قال الله تعالى ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ) الآية؛ فكفى بهذا حضا وتنبيها ودلالة وحجة على إلزام محبته ووجوب فرضها وعظم خطرها واستحقاقه لها ( إذ قرع تعالى من كان ماله وولده أحب إليه من الله ورسوله وأوعدهم بقوله تعالى ( فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله، حدثنا أبو علي الغساني الحافظ فيما أجازنيه وهو مما قرأته على غير واحد قال حدثنا سراج بن عبد الله القاضي حدثنا أبو محمد الأصيلي حدثنا محمد بن اسماعيل حدثنا يعقوب بن ابراهيم حدثنا ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ( قال: “لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين” وعن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه وعن أنس عنه ( “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لايحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار” وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي رسول الله ( لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبي فقال له النبي ( ” لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه” فقال عمر والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي فقال له رسول الله ( ” الآن ياعمر ” قال سهل من لم ير ولاية الرسول عليه في جميع الأحوال ويرى نفسه في ملكه ( لا يذوق حلاوة سنته لأن رسول الله ( قال “لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه” الحديث.

فصل في ثواب محبته صلى الله عليه وسلم

حدثنا أبو محمد بن عتاب بقرائتي عليه عن سالم بن أبي الجعد عن أنس رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي ٍ ( فقال متى الساعة يارسول الله؟ قال: ماأعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله قال: ” أنت مع من أحببت” وعن صفوان ابن قدامة هاجرت إلى النبي ٍ ( فأتيته فقلت: يارسول الله ناولني يدك أبايعك فناولني يده فقلت: يارسول الله إني أحبك قال ” المرء مع من أحب” وروى هذا اللفظ عن النبي ( عبد الله بن مسعود وأبو موسى وأنس وعن أبي ذر بمعناه وعن علي أن النبي ( أخذ بيد حسن وحسين فقال” من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة” وروي أن رجلا أتى النبي ( فقال يارسول الله لأنت أحب إلي من أهلي ومالي وإني لأذكرك فما أصبر حتى أجيئ فأنظر إليك وإني ذكرت موتي وموتك فعرفت أنك دخلت الجنة رفعت مع النبيئين وإن دخلتها لا أراك فأنزل الله تعالى ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) فدعا به فقرأها عليه. وفي حديث آخر كان رجل عند النبي ( ينظر إليه لايطرف فقال” مابالك؟” قال بأبي أنت وأمي أتمتع من النظر إليك فإذا كان يوم القيامة رفعك الله بتفضيله فأنزل الله الآية. وفي حديث أنس رضي الله عنه” من أحبني كان معي في الجنة”

فصل فيما روي عن السلف والأئمة

(من محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وشوقهم له)

عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ( قال” من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله” ومثله عن أبي ذر، وتقدم حديث عمر رضي الله عنه وقوله للنبي ( لأنت أحب إلي من نفسي وما تقدم عن الصحابة في مثله، وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه ما كان أحد أحب إلي من رسول الله ( ، وعن عبدة بنت خالد بن معدان قالت ماكان خالد يأوي إلى فراش إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول الله ( وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار يسميهم ويقول هم أصلي وفصلي وإليهم يحن قلبي طال شوقي إليهم فعجل رب قبضتي إليك حتى يغلبه النوم؛ وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال للنبي ( والذي بعثك بالحق لإسلام أبي طالب كان أقر لعيني من إسلامه – يعني اباه أبا قحافة- وذلك أن إسلام أبي طالب كان أقر لعينك، ونحوه عن عمر بن الخطاب قال للعباس رضي الله عنه أن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب لأن ذلك أحب إلى رسول الله ( ؛ وعن ابن اسحاق ان امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله (؛ فقالت مافعل رسول الله ( ؟ قالوا خيرا هو بحمد الله كما تحبين قالت ارنيه حتى أنظر إليه فلما رأته قالت كل مصيبة بعدك جلل؛ وسئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه كيف كان حبكم لرسول الله ( ؟ قال كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ؛ وعن زيد بن أسلم خرج عمر رضي الله عنه ليلة يحرس الناس فرأى مصباحا في بيت وإذا عجوز تنقش صوفا وتقول:

