لقد كانت دوما معضلة الحركة الطلابية في المغرب تكمن في تعامل الدولة معها بالمنطق الأمني السياسوي وباعتبارها مجال رهان سياسي مباشر، في حين أن استراتيجية البناء السليم أو إعادة بناء الحركة الطلابية عموما يجب أن تستند على ضرورة انخراطها في خدمة القضايا المصيرية والوجودية بما يوفر برامج عمل متكاملة ومنسجمة واقعيا ومستقبليا.

فقد لوحظ الهجوم العنيف على الأعمال الطلابية المنظمة في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، سواء منها الثقافية أو النقابية، مصحوبا باعتقالات ومحاكمات ورفع الصفة الطلابية عن طريق مجالس الكليات بالإضافة إلى أشكال الترهيب والاستفزاز داخل أسوار الجامعة في حق أعضاء المؤسسات الطلابية. وبذلك تبين أن الدولة والنخبة المتحالفة معها تعتمد خطة متكاملة لتقويض عمل الطلبة الذي صار جرما يعاقب عليه، في حين أنه حق نقابي يضمنه الدستور والقوانين المنظمة بخلاف الإجراءات الإدارية والأمنية التي توبع بها الطلبة المضطهدون.

وهذه الخطة إذا ما استقريت معالمها يكتشف المراقب أنها مندرجة في إطار استراتيجية شاملة للإجهاز على حق الحرية النقابية الذي يضمن استقلالية العمل النقابي وحرمته بما هو وسيلة مهمة في تنمية الفضاء الجامعي وتقويته بحثا عن الشروط المناسبة لصناعة إمكانيات طلب العلم والقيام بالواجبات تجاه القضايا الوطنية والمصيرية. علما بأن حجم التضحيات الذي أسدته الحركة الطلابية مع ولادتها الجديدة منذ بدايات التسعينات إلى الآن يفوق بكثير حجم المكاسب التي تحققت، خاصة ما يتعلق بالجانب المادي منها، لكن قيمة هذه التضحيات في الحدود الدنيا لها تستمد من كونها كونت صرحا عنيدا وصورا عتيدا حال دون أن تصير الجامعة، وهي مجال بالغ الخطورة في حياة الأمم المعاصرة، أداة مخزنية كلية، بل من الوظائف الأساسية التي أنجزنها الحركة الطلابية بكل أجيالها صنعت ذلك الصرح الذي تكسرت عليه الخطط الأمنية والمشاريع الهادفة إلى تذويب الجامعة في بوثقة المسخ الممنهج والخنوع الدائم. إن ما حقق من مكاسب مادية يأخذ قيمته الاعتبارية في سياق هذا الواقع الذي تشتغل ضمنه الحركة الطلابية.

والحقيقة أن مشروع الدولة، بدمائها الجديدة المستندة على روح التوافق السياسي الذي أريد منه أن يكون ذا بعد تعاقدي مجتمعي إلا أن الأيام كشفت أنه مجرد إرادة تجدد آليات المخزن والمخزنة تفاديا لواقع الاختناق السياسي والمجتمعي العام، قد تزامن مع حقيقة شاخصة؛ وهي تراجع جل فصائل الحركة الطلابية عن اتخاذ المواقع المناسبة للدفاع عن الحقوق الجامعية والطلابية واكتفائها بالاختيارات السهلة التي تجعل من مباشرة القضايا الطلابية والجامعية على هامش الاهتمامات إن لم يتم إلغاؤها من “رزنامة” أعمالها إن كانت لها “رزنامة”.

نعم إن تعقد الواقع الطلابي والجامعي، لاعتبارات سياسية وتاريخية واجتماعية وغيرها ليس هنا مجال بسطها، يدفع إلى تبني مثل هذه الاختيارات، لكن الوعي بالمسؤولية التاريخية والمصيرية، كما الوعي بحقيقة الواقع المعيش وبتفاصيله وبما يراد للأمة في اللحظة، يدفع إلى تبني الاختيارات الصعبة مهما كان الثمن، لأن الثمرة عظيمة وإن لم تظهر لمن حجبه المنطق السياسي والتفكير الجزئي عن إدراك تلك العظمة.

