1. مقدمة

2. قانون مكافحة الإرهاب بين نحلة الغالب ومصادر التشريع الرسمية

3. أضواء على الأصولية الأمريكية

4. ماذا يمثل المسلمون في نظر الأصولية الأمريكية؟

5. عناصر لبناء استراتيجية لدفع خطر الغزو التشريعي

6. تطوير خطاب الحقوقيين بالنظر لنحلة الغالب الجديد

7. خلاصة

* الجزء الأخير

5- عناصر لبناء استراتيجية لدفع خطر الغزو التشريعي

في زمن التشبث بعناصر المناعة المتمثلة في ديننا، و إبان فترة الشعور بمسئوليتنا في ترشيد البشرية، قام العلماء الربانيون بدور نبيل مشرف في تأطير المسلمين لصد الأخطار المحدقة بهم. ونذكر على سبيل المثال دور العلماء والفقهاء في إنقاذ الأمة لما حدق بها خطب الوهن و هددها غزو التتر والمغول والصليبيين في القرن السابع الهجري، لأن نفس الأخطار تحدق بنا تحت حكم القومية اللاييكية أو ما يسمونه في المشرق العلمانية العربية التي لم ينفعها تحالفها وتوسلها بالنصارى العفلقيين في دفع خطر الأمريكان على بغداد.

في القرون الأخيرة للعباسيين فشت عوارض الاستبداد والبغي والترف والفحشاء والتنكر للدين، تقريبا كالعلل التي ظهرت في زمننا. فتم بذلك توفير الظروف المواتية للغزو التتري على بغداد، تماما كما هي متوفرة الآن للغزو الأمريكي الذي يوشك أن يطال العراق (أكتب هذه السطور يوم الخميس 16 من شهر المحرم 1424 الموافق ليوم 20 مارس 2003 ، ولما يبق بعد على تهديد الرئيس الأمريكي سوى سويعات لكي يهجم على بغداد إن لم يستسلم صدام اللاييكي ويغادر الحكم… بل ها أنا ذا أسمع أن الأمريكان ضربوا بالصواريخ والطائرات حي أبي نواس في بغداد، وأطلقوا على العملية “استئصال الرأس” وفي الأمر عدة رموز: رمز حي المترفين في بغداد، ورمز أبي نواس الذي يدل على تمجيد فاحشة قوم لوط) فلا غرو أن تستدعي نفس الأسباب نفس الفتن والمحن بالنسبة لكل من عطل أحكام شريعتنا واستبد بالحكم بعيدا عن قواعد الشورى المفروضة في القرآن. )وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الإسراء:16)

يشاء الله تأديب حكام العالم الإسلامي و من تواطأ معهم في بغيهم ولم يتوبوا التوبة المنقذة، وكذلك يتم أمر نقمته في الظالمين بواسطة جنود لا نعلمها ) … كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) (المدثر:31)

ولكن الغالب في قضائه وقدره على أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم هو اللطف والنجاة والنصر على الأعداء. بمجرد ما يتم التأديب، يظهر الله بمنته من يكون سببا في الفتح المبين ونصرة دين سيد المرسلين. ولربما يهدي الله بسببهم الغزاة المعتدين، كما تم ذلك للعالم الرباني، وارث أسرار الرحمة في زمانه: الباخرزي الذي أسلم المغول والتتر على يديه.

فهل يصدق العقل أن التتر والمغول الذين ملأوا الدنيا رعبا وعتوا في الأرض فسادا انقلبوا بقدرة الله مسلمين مؤمنين وقد سرى نور ذكر الله في قلوبهم، وصاروا خداما لأولياء الله الوارثين لأسرار تغيير النفوس؟ نعم لقد حدث ذلك، وسيحدث كلما جدد أولياء الله الربانية في صفوف المؤمنين.