علـى محمد صلاة الأبــرار صلى عليه الطيبون الأخيار

قد كنت قواما بكا بالأسحـار ياليت شعري والمنايا أطوار

هل تجمعني وحبيبي الدار

تعني النبي ( ، فجلس عمر رضي الله عنه يبكي وفي الحكاية طول . وروي أن عبد الله بن عمر خدرت رجله فقيل له اذكر أحب الناس إليك يزل عنك فصاح يامحمداه فانتشرت، ولما احتضر بلال رضي الله عنه نادت امرأته: واحزناه فقال واضرباه غدا ألقى الأحبة محمدا وحزبه. يروى أن امرأة قالت لعائشة رضي الله عنها اكشفي لي قبر رسول الله ( فكشفته لها فبكت حتى ماتت؛ ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة من الحرم ليقتلوه قال له أبو سفيان بن حرب أنشدك الله يازيد أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وإني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا. وعن ابن عباس كانت المرأة إذا أتت النبي ( حلفها بالله ماخرجت من بغض زوج ولا رغبة بأرض عن أرض وما خرجت إلا حبا لله ورسوله؛ ووقف ابن عمر على ابن الزبير رضي الله عنهما بعد قتله فاستغفر له وقال كنت والله ما علمت صواما قواما تحب الله ورسوله.

فصل في علامة محبته صلى الله عليه وسلم

اعلم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته وإلا لم يكن صادقا في حبه وكان مدعيا فالصادق في حب النبي ( من تظهر علامة ذلك عليه وأولها: الاقتداء به واستعمال سنته واتباع أقواله وأفعاله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والتأدب بآدابه في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وشاهد هذا قوله تعالى(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) وإيثار ما شرعه وحض عليه على هوى نفسه وموافقة شهوته قال الله تعالى (الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولايجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وإسخاط العباد في رضى الله تعالى.

عن سعيد بن المسيب قال أنس بن مالك رضي الله عنه قال لي رسول الله ( ” يابني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل” ثم قال لي “يابني وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة” فمن اتصف بهذه الصفة فهو كامل المحبة لله ورسوله ومن خالفها في بعض هذه الامور فهو ناقص المحبة ولايخرج عن اسمها، ودليله قوله ( للذي حده في الخمر فلعنه بعضهم وقال ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي ( “لاتلعنه فإنه يحب الله ورسوله” ومن علامات محبة النبي ( كثرة ذكره له فمن أحب شيئا أكثر ذكره ومنها كثرة شوقه إلى لقائه فكل حبيب يحب لقاء حبيبه وفي حديث الأشعريين عند قدومهم المدينة أنهم كانوا يرتجزون:

غــدا نلق الأحبـة محمـدا وصحبــه

وتقدم قول بلال ومثله قال عمار قبل قتله وما ذكرناه من قصة خالد بن معدان.

ومن علاماته مع كثرة ذكره تعظيمه له وتوقيره عند ذكره وإظهار الخشوع والإنكسار مع سماع اسمه، قال اسحاق التجيي كان أصحاب النبي ( بعده لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا وكذلك كثير من التابعين منهم من يفعل ذلك محبة له وشوقا إليه، ومنهم من يفعله تهيبا وتوقيرا.

ومنها محبته لمن أحب النبي ( ومن هو بسببه من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار وعداوة من عاداهم وبغض من أبغضهم وسبهم فمن أحب شيئا أحب من يحب وقد قال ( في الحسن والحسين” اللهم إني أحبهما فأحبهما” وفي رواية في الحسن” اللهم إني أحبه فأحب من يحبه” وقال ” من أحبهما فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله ومن أبغضهما فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله” وقال ” الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه” وقال في فاطمة رضي الله عنها “أنها بضعة مني يغضبني ما أغضبها” وقال لعائشة في أسامة بن زيد ” أحبيه فإني أحبه”؛ وقال: “آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغضهم” وفي حديث ابن عمر” من أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم فبالحقيقة من أحب شيئا أحب كل شيء يحبه” وهذه سيرة السلف حتى في المباحات وشهوات النفس وقد قال أنس حين رأى النبي ( يتتبع الدباء من حوالي القصعة فما زلت أحب الدباء من يومئذ، وهذا الحسن بن علي وعبد الله بن العباس وابن جعفر أتوا سلمى وسألوها أن تصنع لهم طعاما مما كان يعجب رسول الله ( وكان ابن عمر يلبس النعال السبتية ويصبغ بالصفرة إذ رأى النبي ( يفعل نحو ذلك.

ومنها بغض من أبغض الله ورسوله ومعاداة من عاداه ومجانبة من خالف سنته وابتدع في دينه واستثقاله كل أمر يخالف شريعته قال الله تعالى (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) وهؤلاء أصحابه ( قد قتلوا أحباءهم وقاتلوا آباءهم وأبناءهم في مرضاته وقال له عبد الله بن عبد الله بن أبي: لو شئت لأتيتك برأسه يعني أباه. ومنها أن يحب القرآن الذي أتى به ( وهدى به واهتدى وتخلق به حتى قالت عائشة رضي الله عنها كان خلقه القرآن وحبه للقرآن تلاوته والعمل به وتفهمه ويحب سنته ويقف عند حدودها؛قال سهل بن عبد الله علامة حب الله حب القرآن وعلامةحب القرآن حب ( وعلامة حب النبي ( حب السنة وعلامة حب السنة حب الآخرة وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا وعلامة بغض الدنيا أن لايدخر منها إلا زادا وبلغة إلى الآخرة، وقال ابن مسعود لا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله. ومن علامات حبه للنبي ( شفقته على أمته ونصحه لهم وسعيه في مصالحهم ورفع المضار عنهم، كما كان ( بالمؤِمنين رؤوفا رحيما.