لقد كانت دوما معضلة الحركة الطلابية في المغرب تكمن في تعامل الدولة معها بالمنطق الأمني السياسوي وباعتبارها مجال رهان سياسي مباشر، في حين أن استراتيجية البناء السليم أو إعادة بناء الحركة الطلابية عموما يجب أن تستند على ضرورة انخراطها في خدمة القضايا المصيرية والوجودية بما يوفر برامج عمل متكاملة ومنسجمة واقعيا ومستقبليا.

الحركة الطلابية بين ضياع القضية والخضوع الأمني.

من الواضح أن روح الإصلاح الجامعي تستمد قوتها من إرادة التحكم في الجامعة بما يخدم تنفيذ مضامين المشروع “الديموقراطي الحداثي” الذي حملت الدولة والنخبة المتحالفة معها العهد على نفسها بأن يصبح أصلا مجتمعيا. ومن هنا يستمد قوته في مواجهة باقي المشاريع خاصة منها المشروع الإسلامي. والمعلوم أن الجامعة من المجالات التي يفضي التحكم فيها كلية إلى التسريع بهذه العملية المحتاج إلى نتائجها في إطار ضبط العلاقات الداخلية والخارجية سياسيا واقتصاديا وثقافيا. ولذلك لا نستغرب من شراسة هجوم الدولة والنخبة المتحالفة معها هذه السنة دون مبررات معقولة وقانونية على أعمال الطلبة الذين يجدون فصيل طلبة العدل والإحسان هو المستهدف باعتباره المكون الذي صمد ويصمد من خلال هياكل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في وجه المخططات السلبية التي تستهدف الجامعة. وقد كان قدره أن يكون وحيدا.

لقد كانت التجربة القديمة في تاريخ الحركة الطلابية قبل الولادة الجديدة مع بدايات التسعينات تربط الحركة الطلابية مباشرة بالفعل السياسي سواء على مستوى التحليل أو العمل مما لم يساهم في فتح آفاق النظر البعيد ومعانقة القضايا الكبرى في مصير الأمة، بل قد أدى هذا إلى ضيق النفس وقزمية الموقف وقصور استراتيجي أدى إلى الشلل الكلي لجسم الحركة الطلابية لولا الولادة الجديدة التي قادها فصيل طلبة العدل والإحسان الذي زود الحركة الطلابية بروح أصلية صحح طبيعة ارتباطها بهموم الأمة الواقعية والمصيرية.

ومن ثم، فإن فصيل طلبة العدل والإحسان يتحمل اليوم مسؤولية عظيمة في اللحظة المعيشة حيث إنه مطالب بأن يجعل من الجامعة مجالا حيا في التجاوب مع حقيقة القضايا والمطالب التي يبنى عليها مستقبل العزة والقوة والحرية والاستقلال، فلا يكون الهاجس الأمني الطاغي على منطق الدولة مانعا من أن تعانق الحركة الطلابية قضاياها التعليمية والنقابية بما يخدم قضايا أمتها المصيرية وذلك على وضوح تام ومسؤولية شافية.

محاور اشتغال الحركة الطلابية

وبناء على هذا فإن الحركة الطلابية مطالبة بالاشتغال على المحاور التالية:

1-محور الاستمرار في بناء الذات الطلابية وتجديدها بناء على خطة تستند على التشاور الجامع والتعبئة الشاملة.