بعد انقلاب روحي عجيب أصبح التتر والمغول مبشرين وناشرين للرسالة المحمدية في أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ، تمتد من ضفاف الدانوب والفولكا في أوربا وروسيا وتضم سيبيريا و آسيا الوسطى والصين والهند، وكادوا ينقلونها إلى اليابان لولا قدر الله في عاصفة هوجاء حطمت سفن المغول المسلمين ورمت بها على شواطئ كوريا والصين …

من هم هؤلاء الذين يأتيهم الله من فضله في هداية خلقه بعد انتهاء عهد الرسل؟ أهم رجالات القومية العلمانية التي تدين بالنحلة البرغواطية الجديدة، دين اللادينية الفرنسية؟ أهم الذين والوا الصهاينة وعادوا علماء الإسلام وتنكروا لشريعة الإسلام وصاروا خولا لمشرعي التلمود؟ أهم هؤلاء الذين يحاولون تمرير قانون مكافحة الإرهاب لتمهيد الطريق أمام المسيح الدجال؟

جاء في كتاب سير أعلام النبلاء ج: 23 ص: 363 في الحديث عن سيرة الباخرزي: هو “الإمام القدوة شيخ خراسان سيف الدين أبو المعالي سعيد بن المطهر ابن سعيد بن علي القائدي الباخرزي نزيل بخارى كان إماما محدثا ورعا زاهدا تقيا أثريا منقطع القرين بعيد الصيت له وقع في القلوب ومهابة في النفوس.”

من علامات هؤلاء العظام أنهم في المشرق كما في المغرب، كلما حل بالأمة أمر عظيم وابتلاء عسير اجتمعوا مع الناس لقراءة القرآن وصحيح البخاري.

بعد الإشارة لشيوخ هذا الولي في علوم القرآن والفقه والحديث وعلوم أسرار جهاد النفس ولبس خرقة الزهد والتشمير على تربية الأمة وإعادتها لرشدها بعد زلزلتها، يقول: “قدم سيف الدين بخارى وقد احترقت وما بها موضع ينزل به، فتكلم بها وتجمع إليه الناس فقرأ لهم البخاري على جمال الدين عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي سنة اثنتين وعشرين وست مئة ثم أقام ووعظ وفسر.”

وبعد فترة البلوى بالمنح والمحن ومغالبة الحساد والمرجفين، تأتي مرحلة المؤيدات الربانية الباهرة متمثلة في آيات التمكين والقبول ليعم الخير وتستقيم أمور الأمة. يقول عن أحد زعماء التتر بعدما رآى الشيخ وكراماته: ” فأحب “يلواج” الشيخ ووضع بين يديه ألف دينار فما التفت إليها… إلى أن قال “ووقع خوف الباخرزي في قلوب الكفار فلم يخالفه أحد في شيء يريده. وكان”بايقوا” أخو “قآن” ظالما غاشما سفاكا، قتل أهل ترمذ حتى الدواب والطيور والتحق به كل مفسد فشغبوه على الباخرزي وقالوا ما جاء إليك، وهو يريد أن يصير خليفة. (لاحظ تهمة المرجفين “يريد أن يصير خليفة” إنها نفس التهمة التي يلفقها اللايكيون في صيغتها العصرية “استغلال الدين في السياسة”) فطلبه إلى سمرقند مقيدا فقال إني سأرى بعد هذا الذل عزا ( يرى بنور الله وهو الكشف عند أولياء الله). فلما قرب مات “بايقوا” فأطلقوا الشيخ، وأسلم على يده جماعة وزار قبر البخارى وجدد قبته وعلق عليها الستور والقناديل. فسأله أهل سمرقند أن يقيم عندهم فأقام أياما ورجع إلى بخارى وأسلم على يده أميرها وصار بوابا للشيخ فسماه الشيخ مؤمنا وعرف الشيخ بين التتار بألغ شيخ يعني الشيخ الكبير. وبذلك كان يعرفه “هولاكو”، وقد بعث إليه “بركة بن توشي بن جنكزخان” من سقسين رسولا ليأخذ له العهد بالإسلام. وكان أخوه “باتوا” كافرا ظلوما قد استولى على بلاد سقسين وبلغار وصقلاب وقفجاق إلى الدربند وكان لبركة أخ أصغر منه يقال له “بركة حر” وكان “باتوا” مع كفره يحب الشيخ فلما عرف أن أخاه “بركة خان” قد صار مريدا للشيخ فرح فاستأذنه في زيارة الشيخ فأذن له فسار من بلغار إلى جند ثم إلى أترار ثم أتى بخارى فجاء بعد العشاء في الثلوج فما استأذن إلى بكرة أي إلى الصبح، فحكى لي من لا يشك في قوله أن “بركة خان” قام تلك الليلة على الباب حتى أصبح، وكان يصلي في أثناء ذلك ثم دخل فقبل رجل الشيخ وصلى تحية البقعة فاعجب الشيخ ذلك وأسلم جماعة من أمرائه وأخذ الشيخ عليهم العهد وكتب له الأوراد والدعوات وأمره بالرجوع فلم تطب نفسه فقال إنك قصدتنا ومعك خلق كثير وما يعجبني أن تأمرهم بالانصراف لأني أشتهي أن تكون في سلطانك وكان عنده ستون زوجة فأمره باتخاذ أربع وفراق الباقيات ففعل ورجع وأظهر شعار الملة وأسلم معه جماعة وأخذوا في تعليم الفرض وارتحل إليه الأئمة”. انتهى كلام صاحب سير النبلاء وهم حقا وصدقا نبلاء بكل ما تتضمن الكلمة من معاني … الربانيون الوارثون لميراث المحبة، هم أجدر بمكافحة الإرهاب لأنهم يشفقون على البشرية جمعاء لا على شعب الله المختار فقط.

