أكثر الناس يكرهون الموت ويخافونه، وما كرهه الناس إلا لعدة أسباب، وتلك الأسباب تختلف من شخص لآخر، ومن بينها الثمانية التالية:

السبب الأول: الحياء من الله كحياء أم هارون.

قال أحمد أبي الحواري: قلت لأم هارون العابدة الدمشقية:

أتحبين الموت؟

قالت: لا

قلت: ولم؟

قالت: لو عصيت آدميا ما أحببت لقاءه فكيف أحب لقاء الله وقد عصيته؟

من (صفة الصفوة ج4 ص304)

السبب الثاني: الخشية الحادة من أن ينزل المرء منزلة تضره ولا تسره.

قال بعض أصحاب هذه الخشية:

وكيف تنام العين وهي قرير ولم تدر في أي المحلين تنـزل؟

قال سعيد بن أبي عطية:

لما حضر أبا عطية الموت جزع منه، فقالوا له:

أتجزع من الموت؟

فقال: مالي لا أجزع، فإنما هي ساعة، ثم لا أدري أين يسلك بي؟

من (الحلية ج5 ص 154)

لما حضرت أحمد بن خضرويه الوفاة، سئل عن مسألة فدمعت عيناه، وقال:

يابني باب كنت أدقه خمسا وتسعين سنة، هوذا يفتح الساعة لي، لا أدري أيفتح بالسعادة أو الشقاوة، فأنى لي أوان الجواب؟

من (رسالة الثبات عند الممات ص 62)

السبب الثالث: ضعف التزود من العمل الصالح، حتى فات زمن التدارك، وقامت العوائق، والله سبحانه قد قال فيمن هذا شأنهم: “وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربي لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون” (المنافقون 10/11).

وتحسر بعض الناس عند الموت، فقيل له: مابك؟

فقال ماظنكم بمن يقطع سفرا طويلا بلا زاد، ويسكن قبرا موحشا بلا مؤنس، ويقدم على حكم عدل بلا حجة.

من (الكشكول للعاملي ج1 ص 290)

السبب الرابع: الإسراف على النفس والغفلة عن محاسبتها، لأن الغفلة عن المحاسبة، والتسويف بالمتاب يفضيان إلى تراكم السيئات، حتى يذهل من تراكمها من ينتبه إليها.

كان الشيخ توبة بن الصمة من الطيبين، وكان محاسبا لنفسه في أكثر أوقات ليله ونهاره، فحسب يوما ما مضى من عمره، فغذا هو ستون سنة، فحسب أيامها، فكانت إحدى وعشرين ألف يوم وخمسمائة يوم فقال: ياويلتا، ألقى مالكي بإحدى وعشرين ألف ذنب ثم صعق صعقة كانت فيها وفاته.( وهذا بحساب ذنب واحد فقط في اليوم الواحد).

من (الكشكول للعاملي ج2 ص 337)

السبب الخامس: تعلق المرء بالدنيا أو بشيء معين منها تعلقا شديدا مع تيقنه أن الموت سيحول- حتما – بينه وبين التمتع بما تعلق به شديد التعلق.

روى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء القارئ النحوي أنه قال:

بينما أنا ذات يوم – أحسبه قال في ضيعتي- سمعت قائلا يقول:

وإن امرءا دنياه أكبر همه لمستمسك منها بحبل غرور

فكتبت هذا البيت على فص خاتمي فكان نقشه هذا.

من (كتاب طبقات النحويين واللغويين)

السبب السادس: الشك في إحياء الموتى وبعث الخلق للحساب والجزاء.

فمن الناس من يكون أحدهم شاكا في البعث فيرى أن الموت ربما يكون عدما محضا، وربما يكون البعث بعد الموت حقيقة، ومن هنا يكون كارها للموت على كل حال.

إن هذا المتردد في الإيمان باليوم الآخر لايكون من المِؤمنين، إذ أنه ليس على يقين من لقاء ربه، وفي هذا الصنف من الناس يقول الله تعالى: “وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لاريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين، وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون” (الجاثية 32/33).

ومن الناس من يكون ضعيف الإيمان جدا، فيتصرف تصرف الشاك المستبعد للقاء ربه، فإذا قام بعمل صالح يقوم به على ما تقتضيه العادة، أو على وجه المفاخرة أو حب الثناء عليه من الناس، أو نحو هذه المقاصد ولا يريد وجه الله بما يصدر عنه من عمل صالح، فإذا حل به الموت واجه الحقيقة واغتم لتفريطه.

السبب السابع: يقين بعض الناس يقينا جازما بأن الموت عدم تام، فلا بعث للخلق بعد الموت، وأن كل المتع ستفوته بالموت، فيحرم منها نهائيا، فهذا لايحيا إلا على كره دائم للموت، ويعيش مذعورا من كل سبب يفضي إلى الموت، وخصوصا إذا كان من المنغمسين في إحدى ملذات الحياة، أو في العديد منها.

السبب الثامن: رؤية بعض الناس لمن حضرهم الموت وهم في حال نزع شديد، فيشاهدونهم يعالجون سكرات الموت معالجة أعظم من أن توصف، فيشتد فزع المشاهدين للمحتضرين، ويتمكن منهم الخوف والكره لمصير محتوم، وياليتهم يأخذون منهم العبرة، فيستعدون له بالعمل الصالح أحسن استعداد.

تلك هي أكثر الأسباب التي من أجلها يكره الناس الموت، غير أن من الناس من ينظرون إلى الموت نظرة لا تتسم بالكره، فقد قال بعض السلف:

ما من مؤمن إلا والموت خير له من الحياة، لأنه إذا كان محسنا فالله يقول: “وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون” (الشورى 36). وإن كان مسيئا فالموت يحجزه عن الاسترسال في المعاصي، والله سبحانه يقول: “هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون” (الجاثية 29).

روى الإمام أحمد عن محمود بن لبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اثنان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموت خير له من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب”.

وقال بعض الشعراء:

جزى الله عنا الموت خير جزائه أبـر بنـا من كل بـر وأرأف

يعجل تخليص النفوس من الأذى ويدني من الدار التي هي أشرف

وقيل لبعضهم: أطال الله بقاءك. فقال: بل عجل الله بي إلى رحمته.

ولعل من الناس من يظن أن كره الموت هوكره للقاء الله، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الظن من أذهان أمته حين قال: “من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه” – قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا نكره الموت يا رسول الله – قال صلى الله عليه وسلم: “ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه”.

رواه البخاري عن عبادة بن الصامت وغيره