اعلم أن هذا أمر غامض، وقد وردت فيه آيات وأخبار متعارضة يلتبس طريق الجمع بينها إلا على سماسرة العلماء بالشرع. فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “عفى عن أمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تتكلم به أو تعمل به”، وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى يقول للحفظة: إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة لم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا”، وقد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين وهو دليل علىالعفو عن عمل القلب وهمه بالسيئة. وقد قال الله تعالى “ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا” (سورة الإسراء، الآية 36) فدل على أن عمل الفؤاد كعمل السمع والبصر فلا يعفى عنه قوله تعالى: “ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه” (سورة البقرة، الآية 283) وقوله تعالى: “لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم” (سورة البقرة، الآية 225) والحق عندنا في هذه المسألة لا يوقف عليه ما لم تقع الإحاطة بتفصيل أعمال القلوب من مبدأ ظهورها إلى أن يظهر العمل على الجوارح.

فنقول: أول ما يرد على القلب الخاطر، كما لو خطر له مثلا صورة امرأة وأنها وراء ظهره في الطريق لو التفت إليها لرآها.

والثاني: هيجان الرغبة إلى النظر وهو حركة الشهوة في الطبع وهذا يتولد من الخاطر الأول ونسميه ميل الطبع ويسمى الأول حديث النفس.

والثالث: حكم القلب بأن هذا ينبغي أن يفعل أي ينبغي أن ينظر إليها فإن الطبع إذا مال لم تنبعث الهمة والنية ما لم تندفع الصوارف، فإنه قد يمنعه حياء أوخوف من الالتفات وعدم هذه الصوارف ربما يكون بتأمل وهو على كل حال حكم من جهة العقل، ويسمى هذا اعتقادا وهو يتبع الخاطر والميل.

الرابع: تصميم العزم على الالتفات وجزم النية فيه وهذا ما نسميه هما بالفعل ونية وقصدا، وهذا الهم قد يكون له مبدأ ضعيف ولكن إذا أصغى القلب إلى الخاطر الأول حتى طالت مجاذبته للنفس تأكد هذا الهم وصار إرادة مجزومة، فإذا انجزمت الإرادة فربما يندم بعد الجزم فيترك العمل وربما يغفل بعارض فلا يعمل به ولا يلتفت إليه وربما يعوقه عائق فيتعذر عليه العمل.

فههنا أربع أحوال للقلب قبل العمل بالجارحة: الخاطر وهو حديث النفس، ثم الميل، ثم الاعتقاد، ثم الهم.

فنقول: أما الخاطر فلا يؤاخذ به لأنه لا يدخل تحت الاختيار وكذلك الميل وهيجان الشهوة لأنهما لا يدخلان أيضا تحت الاختيار، وهما المرادان بقوله صلى الله عليه وسلم: “عفي عن أمتي ما حدثت به نفوسها” فحديث النفس عبارة عن الخواطر التي تهجس في النفس ولا يتبعها عزم على الفعل، فأما الهم والعزم فلا يسمى حديث النفس، بل حديث النفس كما روي عن عثمان بن مظعون حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله نفسي تحدثني أن أطلق خولة، قال: “مهلا إن من سنتي النكاح” قال: نفسي تحدثني أن أجب نفسي، قال: “مهلا خصاء أمتي دؤوب الصيام” قال: نفسي تحدثني أن أترهب، قال: “مهلا رهبانية أمتي الجهاد والحج” قال: نفسي تحدثني أن أترك اللحم، قال: “مهلا فإني أحبه ولو أصبته لأكلته ولو سألت الله لأطعمنيه”، فهذه الخواطر التي ليس معها عزم على الفعل هي حديث النفس، ولذلك شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن معه عزم وهم بالفعل.

وأما الثالث: وهو الاعتقاد وحكم القلب بأنه ينبغي أن يفعل فهذا تردد بين أن يكون اضطرارا أو اختيارا، والأحوال تختلف فيه فالاختياري منه يؤاخذ به والاضطراري لا يؤاخذ به.