وكأني بقائل يقول: ماذا أراد بهذا الاقتباس الطويل مثلا؟

إننا كمسلمين ضد الإرهاب أيا كان نوعه ومصدره، لا نحتاج أن نرهب أحدا بقول أو فعل، لكي يعتنق ديننا، إذا أراد الله أن ينزل أمره وتعم الخلق رحمة رسالته، هيأ لها الأسباب القدرية والشرعية. لكن في المقابل، لا حاجة لنا بمن يملي علينا شرعته لأننا أصحاب كتاب يأمر بالعدل والإحسان …) وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ )(النحل: من الآية90) كتاب شريعة وربانية، مهمته تزكية النفس والتشريع للناس جميعا لينالوا سعادة الدارين، في ظل العمران الأخوي العادل.

ومن العبر الطريفة أن يكون العلامة الذكي والدبلوماسي العريق، ابن خلدون، من المساهمين كذلك في مكافحة إرهاب التتر، ومن الذين لقنوهم روائع ما امتاز به العمران الإسلامي من رحمة و حكمة.

يقول ابن خلدون في تاريخه المشهور عن اجتماعه بأحد زعماء التتر الذين لقيهم على مشارف دمشق: ” وكنت في العام الفارط توجهت صحبة الركاب السلطاني المصري إلى الشام عندما زحف الطَّطَر إليه من بلاد الروم والعراق، مع ملكهم تمر، واستولى على حلب وحماة وحمص وبعلبك، وخرّبها جميعاً، وعاثت عساكره فيها بما لم يسمع أشنع منه. ونهض السلطان في عساكره لاستنقاذها، وسبق إلى دمشق، وأقام في مقابلته نحواً من شهر؛ ثم قفل راجعا إلى مصر، وتخلف الكثير من أمرائه وقضاته، وكنت في المخلفين. وسمعت أن سلطانهم تمر سأل عني؛ فلم يسع إلا لقاؤه فخرجت إليه من دمشق، وحضرت مجلسه، وقابلني بخير، واقتضيت منه الأمان لأهل دمشق، وأقمت عنده خمسة وثلاثين يوما، أباكره وأراوجه ثم صرفني، وودعني على أحسن حال، ورجعت إلى مصر.” انتهى قول ابن خلدون.”

لقد اجتاح التتر بلاد المسلمين، وتحالفوا وتواطأوا مع الصليبيين للقضاء الأمة، لكن شاء الله أن يضع أسرار الرحمة والحكمة في طريقهم، فانقلبوا بنعمة الله حاملين للرسالة إلى آفاق رحبة لم تكن في الحسبان.

