ما وقع في العراق هو: حدث اعتداء على أمة، جزء من الأمة العربية وجزء من الأمة الإسلامية، اعتداء ظالم، اعتداء جائر، فكان لابد للأمة الإسلامية برمتها أن تقول: لا لهذا الاعتداء، خصوصاً وأن العالم قال لا، حتى في هذه الدول التي اعتدت على الشعب العراقي، في داخل هذه الدول كان صوتا عالياً وعالياً جداً يقول: لا، ويرفض

قدمت قناة الجزيرة القطرية يوم السبت 26 أبريل الماضي حلقة من برنامج “ما وراء الأحداث” حول موضوع “دور النخب العربية ومستقبلها”. وقد شارك في هذا البرنامج ذ. فتح الله أرسلان، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان والناطق الرسمي.

نورد هنا المحاور التي تحدث فيها ذ. أرسلان والتي كانت تهم أساسا موقف الحركات الإسلامية من الهجوم الأمريكي ومن نصرة الشعب العراقي، ومدى إمكانية النخب العربية في إحداث تغيير لواقع الأمة، ومستقبل المشروع الإسلامي السياسي ومدى ارتباط الأمة به.

الحركات الإسلامية بين نصرة الشعب العراقي ونصرة صدام حسين

غسان بن جدو: سيد فتح الله رسلان، باعتبارك تمثل حركة إسلامية، وحركة إسلامية معارضة ومعروفة، وهذه الحركة الإسلامية تقول أو ترفع شعار بأنها ضد الطاغوت وضد الاستبداد، أليس كذلك سيدي؟ طيب أنتم يعني من قِبَل عدد كبير من جماعات المعارضة العراقية، وحتى من كُتَّاب عراقيين ليس بالضرورة من جماعات المعارضة العراقية الذين كانوا.. يشعرون بألم كبير على ما يصيبهم بداخل العراق، يتَّهمونكم كحركات إسلامية بشكل صحيح بأنكم ساندتم ما يصفونه بالطاغوت، أليس في هذا تناقض؟ أنتم يعني تحاولون مكافحة ما تعتبرون طاغوتاً محلياً، ولكن في الوقت نفسه تنصرون طاغوتاً في منطقة أخرى؟

فتح الله أرسلان: بسم الله الرحمن الرحيم. أنا بدوري أقف وقفة ترحم على كل الشهداء الذين سقطوا ويسقطون، واليوم سقطوا شهداء في العراق وفي فلسطين، وفي كل البؤر، أنا أعتقد بأنه لا أحد يستطيع أن يقول بأن كل المظاهرات التي خرجت في الشارع العربي، والشارع الإسلامي، بل في الشارع العالمي، إنها كانت تقف مع نظام صدام، كل الشعارات التي كانت ترفع في هذه المظاهرات كانت تقف مع الشعب العراقي ومع الشعب الفلسطيني، مع الشعب وليس مع النظام، على اعتبار أن الكل كان يعرف بأن النظام في العراق هو نظام طاغوتي، نظام استبدادي، نظام قهر.. فالكل كان يفرِّق بين التضامن مع الشعب العراقي فيما يصيبه من محنة، وما..

غسان بن جدو: لا.. لا، لكن عملياً ما الذي حصل؟

يعني أنتم عبأتم الناس وحتى أرسلتم متطوعين كحركات إسلامية، ليس فقط عما تتحدث، أنا أتحدث عن المغرب، ولكن كحركات إسلامية كعلماء عبأتم الناس وأرسلتم متطوعين للقتال إلى جانب من؟

فتح الله أرسلان: أنا.. على كل حال نحن لم نبعث متطوعين للمشاركة، لكن الذي أريد أن أؤكده بهذا الصدد هو أن ما وقع في العراق هو: حدث اعتداء على أمة، جزء من الأمة العربية وجزء من الأمة الإسلامية، اعتداء ظالم، اعتداء جائر، فكان لابد للأمة الإسلامية برمتها أن تقول: لا لهذا الاعتداء، خصوصاً وأن العالم قال لا، حتى في هذه الدول التي اعتدت على الشعب العراقي، في داخل هذه الدول كان صوتا عالياً وعالياً جداً يقول: لا، ويرفض. فالمظاهرات والمسيرات والاحتجاجات التي خرجت خرجت لتؤكد شيئين اثنين، أولاً: أننا نرفض الظلم، ونرفض الاستكبار، ونرفض الاستعمار، وأننا نشعر بأنفسنا أمة واحدة، إذا اشتكى منها عضو تداعى لها سائر الجسد بالسهر والحمى، أنه رفض الظلم ورفض الاستبداد، نحن نرفض الاستبداد الموجود في العراق.

