

لسي هدفي من طرح سؤال: من يقف وراء أحداث العنف باليضاء؟ إثبات الجريمة على “الصراط المستقيم” أو نفيها، فالتحقيقات متى كانت واضحة وشفافة كفيلة بإظهار الحقيقة وكشف الحجب، هدفي هو نقض ذلك الربط التبسيطي بين مايقع من تفجيرات في بلادنا العربية والإسلامية وبين بعض التنظيمات المحلية التي تتبنى العنف والتي لايمكن الجزم- أقول الجزم – بأي حال من الأحوال بأنها مسؤولة عن كل تلك العمليات.

العنف وحقوق الإنسان

يعتبر حفظ الأمن النفسي، وصيانة السلامة البدنية لكل المواطنين حقان من حقوق الإنسان، وتعتبر أجهزة الأمن هي الساهر الأول على حفظ هذين الحقين. وماحدث في البيضاء يؤكد أن الدولة تتحمل المسؤولية من خلال تقصيرها في حماية الحقوق الأساسية للمواطنين.

يضاف إلى ذلك – وهذا هو الأخطر في اعتقادي – أنه بعد الأحداث ظهرت تصريحات حكومية، منها تصريح للوزير الأول، رأت فيما حدث ردا واضحا على تلك الهيئات السياسية والإعلامية الرافضة لمشروع قانون مكافحة الإرهاب، والمستنكرة لموجة الاختطافات والاعتقالات التي استهدفت في الشهور الأخيرة بعض المشتبه في انتمائهم لما سمي بالسلفية الجهادية.

وكأن العنف الذي وقع في البيضاء ينبغي أن يسكت كل صوت يطالب بحقوق الإنسان، وأنه لامجال للديمقراطية بأساليبها وضمانتها مع أعداء الديمقراطية، كما ذهب إلى ذلك بعض المتسرعين…

ولنا أن نتسائل ألا يمكن أن يكون من أهم أسباب ماحدث تلك الاختطافات التي طالت بعض الشباب، وذلك التعذيب الذي تعرضوا له، والذي لم يكن له مبرر في كثير من الأحيان إلا الاشتباه- مجرد الاشتباه- بالانتماء إلى بعض التنظيمات المزعومة ، ألا يمكن أن يكون ماحدث رد فعل على عنف السلطة وقمعها؟

ألايمكن أن نذهب أبعد من ذلك للتأكيد على أن هذا العنف سببه الأول هضم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لكثير من الشباب؟ سببه البطالة المتفشية، والجهل المنتشر، والبؤس الذي يغذي الأحقاد، والفوارق الصارخة بين قلة تنعم في الغنى الفاحش، وأكثرية تتلوى في فقر مذقع.

وعلى إثر عمليات التمشيط الحالية، أليس من المتوقع أن يخرج من مخافر الشرطة شباب كلهم رغبة في الانتقام، إذا ما أهينوا وعذبوا ظلما؟ أليس من المتوقع أن تدفعهم أشكال الإهانة المختلفة بعيدا عن أي تعامل إنساني إلى الاستعداد لتفجير كل شيء بما في ذلك أنفسهم؟

كيف تجري عمليات التحقيق مع المشتبهين؟ هل يعذبون؟ وكيف يعذبون؟ وماهو مستقبل الضمانات الحقوقية للمتهم؟ وهل ما حدث بالبيضاء على بشاعته يسوغ إقرار قانون فضفاض تحت يافطة مكافحة الإرهاب لارائحة فيه لحقوق الإنسان؟ أسئلة ينبغي طرحها رغم هول الكارثة ورغم غضبنا على مرتكبيها.

إن الاختيار الذي كثيرا ما تقره التصريحات والشعارات، يفرض علينا التسليم بواقع الاختلافات والصراعات من جهة أولى وضمان الحقوق والحريات من جهة ثانية ، فهل سنكون في مستوى هذا التحدي الديمقراطي قولا وفعلا؟

أي طريق لتأمين المستقبل؟

لا أعتقد أن الإجراءات الأمنية المحضة كفيلة وحدها بالقضاء على عمليات التفجير، والدليل الساطع على ذلك توالي التفجيرات- المشروعة طبعا- في إسرائيل رغم الاحتياط الأمني الذي ربما يفوق احتياطات الدول العربية والإسلامية بأكملها.