ونخلص لسؤال سوف يفهمه كل غيور على هذا الثغر الغربي من دار الإسلام: أليس الله بقادر على أن يرشح من بيننا في بلاد الأولياء هذه، من سيكون سبب الرحمة والحكمة، في طريق الغزاة الجدد، الأمريكان الذين هم في حاجة إلى من يحيي قلوبهم وهي رميم من جراء التزوير الصهيوني؟ سؤال سيراه البعض في غاية الشطح والتخريف وسيراه آخرون مرحلة من مراحل إقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، التي بشرنا بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيراه المنصفون من فضلاء النحل والملل الأخرى حلما مشروعا في عالم التشبث بالاستشرافات المستقبلية التي يستسقيها كل من معتقده. ولا بأس في هذا الصدد، تصحيحا لنبوءات الأصولية الأمريكية، من توضيح بعض الثوابت التي ينطلق منه المستشرف المستقبلي المسلم. ولنا كلام إن شاء الله في مقال آخر يحاول كشف ما تسرب للأصولية الأمريكية من تحريف في الاستشراف المستقبلي الذي يوجه سياسة العالم عندهم.

* إننا نؤمن أن كلما أوقد اليهود نارا للحرب أطفأها الله )وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة:64). وأن إرهاب الهولوكوست ليس من اختصاصنا، وإرهاب محاكم التفتيش ليس من ابتكارنا.

* نؤمن كذلك أن أعداء الأمة ولو كانوا في بأس التتر والمغول والصليبيين والصهاينة جميعا، لن يضرونا إلا أذى، تأديبا ربانيا رحيما غيورا لمن شهد لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة مصداقا لقوله تعالى: )لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) (آل عمران:111) .فكل من سولت له نفسه غزونا وطمس هويتنا وإلغاء شرعة كتابنا، فإنه سيفشل في مهمته لا محالة، ومختبر التاريخ مليء بالعبر لمن يعتبر.

* ونؤمن بأن السلم سيعم العالم في ظل قوانين آخر شرعة أنزلت للبشر. )هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:33)

)هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً) (الفتح:28)

ونكتفي بهذه النبوءات الثلاث التي لها علاقة مباشرة بموضوع قانون مكافحة الإرهاب الذي قد يخيل للبعض أننا ابتعدنا عنه.

نعم لقد تجنبنا معالجة الموضوع انطلاقا من المجال التقني الصرف الذي ينتقد من الداخل مقتضيات مشروع قانون مكافحة الإرهاب. ذلك ما قام به أهل الاختصاص بكل كفاءة ومهنية. ولن يفيد في شيء اجترار ما هو متداول من عيوب في شكل ومضمون القانون المملى.

رفضنا أن نقع في فخ النظرة الداخلية، يتيح لنا السبح بكل حرية في آفاق رحبة تنظر من بعيد في المكان والزمان للموضوع. وتلقي نظرة إشفاق على من سجن نفسه في الرقابة الذاتية خشية “القديسة اللاييكية” في حين أن صاحب النحلة الغالبة لا يتحرج من نبذها والتنكر لها.

5. تطوير خطاب الحقوقيين بالنظر لنحلة الغالب الجديد

كثير من المفكرين في المشرق العربي المتمكنين من اللغة الإنجليزية عاشروا الأمريكان في ديارهم وسبروا مكامن الضعف في سياستهم لأمور الدنيا والدين، وهو ما لم يتم للمثقفين المغاربة الذين تشبعوا بالثقافة اللادينية الفرنكفونية. إلا أن براعة المشارقة في تحليل الواقع الأمريكي قلما يتبعها وصفات علاجية في مستوى وصفات العلماء الربانيين الذين يغير الله بهم ما حل بخلقه. إنهم يرومون التقرب للأمريكان بالنصائح “العقلانية” التي يزينونها بالمرجعية اللادينية ويتقربون إليهم زلفى بالابتعاد عن الخطاب الديني …

فبينما لا يرى الخطاب السياسي الأمريكي أي حرج في ذكر الله والجنة والنار والموت … ترى كثيرا من العرب يحاولون إرضاءهم بتجنب الإشارة لدينهم وربهم ورسولهم. ومنهم من دعا إلى حذف سور القرآن الكريم التي تفضح جرائم اليهود في الماضي والحاضر والمستقبل، وتكشف تركيبة عقلهم العنصري الإرهابي، وتحريفهم للكتب المنزلة، ومحاولة إفسادهم للبشرية واستحمارها للركوب عليها.