فمن طبيعة الحركة الطلابية أن تشتغل في إطار مؤسسات قانونية، وهو الاختيار الذي تشبت به فصيل طلبة العدل والإحسان انسجاما مع اختياره المبدئي المبني على الوضوح والمسؤولية، فعمل بناء على المقتضيات التنظيمية لآخر مؤتمر ناجح وهو المؤتمر السادس عشر التي لا تمنع من المرونة التي تحافظ على روح المؤسسات. لكن العمل المؤسساتي المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى لا يفترق تماما عن التعبئة الشاملة في صفوف الطلاب باعتماد الوسائل الراقية والمتطورة في الباب إذ من طبيعة العمل النقابي أن يتأسس على قاعدة الجماهير التي يعكس جوهر همومها في اللحظة الزمنية والتاريخية خدمة للمستقبل.

إن ضرورة التواصل والتعبئة تقتضي توظيف كل الطاقات الهيكلية والبشرية ميدانيا جمعا للجهود وربحا للوقت واستثمارا للكفاءات مع ضرورة اكتشاف الوسائل المناسبة لجعل قضايا الجامعة من صلب هموم الأمة ومحور اشتغال مؤسساتها المجتمعية في الوقت الذي تحرص الدولة والنخبة المتحالفة معا على جعلها في معزل عن الاهتمام اليومي وخاضعة لعلاقات فوقية ونخبوية ترهن الجامعة في إطار مصالح فئوية ضيقة.

2-محور المطالب النقابية والاجتماعية.

تقتضي اللحظة المعيشة أن تعكس الحركة الطلابية المطالب النقابية والاجتماعية للطلبة مع الوضعية التعليمية بالجامعة التي صار ضحيتها أجيال من الطلبة بالإضافة إلى الإخفاقات المصيرية التي تؤثر على مسيرة الأمة في النماء والرقي والاستفادة من كفاءات أبنائها وبناتها.

لقد بات من الضروري أن ترفع المطالب الطلابية بكل قوة وأن تأخذ مكانها في أولويات العمل شهادة على التاريخ وعلى الجهات المسؤولة وعلى كل المعنيين بالجامعة ليعلم الكل أن مصير أجيال من فلذات أكباد المواطنين مهددة بالضياع وكأنها معامل أرانب للتجارب. وليس المعتبر هنا أن تحقق تلك المطالب أم لم تتحقق، وأن تحسن وضعية الجامعة والطالب أم لم تتحسن لأن ذلك ليس بيد الحركة الطلابية اليوم، بل المطلوب إبرازها وإظهارها في الوقت الذي تجاهلها الجميع أو نسيها البعض، وذلك مع توظيف كل الطاقات للضغط لأجل تحقيقها بحسب إمكانات الذات الطلابية.

ومن المطالب الملحة اليوم إظهار أن منطق الإصلاح الجامعي الذي شرع في تنفيذه هذا الموسم يشكل منعطفا خطيرا في مسار الأمة وحقيقة تقدمها.

3-محور إشاعة ثقافة المسؤولية والوعي بضرورة الانخراط في خدمة القضايا المصيرية للأمة والإنسانية على قاعدة مشروع مجتمعي أصيل.

إن هذا المحور يشكل الأرضية الصلبة لباقي المحاور، ذلك أنه يرتبط بطبيعة الشخصية وبطبيعة تفكيرها ونظرتها للواقع والأشياء من حولها بما يمكن من تحديد الموقف والموقع لدى الفرد المرتبط بالجامعة ضمن مسيرته الفردية والجماعية.

لقد أرادت الدولة أن تصنع نفسية المنهزم والمغلوب لدى أفراد الجامعة انسجاما مع إرادتها في صياغة واقع جامعي يفرز “روبو إنساني” وهو ما يتعارض جوهريا مع إرادة الحرية والإبداع والابتكار خدمة لمستقبل عريض وأفق واسع يمتد عبر الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة.

وهنا تبرز نوعية القضايا التربوية والثقافية التي تؤطر عمل الحركة الطلابية في الباب، كما تبرز القيمة والكفاءة العلميتين للطالب ولإطار الجامعة عموما كما قيمة الدفاع عن المكتسبات والسعي لتحقيق الشروط المادية والنفسية لطلب العلم وبناء الفرد.

بقلم: مبارك الموساوي