غسان بن جدو: والنقطة الثانية؟

فتح الله أرسلان: وفي دول أخرى عربية وإسلامية، لكن نرفض كذلك استبداد آخر أعظم منه وأعلى منه يأتي بأسلحته وبوزارته ليقتل ويهلك الحرث والنسل.

غسان بن جدو: سيد فتح الله، هذه المحطة كما قلت هي إحدى المحطات للمراجعة النقدية، الزلزال العراقي ليس بسيطاً -بلا شك- هناك من يعتبر بأن سقوط بغداد، نظام الرئيس صدام حسين هو سقوط ثانٍ أو ثالث، أو متكرر للنظام السياسي الذي ينبغي على الأيديولوجية القومية العربية، هل توافق هذا الرأي أم لا؟ هذا الذي سينسحب على بقية التيارات القومية في الساحة العربية.

فتح الله أرسلان: نعم، قبل ذلك أريد أن أشير إشارة فيما سبق هو أن ما وقع من مسيرات ومن احتجاجات ضد العدوان الأميركي على العراق، كما قلنا كان من طرف جميع الشعوب، سواء ما كانت عربية، أو غير عربية ضد هذا العدوان، وليس محبة في صدام ولا في نظام صدام، مسألة ثانية هو أن حتى إن كانت هناك بعض الأصوات عراقية، شاذة ترحب بالأميركان، فلابد وأن نرفض هذا الاستعمار، لأن المخطط الأميركي لن يقتصر على بغداد، ولن يقتصر على العراق، ولكن المخطط الذي وُضع لا يجعل من بغداد، من العراق إلا مرحلة لمراحل أخرى. فيما يتعلق بالنقطة الثانية، أنا أعتقد بأنه آن الأوان، بكل صدق، أن نقف، أن تقف الآن كل النخب داخل العالم العربي لكي تضع مراجعة صريحة مع الدرس بعد أن فشل بالفعل فشلاً ذريعاً.. فشلت كل الاختيارات التي تبنتها الأنظمة العربية بمختلف تلاوينها طيلة هذه المدة، وأنتجت استبداداً، ظلماً، فساداً، قهراً بغض النظر عن الأيديولوجيات التي كانت من ورائها، قومية، اشتراكية، كل هذه الأيديولوجيات أنتجت أنظمة، ومع الأسف لا أبرئ أي نظام من هذه الأنظمة، تعاني كل الأنظمة باختلاف الاختيارات التي كانت في المراحل السابقة اشتراكية أو قومية أو غيرها، الآن المفروض أن يقف الجميع، تقف النخب الآن بشجاعة حقيقية لمراجعة الدرس، ولكي تعترف -وأنا سرَّني الكلام الذي تفضل به قبيل قليل الأستاذ الدكتور علي، حينما قال بالفعل بأن القيادات البعثية أخطأت، القيادات القومية أخطأت حينما حاولت أن توظف هذا الاختيار البعثي أو الاختيار القومي لقمع.. وللقمع وللاضطهاد ولفرض الرأي الواحد، ولفرض الحزب الواحد، وما أنتجت إلا أوطاناً خربة، أوطاناً عرضة للابتزاز ولـ..