ومن علامات تمام محبته زهد مدعيها في الدنيا وإيثاره الفقر واتصافه به وقد قال ( لأبي سعيد الخدري: “إن الفقر إلى من يحبني منكم أسرع من السيل من أعلى الوادي أو الجبل إلى أسفله” وفي حديث عبد الله بن مغفل قال رجل للنبي ( يارسول الله إني أحبك فقال “انظر ما تقول ” قال والله إني أحبك- ثلاث مرات- قال ” إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا ” ثم ذكر نحو حديث أبي سعيد بمعناه .

فصل في معنى المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم وحقيقتها

اختلف الناس في تفسير محبة الله ومحبة النبي ( وكثرت عباراتهم في ذلك وليست ترجع بالحقيقة إلى اختلاف مقال ولكنها اختلاف أحوال فقال سفيان المحبة اتباع الرسول ( كأنه التفت إلى قوله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) الآية وقال بعضهم محبة الرسول ( اعتقاد نصرته والذب عن سنته والانقياد لها وهيبة مخالفته ؛ وقال بعضهم المحبة دوام الذكر للمحبوب؛ وقال آخر: إيثار المحبوب؛ وقال بعضهم المحبة مواطأة القلب لمراد الرب يحب ما أحب ويكره ماكره؛ وقال آخر: المحبة ميل القلب إلى موافق له وأكثر العبادات المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها وحقيقة المحبة الميل إلى مايوافق الإنسان وتكون موافقته له إما لاستلذاذه بإدراكه كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة والأطعمة والأشربة اللذيذة وأشباهها مما كل طبع سليم مائل إليها لموافقتها له، أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة شريفة كحب الصالحين والعلماء وأهل المعروف المأثور عنهم السير الجميلة والفعال الحسنة فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ التعصب بقوم لقوم والتشيع من أمة في آخرين ما يؤدي إلى الجلاء عن الأوطان وهتك الحرم واخترام النفوس أو يكون حبه إياه لموافقته له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه فقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها؛ فإذا تقرر لك هذا نظرت هذه الأسباب كلها في حقه ( فعلمت أنه ( جامع لهذه المعاني الثلاثة الموجبة للمحبة. أما جمال الصورة والظاهر وكمال الأخلاق والباطن فقد قررنا منها قبل فيما مر من الكتاب مالا يحتاج إلى زيادة. وأما إحسانه وإنعامه على أمته فكذلك قد مر منه في أوصاف الله تعالى له من رأفته بهم ورحمته لهم وهدايته إياهم وشفقته عليهم واستنقاذهم به من النار وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم ورحمة للعالمين ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ويتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم إلى صراط مستقيم، فأي إحسان أجل قدرا وأعظم خطرا من إحسانه إلى جميع المؤمنين، وأي إفضال أعم منفعة وأكثر فائدة من إنعامه على كافة المسلمين؟ إذ كان ذريعتهم إلى الهداية ومنقذهم من العماية وداعيهم إلى الفلاح والكرامة ووسيلتهم إلى ربهم وشفيعهم والمتكلم عنهم والشاهد لهم والموجب لهم البقاء الدائم والنعيم السرمد فقد استبان لك أنه ( مستوجب للمحبة الحقيقية شرعا بما قدمناه من صحيح الآثار وعادة وجبلة بما ذكرناه آنفا لإفاضته الإحسان وعمومه الإجمال؛ فإذا كان الإنسان يحب من منحه في الدنيا مرة أو مرتين معروفا أو استنقذه من هلكة أو مضرة مدة التأذي بها قليل منقطع فمن منحه لا يبيد من النعيم ووقاه مالا يفنى من عذاب الجحيم أولى بالحب؛ وإذا كان يحب بالطبع ملك لحسن سيرته أولحاكم لما يؤثر من قوام طريقته أو قاص بعيد الدار لما يشاد من علمه وكرم شيمته فمن جمع هذه الخصال على غاية مراتب الكمال أحق بالحب وأولى بالميل، وقد قال علي رضي الله عنه في صفته ( من ّرآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه وذكرنا عن بعض الصحابة أنه كان لا يصرف بصره عنه محبة فبه.