وأما الرابع؛ وهو الهم بالفعل؛ فإنه مؤاخذ به إلا أنه إن لم يفعل نظر فإن كان قد تركه خوفا من الله تعالى ندما على همه كتبت له حسنة لأن همه سيئة وامتناعه ومجاهدته نفسه حسنة، والهم على وفق الطبع مما يدل على تمام الغفلة عن الله تعالى، والامتناع بالمجاهدة على خلاف الطبع يحتاج إلى قوة عظيمة فجده في مخالفة الطبع هو العمل لله تعالى والعمل لله تعالى أشد من جده في موافقة الشيطان بموافقة الطبع فكتب له حسنة لأنه رجح جده في الامتناع وهمه به على همه بالفعل، وإن تعوق الفعل بعائق أوتركه بعذر لا خوفا من الله تعالى كتبت عليه سيئة، فإن همه فعل من القلب اختياري.

والدليل على هذا التفصيل ما روي في الصحيح مفصلا في لفظ الحديث. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قالت الملائكة عليهم السلام رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال: ارقبوه، فإن هو عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جرائي”، وحيث قال: فإن لم يعملها: أراد به تركها لله، فأما إذا عزم على فاحشة فتعذرت عليه بسبب أوغفلة فكيف تكتب له حسنة؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: “إنما يحشر الناس على نياتهم”، ونحن نعلم أن من عزم ليلا على أن يصبح ليقتل مسلما أو يزني بامرأة فمات تلك الليلة مات مصرا ويحشر على نيته وقد هم بسيئة ولم يعملها.

والدليل القاطع فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار” فقيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: “لأنه أراد قتل صاحبه”، وهذا نص في أنه صار بمجرد الإرادة من أهل النار مع أنه قتل مظلوما، فكيف يظن أن الله لا يؤاخذ بالنية والهم؟ بل كل هم دخل تحت اختيار العبد فهو مؤاخذ به إلا أن يكفره بحسنة، ونقض العزم بالندم حسنة فلذلك كتبت له حسنة، فأما فوت المراد بعائق فليس بحسنة. وأما الخواطر وحديث النفس هيجان الرغبة فكل ذلك لا يدخل تحت اختيار فالمؤاخذة به تكليف ما لا يطاق، ولذلك لما نزل قوله تعالى: “وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله” (سورة البقرة، الآية 284) جاء ناس من الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: كلفنا ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه ثم يحاسب بذلك فقال صلى الله عليه وسلم: “لعلكم تقولون كما قالت اليهود سمعنا وعصينا قولوا سمعنا وأطعنا فقالوا سمعنا وأطعنا”، فأنزل الله الفرج بعد سنة بقوله: “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” (سورة البقرة، الآية 286) فظهر به أن كل ما لا يدخل تحت الوسع من أعمال القلب هو الذي لا يؤاخذ به. فهذا هو كشف الغطاء عن هذا الالتباس. وكل من يظن أن كل ما يجري على القلب يسمى حديث النفس ولم يفرق بين هذه الأقسام الثلاثة فلا بد وأن يغلط وكيف لا يؤاخذ بأعمال القلب من الكبر والعجب والرياء والنفاق والحسد وجملة الخبائث من أعمال القلب؟ بل السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا؟ أي ما يدخل تحت الاختيار. فلو وقع البصر بغير اختيار على غير ذي محرم لم يؤاخذ به فإن أتبعها نظرة ثانية كان مؤاخذا به لأنه مختار فكذا خواطر القلب تجري هذا المجرى بل القلب أولى بمؤاخذته لأنه الأصل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “التقوى ههنا وأشار إلى القلب”، وقال: “البر ما اطمأن إليه القلب وإن أفتوك وأفتوك”، حتى إنا نقول إذا حكم القلب المفتى بإيجاب شيء وكان مخطئا فيه صار مثابا عليه بل من قد ظن أنه تطهر فعليه أن يصلي. فإن صلى ثم تذكر أنه لم يتوضأ كان له ثواب بفعله. فإن تذكر ثم تركه كان معاقبا عليه. ومن وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته لم يعص بوطئها وإن كانت أجنبية. فإن ظن أنها أجنبية ثم وطئها عصى بوطئها وإن كانت زوجته. وكل ذلك نظر إلى القلب دون الجوارح.