مدى إمكانية النخب العربية في إحداث تغيير لواقع الأمة

غسان بن جدو[مقاطعاً]: بكل صراحة هل تستطيع هذه الجبهة أن تفعل شيء، يعني أنتم ممنوعون سيدي.. هل..، أنتم ممنوعون من النشاط السياسي، من النشاط الحزبي هناك شخصيات حتى نحن هنا في بيروت دُعِيَت للمؤتمر العربي العام هنا، ولم تأت في مصر قيادات معروفة إلى آخره تُمنع من أي شيء يعني، يعني هل ترى بأن هذا الكلام الذي يتفضل به الدكتور علي واقعي، تستطيع أن تفعل شيء هذه الجبهة؟

فتح الله أرسلان: لابد أولاً من أن أعطي تفسيراً لما وقع، انطلاقاً مما أعتقده وما أراه، أنا أعتقد أن ما وقع هو يمكن أن أسميه سياط القدر الإلهي الذي نزل على الأمة عقاباً لها لما فرطت فيه من مقوماتها، من دينها، من عقيدتها، من كل ذلك، رسالة ربانية هي أن الله -سبحانه وتعالى- لا يحابي أحداً في سننه الكونية، وسنن الله تعالى الكونية هو الأخذ بالأسباب، الأخذ بالأسباب، نحن أمة تخلفت، نامت لم تأخذ بالأسباب الحقيقية، ثم جاءت نخبة في ظروف معينة، فاختارت للأمة اختيارات ليس منبعثاً من أصولها ومن دينها ومن مقوماتها وهُمِّشت الأمة، وتخاذلت وتخلت عن رسالتها الحقيقية، رسالة المعارضة رسالة الاحتجاج، رسالة رفض الظلم وإذن..

غسان بن جدو[مقاطعاً]: لماذا هذه رسالة الأمة؟ رسالة الأمة هي البناء، هي التنمية، وليست الاحتجاج والمعارضة فقط.. أليست هي البناء وتقديم شيء؟

فتح الله أرسلان: بالتأكيد.. بالتأكيد وقع.. وصل الآن الأمر إلى ما وقع إليه، أنا أعتقد إن ما وقع الآن الزلزال الذي وقع في العراق ويقع في فلسطين ولا يجب.. ألا ننسى فلسطين هي الأصل في كل ما وقع، أعتقد أن هذا الزلزال هو نقمة في طيها نعمة، لأن الآن الشارع العربي والأمة الإسلامية تحركت بالفعل بشكل كدنا نفقد منذ زمان الأمل في كل ذلك، الآن الأمة استيقظت وعلمت من خلال ما وقع أنها مستهدفة في دينها، ومستهدفة في أصولها، وأن.. مشكلتها ليست مشكلة نخبة وليست مشكلة تيار إسلامي ولا قومي ولا غير، لكن المشكلة مشكلة الجميع، مشكلتها يجب أن تتحرر من الظلم، يجب أن تتحرر من الاستبداد، يجب أن تبني نفسها بنفسها، يجب أن تخرج من هذا التقوقع على الذات، ومن الانسحاب..

غسان بن جدو[مقاطعاً]: طيب، يعني عملياً كيف يا سيدي. عملياً كيف؟ جسِّد للمشاهد كيف؟ تعمل انقلابات على الأنظمة؟ ثورات في الشارع، كيف؟

فتح الله أرسلان: حينما نتحدث عن كيف الآن، يمكن أن أتحدث على 3 مستويات، على الحكام وعلى النخب وعلى الشعوب، فكل فئة من هذه الفئات عليها مسؤوليات تقوم بها أو ستتجاوزها الأحداث، الحكام الآن لم يعد لهم أي مبرر للاستمرار في الاستبداد وفي الظلم وفي حكم شعوبها رغماً عن نفسها، فإما..

غسان بن جدو[مقاطعاً]: والنخب..

فتح الله أرسلان: نعم، النخب إما أن تكون في مستوى الحدث وتضع كما قلت مراجعة حقيقية، وتتجاوب مع نبض الشارع، اختيارات الشارع الآن ليس.. هي لا الاشتراكية ولا القومية ولا غير ذلك من الاختيارات. إن الذي يحرك الآن الشارع، والذي يدفع الناس لكي يذهبوا.. لكي يجاهدوا وليقاتلوا في العراق، وذهبوا قبل ذلك إلى أفغانستان ومستعدون للذهاب، الذي يحرك هذا هو العقيدة، فعلى هذه النخبة الآن..

غسان بن جدو[مقاطعاً]: أي عقيدة؟

فتح الله أرسلان: عقيدة الإسلام هي بالطبع فعلى النخبة أن لا تبقى خارج هذا التوجه الشعبي، وتوجه الأمة الآن برمتها وتختار اختيارات غير هذه الاختيارات.

مستقبل المشروع الإسلامي السياسي ومدى ارتباط الأمة به

غسان بن جدو: السيد فتح الله، أنت أشرت كثيراً أولاً عندما انطلقت من مراجعة نقدية حمَّلت الأيديولوجيات القومية والاشتراكية مسؤولية الفشل وقررت بأن الأفق يبدو أنه يبشر بأن المشروع الإسلامي هو الأكثر قبولاً لكن بعد ما حصل هذا الزلزال العراقي الذي حصل وإن كان هناك حديث عن تباشير للديمقراطية وبعض إصلاحات في العالم العربي ألا تعتقد بأن الأفق ينذر أيضاً بحملة قمعية شديدة ضد الحركات الإسلامية أم لا، هناك بالعكس محاولة لترويضها، وتدجينها واحتوائها وربما إدخالها في بوتقة الاعتدال ولِمَ لا؟ بدل هذا الكلام الذي يعتبره البعض أنه متشدد وراديكالي وربما صِدَامي أيضاً؟

فتح الله أرسلان: عقلاء العالم الآن حينما يقوِّمون الوضع الحالي ويتحدثون عن الاستراتيجية المستقبلية، الكل مجمع على أن المستقبل العالم الإسلامي هو للإسلاميين، وهذا يتأكد يوماً بعد يوم، فالآن أمام الأنظمة وأمام القوى العظمى خياران لا ثالث لهما، فإما أن يُفسح المجال لهذا الاختيار.. اختيار الأمة برمتها وليس اختيار فقط للحركة الإسلامية، الرجوع الآن إلى الإسلام وإلى الدين، هذا اختيار الأمة الآن ويجب أن لا نقف ضد اختيارها، فإما أن نختار.. إما أن نسير مع اختيار الأمة..

غسان بن جدو: وإما؟

فتح الله أرسلان: ونبحث عن التيارات المعتدلة حتى تكون مصالح الجميع محفوظة، مصالح الدول الإسلامية ومصالح الغرب الذي يخاف من الحركات الإسلامية على مصالحه فيكون هناك توازن.

غسان بن جدو: وإما.. وإما.. وإما؟

فتح الله أرسلان: وإما ستكون الكارثة، سنكون ضد.. ضد اختيار الأمة برمتها وستكون مصالح الجميع مهددة لا مصالح الأمة الإسلامية، و..

غسان بن جدو[مقاطعاً]: ما الذي يفسح لكم المجال؟ تقول لي ينبغي يفسح لنا المجال، ما الذي يفسح لكم المجال؟ لماذا يفسحون لكم في المجال؟

فتح الله أرسلان: لأ فسح المجال ليس للحركة الإسلامية فقط، لكن لاختيارات.. لاختيارات الأمة.. الأمة تختار.

غسان بن جدو[مقاطعاً]: غير الحركات الإسلامية لماذا.. لماذا يفسحون لكم؟ لا أحد يقدم لكم هبة يا سيدي الفاضل.

فتح الله أرسلان: كيف؟

غسان بن جدو: لا أحد يقدم لكم هبة.

فتح الله أرسلان: هذا بالتأكيد، ولذلك الآن الحركات الإسلامية هي رائدة وهي رائدة أو قائدة الآن لشعوبها، ولكن الآن بدأت الشعوب وخصوصاً انطلاقاً من الأحداث التي وقعت بدأت تعرف أن المشكلة ليست.. القضية ليست قضية الحركات الإسلامية، ولكن قضيتها هي، فإما أن تكون إما أن تنهض وإما أن تقاوم، وإما أن تكون في مستوى الحدث، وإما أن تنظر للمستقبل ليكون لها وجود ويكون لها كيان، وإما أن تتجاوزها الأحداث.