هدف التربية الإيمانية أن تخرج رجالا مجاهدين ونساء يشمرون عن أذيال الفضول، والمغريات وغرور الدنيا، والشيطان، والهوى، ويكشفون عن ساق الجد، ويغشون حلبة الأهوال، ويرقون مراقي الكمال.

المجاهد جهاد الدعوة، وزحف القومة، وتدبير الدولة، من استكمل أسباب القوة في دينه، والأمانة على مهمته. قال حجة الإسلام الغزالي في “الإحياء”: “وأعني بالقوي الذي لا تميله الدنيا، ولا يستفزه الطمع، ولا تأخذه في الله لومة لائم. وهم الذين سقط الخلق من أعينهم (يعني أنهم لايخافون الخلق ولا يراءون)، وزهدوا في الدنيا، وتبرموا بها، وبمخالطة الخلق (يعني المخالطة الملهية عن الله)، وقهروا أنفسهم، وملكوها، وقمعوا الشيطان فأيس منهم. فهؤلاء لا يحركهم إلا الحق، ولا يسكنهم إلا الحق”.

من وصفهم هكذا، من يملكون أنفسهم ولا تملكهم، يستطيعون وحدهم أن يتجردوا نفسيا عن واقع الفتنة، وأن يؤلفوا كيانا جماعيا مؤمنا يؤثر في الواقع المكروه ولا يتأثرون به. (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) “سورة المائدة، الآية: 54”.

وقبل تغيير المجتمع تغيير ما بأنفس الطليعة المجاهدة. ردع النفس المؤتمرة بأمر هواها حتى تقبل حكم الله، وتطيع شريعة الله، وتقلع عن السفساف لتتابع الروح في أشواقها إلى الله، وتطلعها لقرباه.

جهاد أكبر.

ثم الجهاد الأصغر، جهاد ما هو خارج الذات المؤمنة من منكر أصبح حقيقة منكرا عندها لا تحبه بل تكرهه، لا تساكنه في سلوكها بل تقمعه، ثم تلاحقه خارجها لا بقانون الغضب الطبعي لكن غيرة على دين الله.

إنه لا يتأتى أن يكون الناس سواسية في قابلياتهم لتملك النفس، وارتفاع المطمح، ونزاهة الوازع. في جماهير الناس قابليات للحقد والغضب الطبيعيين أكثر مما فيها من استعداد للتخلق بتلك الأخلاق السامية التي أحرزها من جاهدوا أنفسهم حتى أعطت المقادة من أمثال الغزالي.

وما من محيص أن يمتزج في القومة الإسلامية حوافز الغضب على الظلم مع حوافز الغضب لله. وإنما تكون قومة لا ثورة إن كان قادة الحركة ممن يقاربون القوة والأمانة، بمعنى قوة الإيمان وامتلاك النفس أن لا تجمح بنا فنفقد المبادرة الإرادية الموزونة بكتاب الله وسنته، ليبرز التصرف الغضبي المحطم. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الأمين في وصف القوي أشد ما يكون امتحان قوته. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس الشديد بالصرعة. إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب”. رواه الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة.