كلما أطل شهر ربيع الأول، استعد المسلمون لإحياء ذكرى ميلاد خير خلق الله، الذي أنار الوجود بجميل طلعته، صلى الله عليه وعلى آله، وتأتي هذه الذكرى، وجراحات المسلمين التي تنـزف، ينضاف إليها الجرح العراقي. فكيف ننعم بربيع يجدد ما خلق ويحيي ما مات؟ كيف تتحول الذكرى إلى حاد لأرواحنا على محبة النبي الكريم، ولأعمالنا على الاقتداء بالمبعوث رحمة للعالمين، وإحياء شرعة الحق المبين؟ يقول الحق سبحانه وتعالى معظما شأن نبيه: “إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتومنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ونسبحوه بكرة وأصيلا” (الفتح، 9).

حظي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بالرسالة وزاده فضلا أن جعله شاهدا ومبشرا ونذيرا، ونالت أمته شرفا يحملها رسالة الإسلام قال تعالى: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا” (البقرة، 142). لكن، وحتى تستحق الأمة هذا التكريم، لا بد لها من شروط تؤهلها لحمل الرسالة:

1. الإيمان بالله ورسوله: فالإيمان مرتبة في الدين فوق الإسلام ودون الإحسان. الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق كما أخبر الصادق المصدوق. الإيمان يتكامل فيؤهل صاحبه للعمل الجاد لخدمة الأمة ونصرة دين الله وتبليغ دعوة الحق. الإيمان بالله ورسوله عبودية لله ومناجاة وذكر، وعلم وعمل.

2. النصرة: نصرة نبي الرحمة بالتصديق به وتأييده وتجنب كل ما يؤديه منا وفعل ما يفرحه وحمل رسالته، هذه الرسالة المطلوب من الأمة حملها لن تبلغ كما أراد الله والأمة المسلمة تعيش تخلفا حضاريا في ذلة وتبعية، فنصرة دين الله تبدأ من العمل على بناء المشروع الإسلامي يضمن غدا مشرقا.

3. تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم: وهو إجلال وإكرام مصدره المحبة التي يستحقها عليه أفضل الصلاة والتسليم. فقد أكرمه الملك الوهاب بالصفات العلية والأخلاق الرضية “ولا حدود للتفاني في محبة الشخص الكريم على الله حتى يكون أحب إلينا من الناس أجمعين ومن أنفسنا” الإحسان 1 ص 178.

4. الذكر الكثير: فالتسبيح بكرة وأصيلا عنوان الذكر الكثير الذي يستغرق الوقت كله وليس تخصيصا لهذا الوقت. وأفضل الذكر قول لا إله إلا الله. والتسبيح تعظيم للمولى عز وجل، فيعظم في نفوسنا ما أعظمه الله. يقول السيد المرشد: “رجال ذاكرون رجال مجاهدون، قوم غافلون قوم قاعدون” المنهاج ص 53.

لكن من أين نبدأ لنحقق هذه الشروط؟

نبدأ من محبته عليه الصلاة والسلام، والطريق إلى محبته تبدأ بالصلاة الدائمة عليه وحب آل بيته وصحابته وحب المؤمنين الصادقين أولياء الله الذين يهتدون بهديه ويستنون بسنته.

فقد روى ابن ماجة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة. وإن أحدا لا يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها قال: قلت وبعد الموت؟ قال وبعد الموت إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.

اللهم صل على سيدنا محمد النبي وعلى أزواجه أمهات المومنين وذريته وأهل بيته كما صليت على سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد. نصلي عليه ونكثر لنحبه. فهو أهل للمحبة، فهو المحمد المحمود عند الله وملائكته ورسله. هو الرحمة المهداة للعالمين. حن له الجذع وسلم عليه الحجر والشجر، واشتكى له الجمل وظلله الغمام، عليه أفضل الصلاة والسلام. بل إنه عليه السلام يفيض محبة لأمته حيا وميتا، يفرح بما أصبنا ويستغفر الله لنا لما أخطأنا فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم. ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم.

فما أعظمه من نبي، وما أكرمه من قلب رحيم. ولقد صدق الله العظيم إذ يقول: “ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واسغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما” (النساء 64).

يا رسول الله، يا من روحه رفرافة بين جنباتنا، يا من يرى أعمالنا فيحمد الله أو يستغفر لنا، جئناك تائبين.. أتيناك بذلة المقصرين، استغفر لنا عجزنا عن نصرة إخوتنا المستضعفين في بقاع الأرض. يا ألله، يا رب الرسول محمد .. نسألك أن تهدينا سبل الرشاد وترد بأمتنا ردا جميلا، أزل اللهم عنا العجز والكسل وارفع هممنا وأيقظ اللهم عزائمنا لنقوم بواجبنا. اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وأعد علينا الذكرى والأمة في أحسن الأحوال. آمين.