وإنه لمن دواعي الحيرة أن يجرأ المرء على تحديد من هو الأقرب من الحق أهو ذلك الأمريكي الذي تراه دائما ينطق بكلمة الله أم ذلك المحسوب علينا الذي لا يتحرج من سب الدين والملة أو لا يعترف بوجوب الحكم بما أنزل الله…وهو يعلم ما جاء في كتاب الله الذي لا ينطق عن الهوى:

)وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) (المائدة:49)

)أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:50)

بل إن بوش الابن نفسه سعى لخطب ود الأمريكان لضرب العراق بعبارات دينية عامة، ومنها قوله المشهور بتقسيم العالم إلى “محور خير ومحور شر” على غرار ما ورد في بعض كتب الإنجيل. فأين الخير وأين الشر في الحقيقة عند بعض المنتسبين لنا الذين اتخذوا القديسة المذكورة ربا من دون الله أو من تجاوزها لعبادة الشيطان…

اعتبارا لكل ذلك هل يمكن لنا مناهضة الإملاء التشريعي الأمريكي بالمرجعية اللادينية؟

ستكون هناك دراسات تقنية وتحليلات نقدية واقتراحات عملية تنبني على مبادئها وتوصياتها المواقف المعارضة لقانون مكافحة الإرهاب. وأكيد سوف يبرز من بيننا من سينصحنا بالابتعاد عن الخطاب الديني في طرحنا ومعالجتنا للقضية. طموحنا أكبر من معالجة القضية … أن نكون مشرعين للعالم أجمع بمقتضبات آخر شرعة ناسخة لما جاء في الصحف الأولى.

ثم أن الأمريكان أنفسهم يرون أن هؤلاء “العقلانيين العرب ” – بين مزدوجتين – ينظرون للأشياء بعقلية متحجرة تتشبث بالمرجعية الثقافية اللاييكية الكاثوليكية ، التي استطاعت استيعاب اليسار واليمين واحتوائهم كوجهين لعملة واحدة.

فهذه العقلية التي لم تحقق أي نجاح في مناهضتها للتبعية الفرنسية، كيف لها أن تفيد في معالجة قضايا الوافد الجديد، الذي لا يتحرج من مرجعيته وخطابه الأصولي الإنجيلى.

إنهم يتحرون الخطاب “العقلاني الموضوعي” المنمق المهذب. واقتراحات الحلول تأتي كذلك على قياس ما يستحسنه الخصم من دعة وسكون للتطبيع مع المذلة والهوان. ويراهنون على حصان خاسر خاصة عندما يحاولون جر المحاور الأمريكي لينطلق معهم من المرجعية اللاييكية الفرنسية التي استبطنها وعيه دون أن يشعر بأنها نحلة الغالب الفرنسي القديم. بل تبلغ الجرأة بهم عندما يعتبرون كل من لا ينطلق من مسلماتهم مريضا على حافة الهلاك. يقول أحدهم:

إن أكبر مظاهر ضعف ذلك النظام ( النظام الأمريكي)تكمن في داخله … عناصر ذلك الضعف في تكمن في النقاط التالية:

أولاً: قبول دخول الأصوليين المسيحيين ميدان السياسة والمشاركة في الحكم ممّا أدّى في عهد الرئيس بوش إلى تسرّب الاعتبارات الأيديولوجية إلى عملية صنع القرار الأمريكي وأثّر على مسلك القادة الأمريكيين وأفقدهم النظرة الموضوعية للأشياء بعد أن أصبح حكمهم عليها يتقرّر بمنطق غريب مفاده أنَّ من ليس معنا فهو في معسكر الشر.

ثانياً: تراجع إعمال العقل والتفكير تحت تأثير التحالفات الجديدة مع تيار الأصولية المسيحية الأمريكية بحيث أصبح من المقبول غض الطرف عن المصالح الأمريكية في العالم العربي وقبول احتلال إسرائيل للأرض الفلسطينية والتغاضي عن كلّ جرائم الحرب التي ارتكبتها في حقّ الشعب الفلسطيني … وتنافس أعضاء الكونجرس على تأييد الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان والقانون الدولي.