عمليات التفجير غير المشروعة وأعمال العنف عموما لايمكن مواجهتها بإجراءات أمنية صرفة، إذ لابد من مقاربة شاملة تشمل بالإضافة إلى الإجراءات الأمنية إجراءات أخرى قد تكون أهم وأنجع وهذه بعض المعالم التي من شأنها تطويق ظاهرة العنف في مجتمعاتنا ، أسوقها بكثير من التركيز:

أ – إشاعة الحوار: ينبغي أن نستبدل لغة السب والشتم والقدح بالحوار الدائم والحرص التام على التفاهم، علينا ألا نغلق باب الحوار تحت أي ذريعة كانت، علينا ألا نتجاهل الآخر بحجة أنه لايمثل شيئا في المجتمع، أو بدليل أن أفكاره مرفوضة من عامة الناس، علينا أن نحاور كل صاحب فكرة مهما كان حجمه ومهما كانت فكرته. وبداية هذا الحوار تكون بتخلص كل واحد منا من تمركزه على ذاته، وبالاستعداد الدائم لنقد الذات وإظهار أخطائها، لأن غياب هذا الاستعداد يجعلنا نهول أخطاء الآخرين ونتعامل معهم بقسوة.

إن كل فكرة يؤمن بها الإنسان لها سياق خاص، ومن مهمة الطامح للتغيير أن يتتبع ذلك السياق بصبر وحلم، حتى يناقش الفكرة في أصولها وجذورها. إن الرفض المتسرع لفكرة الآخر، بالمنطق القائل:”كل الحق معي وكل الباطل مع غيري” تكون نهايته في أغلب الأحيان تعصب الآخر لفكرته، وحرماني من بعض الحق الذي قد تحويه فكرة الآخر.

والحوار لاينمو ولايثمر إلا في جو من الحرية، من هذا المنطلق وبتلك المبادئ أقترح أن نخوض جميعنا – هيئات وأفراد – حوارا بيننا حول القضايا الوطنية الأساسية؛ من مثل قضية العنف هذه، وألا نستعجل ثمار هذا الحوار، ولما لانخوض حوارا عميقا وأصيلا، كل من مكانه وحسب إمكانياته، مع من يؤمنون بالتغيير عن طريق العنف.

ليكن حوارا نقارع فيه الحجة بالحجة، والدليل بالدليل بعيدا عن كل قدح وسب وشتم. وحتى إذا رفض أصحاب الفكر العنيف هذا الحوار، فلا غنى لنا عن اصطناعه – أي البحث عن أسس تفكيرهم ومحاولة نقضها- إذا أردنا إنقاذ الكثير من الشباب من معتقدات خاطئة من حيث المنطلقات وخطيرة من حيث النتائج.

ب – التربية على الرفق : عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من حرم الرفق حرم الخير” رواه مسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:ّ” إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف ومالا يعطي على ما سواه” رواه مسلم.

ينبغي أن تتجه مختلف وسائل التربية من أسرة ومدرسة وإعلام إلى تربية أبناء المغاربة على هذا الخلق النبوي القويم؛ خلق الرفق. إلا أن هذا لايمكن أن يكون إلا في سياق تربية إسلامية شاملة، فياترى هل الدولة على استعداد للسهر على مثل هذه التربية؟

وإذا كانت القدوة هي العامل الحاسم في التربية، فلا نتصور أي أثر للتربية على الرفق في ظل أسرة ربها عنيف، أو في ظل دولة تفضل حكومتها التعنيف على المعتصمين من طلبة ومعطلين وغيرهم بدل التفاهم والحوار.

ثم إن الدولة حين تحاصر الحركة الإسلامية الرافضة للعنف فإنها تحاصر التربية على الرفق، ومن تم تفسح المجال واسعا امام مظاهر التعصب.

ت – تحقيق العدل: الأرض التي تنبت أشواك العنف القاتل هي أرض الظلم بكل أنواعه السياسي والقضائي والاقتصادي والاجتماعي .

فدفعنا للعنف يبدأ برفضنا للظلم. وإذا كان الظلم يغذي الأحقاد والرغبة في الإنتقام فإن العدل يمهد للإخاء، الذي يبدو أن البشرية في أمس الحاجة إليه اليوم.

إلا أن العدل مطلب عالي غالي لاينال بالتمني، وإنما منطلق تحقيقه الإرادة الصادقة وسبيله توحيد الجهود والعمل الدؤوب.

وأخيرا، إن العنف يكون من جهات يئست من كل أمل في تحقيق العدالة الإنسانية، ومهمتنا إعادة هذا الأمل للنفوس والعمل على تحقيقه.