متى كانت الأحزاب كنائس؟ متى كان الزعماء قساوسة يكفرون هذا ويمدون ذلك بصكوك الغفران؟

وإذن، فلا لمحاكم التفتيش التي تريد أن تنقب في النيات والسرائر والضمائر، لتكتشف ما تريد، ولتقول لكل أصولي: أنت إرهابي ولو طارت معزة..

وإذن فلا لمطاردة الساحرات التي يقوم بها هؤلاء الذين يتحركون بجلابيب الرهبان وشاشيات المخزن.

وإذن فلا لهذا الإرهاب الفكري الأعمى الذي يريد الإجهاز على الحريات والسلوكيات الفردية، فرضا على من اختارت التحجب، خلع الحجاب، ومن اختار الالتحاء، قص اللحية.

إن إقصاء قوة سياسية تتحرك في إطار القانون والمؤسسات ليس خطأ ولا غلطة، ولكنه جريمة، لأن عواقبها أقبح من الجريمة ذاتها، إنها تعني الدفع بالقوة المذكورة للبحث عن أساليب أخرى للتعبير عن وجودها وطموحها، كما حدث في البلد الشقيق المجاور.

إنها الحسابات السياسيوية الرخيصة لأولئك الذين، تشبتا بمقاعدهم، لا يهمهم أن تقود مواقفهم إلى حرب أهلية. إن الأمر يثير السخرية، كأن سياسويينا لا يعلمون أن الطريدة أصبحت تملك حسا نقديا متميزا، يجعلها ترى العواطف الوطنية المتدفقة لا دموع تماسيح وكفى، ولكن دموع ضياع.

إنهم يقولون:” الأصوليون جميعهم كيفكيف وليس في القنافذ أملس” . والحقيقة أن الثعابين، وهي الملساء بامتياز، يزعجها أن القنافذ ليست كذلك حتى يسهل ابتلاعها.

لا أملك أدنى تعاطف مع الإسلاميين، لكن ما الحيلة والديمقراطية تقول إذا انتصروا غدا في الانتخابات، فليحكموا، وليشرب السياسيون ومعهم أمريكا البحر. إن الديمقراطية لا تشيد قفزا على أول فرصة للإيقاع بالخصم وجندلته.. الديمقراطية لا تنتظر إشارة ضوئية من قوة أجنبية.

المثقفون الأمريكيون، في بيان لهم عقب 11 شتنبر، يعرفون الأصولية بكونها” الالتزام الحرفي بالنص الديني ورفض استدعاء العقل، واعتبار من يخرج عن هذا التوجه كافرا يستحق القتل، وإذن فالأصولية ملازمة لفعل القتل”، وما رد السادة المفكرين لو قلنا لهم إنه خارج هذا التحديد الجهنمي بحمولته الماكارتية، وخارج بعض المسعورين المهتاجين الظلاميين، فهناك أصوليون متسامحون كرام، يحترمون قناعات الغير، ويتحركون في إطار القوانين السارية في بلدانهم ويملكون تأويلا للنص الديني يمضي في اتجاه الديمقراطية، ويعتبرون أن من قتل نفسا بريئة، فقد قتل الناس جميعا؟

ماذا لو قلنا لهم إن هذا التحديد البليد لا يملك إلا نتيجة منطقية، وهي نصب المشنقة لكل ذي لحية وكل ذات حجاب؟

إن أقبح المفكرين أدعياء الفكر، الذين لا يرون أبعد من أرنبة أنوفهم.

تقول الديمقراطية: إذا شاء أحدهم أن ينصب نفسه كهنوتا ويستعمل الدين سجلا تجاريا في الفضاء السياسي، فذلك من حقه، مادام ينشط في إطار القانون، لكن الذي يستعمل الإسلام وسيلة لشرعنة الإرهاب قتلا ودما، ذاك وحده المجرم، ذاك وحده تتعقبه العدالة، لا انتقاما، ولكن محاكمة مع كل الضمانات المخولة قانونا.

أوليس إغراق السمكة في نفس المستنقع الإجرامي، عندما يقل لنا إن ما وقع بالمغرب تعبير عن ظاهرة أصولية إرهابية عالمية؟ هذا ليس صحيحا البتة. ما وقع بأمريكا في 11 شتنبر عمل إرهابي أصولي. ما وقع بالسعودية قد يجد تبريرا له في كونه يستهدف ترحيل الأمريكيين المحتلين عن أرض يعتبرها أهلها، وهذا حقهم، مقدسة. ما يقع بالأرض المحتلة مقاومة شريفة تستهدف الإرهاب الحق، إرهاب الأبارتيد الإسرائيلي. ما وقع بالمغرب هو إرهاب إجرامي، لأنه فعل همجي حيواني لا يملك أدنى مبرر، لكن القول إنه ظاهرة أصولية، يناقش.

إن البعد الأصولي في هذا العمل الإرهابي ليس إلا طلاء، والتسمية التي تنطبق عليه كل الانطباق، هي القول إنه ظاهرة كاريانية. إنه السرطان الكارياني يتضخم غددا، فتتفجر حقدا وجهلا في المدينة.

غداة الأحداث الأليمة، كتبت صحيفة ” لوموند” افتتاحية غريبة لا علاقة لها بالفن الصحفي، لكنها مجموعة أحكام قاطعة تتحدث عن: مغرب هش، ملكية إقطاعية، بلاد جد تقليدية، جد محافظة، وأخيرا، وهذا بيت القصيد، تشير إلى “الحزب الإسلامي هو أكبر قوة سياسية في البلاد” ومع هذا تأتي النصيحة الأبوية الديمقراطية المطالبة بتسريع وتيرة الإصلاحات، خارج الحزب المذكور.

الديمقراطية تقول: الإسراع بوتيرة الإصلاحات. نعم، لكن لا كما تريده هذه الرسالة المسمومة، بل عبر إدماج كل القوى الحية خارج الإقصاء، خارج الإرهاب الفكري، عبر إدماج القطاعات المهمشة مدينيا، وذلك بتمزيق حزام الفقر الذي يطوق المدينة، ليرمي خلف أضوائها هذا الإنسان المغربي الذي، عقودا عديدة، وضعوا أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا توجعه، حتى تملكتهم الدهشة وهم يكتشفونه ينجب أغوالا تنقض ذات مساء حزين على ” فرح” المدينة، كأنما لتذكيرهم بعار الكاريان حيث اللاتعليم، وعار الكاريان حيث اللاخبز، وعار الكاريان حيث اللاعمل، وعار الكاريان حيث الإنسان يقتات من المزابل، وعار الكاريان حيث الإنسان لايسكن، لا يعيش، لا ينمو، ولكنه يختبئ بين الشقوق كما الفئران.