ثالثاً: تراجع النظام الأخلاقي الإنساني الذي نشأت في ظلّه الحضارة الغربية والذي كان يعتمد على أنَّ خلاص الإنسان يكون عن طريق الصدق والاستقامة في العمل على أساس أنَّ الثواب والعقاب مرهون بمسلك الفرد ودرجة إتقانه للعمل وما يقدّمه للمجتمع. وحلَّ بدلاً من ذلك النظام رؤية أصولية …

ونعلق على المفكر الفاضل قائلين هل موقفك الرافض أن يكون الإسلام معيارا للقيم والأخلاق و أساسا للتشريع تريد أن تفرضه على من اختار أن يكون دينه هو المنطلق لكل ذلك؟ أأنت أدرى من بوش بمن سيبلغه للفوز في الانتخابات؟

ولا نريد المضي أكثر في مناقشة منهجية هذا المفكر الفاضل. نريد فقط تحذير الذين يحذون حذوه في مجادلة الأمريكان، من الفشل الذي ينتظرهم. فهم لا محالة يأتون بسلعة كاسدة لا حاجة للأمريكان بها.

حاجة الأمريكان أن نتواصل معهم على أساس الإيمان بخالق الخلق، وألا نشرك به أحدا:

)قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:64)

)وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت:46)

ونستدرجهم بلطف لتصحيح عقيدتهم التي أفسدها التحريف التلمودي والإرهاب الصهيوني:

)فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ …) (المائدة:13)

)إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة:174)

فإن سلك هذا الباحث مسلك عدم كتمان الحق ولم ير أي حرج في الصدع به، فلربما ينال حظوظ الدنيا والآخرة كما كان حظ علمائنا وخبرائنا الأوائل رحمة الله عليهم. وإن اختار إنفاق رأس مال العمر في النضال تحت راية القومية اللاييكية، فهجرته إلى ما هاجر إليه. فقط ندعوه للاتعاظ، “فإن الذكرى تنفع المؤمنين” بآية تداعي أصنام هذه النحلة في العراق الشقيق.

6. خلاصة

بإلقائها الضوء من زاوية أخرى على مشروع قانون مكافحة الإرهاب، تطمح هذه الدراسة تعزيز الدراسات النقدية المجودة وإثرائها بنظرة متميزة. تحاشت الدراسة معالجة الموضوع انطلاقا من المجال التقني الصرف الذي ينتقد من الداخل مقتضيات ذلك القانون، مخافة تكرار ما قام به أهل الاختصاص. وأبرزت الدراسة عدة أفكار، من شأنها إعطاء عملية دفع خطر الغزو التشريعي الخارجي أبعادا استراتيجية رحبة. ويمكن تلخيص هذه الأفكار في النقط التالية:

1- إشكالية مشروعية هذا القانون، بالنظر لمصدر التشريع المتفق عليه في بلدنا.

2- تواتر انتهاك المشروعية باعتماد مصادر دخيلة للتشريع نتج عنه تراكم تشريعي هجين يتوسع على حساب الرقعة المتآكلة المتروكة للشريعة الإسلامية التي تدين بها الأمة.( مرجعية اللاييكيية الكاثلوكية، مرجعية القانون الدولي، مرجعية الأصولية الأمريكية …)

3- اعتماد الأصولية الأمريكية كمصدر من مصادر التشريع يهددنا بخطر تسرب التحريف الذي طال التوراة والإنجيل، إلى تشريعاتنا.

4- لا يمكن مكافحة الإرهاب بعقيدة محرقة “هرمجدون” التي تقوم على الحروب المدمرة والتوسع على أراضي الغير والرعب في أقصى معانيه.

5- مناقشة عناصر لبناء استراتيجية لدفع خطر الغزو التشريعي، في ظل العمران الأخوي العادل.

6- ضرورة تطوير خطاب الحقوقيين المغاربة، بالنظر لنحلة الغالب الجديد، الذي لا يعترف بالمرجعية الثقافية اللاييكية الكاثوليكية.