أكتب هذه السطور ليلة الأحد سادس عشر ربيع الأول سنة 1411 وقد مضى على غزو صدام حسين للكويت شهران وأيام. وحشود الأقوام الكافرين مخندقة في جزيرة العرب. لأول مرة في التاريخ يغزو الكفار جزيرة العرب.

تحدثنا في فصول هذا الباب عن الإرادة الذاتية والوزن الذاتي والقوة الاقتحامية للمسلمين وللإسلاميين المشرفين على تولي الحكم، وأوشكنا أن ندخل في الباب الثاني الذي نرى فيه كيف تصطدم إرادتنا بحقائق العالم الصلبة. تكون هذه الفقرة بمثابة المدخل المبكر لتلك المطالعة في صفحات العقبات الخارجية.

كشف غزو الزعيم القومي البعثي عن مَغْمَزِ الضعف في جنب المسلمين، وعن البطن الرخو في كيانهم:ألا وهو وجود أنظمة عاتية جبارة في سدة الحكم ببلاد المسلمين. وجها لوجه يقف المُلْكُ العاض ممثلا في سلاطين النفط والملك الجبريُّ ممثلا في الزعيم الجبار. وتحتشد جنود الغرب بزعامة أمريكـا لتنصر حلفاءها الدائمين بعد أن تنمر للغرب حليف الغرب إلى الأمس القريب.

كان صدام لثمان سنوات مخلب القط وحربة القتال التي وجهها العدو الكافر إلى صدر الثورة الإسلامية بإيران. أغدق على زعيم البعث الأسلحة الفتاكة بلا حساب، وأغدق عليه الإشارة، وفتح له خزائن الأسرار الصناعية حتى أتى على جهود المسلمين وسفك دماء مآت الآلاف من المسلمين.

وراودته أحلام الوحدة التي هي شعار البعث القومي،بل شطر من الشعار. سقط النصف الثاني (الاشتراكية) منذ هزيمة الزعيم الأول للقومية العربية عبد الناصر، ومنذ اندثار الاشتراكية في العالم منذ شهور، فلم يعد يجسر على ذكر الاشتراكية إلا عديمو الحياء من الأذناب في بلاد المسلمين.

تمسلم الزعيم البعثي في بعض أطوار حربه لإيران، ينعت الثورة وأصحابها بأنهم فرس يقاتلهم البطل العربي المسلم.وصلى في التلفزيون. وهو اليوم يفتتح “قادسيته” الثانية برفع شعـار العـدل، يُهيب بالمسلمين الفقراء أن ينهضوا لاستخلاص نفطهم من يد العدو،ويهيب بالمسلمين الغيارى على دينهم أن ينهضوا لمقاومة احتلال البقاع المقدسة رافعا شعار الجهاد.

لا نتقدم بين يدي القدَر الإلهي وما ندري ما يفعل الله عز وجل بعباده إذ أقام طاغية يقاتل طاغوتا. نتتلمذ للقدر وننتظر ما تسفر عنه معركة هي من أقوى وأعمق الهزات في تاريخ المسلمين الذين ذاقوا المذلة والهـوان على يد المستكبرين في الأرض، يتحالف مع المستكبرين أزلامُ الحكم العاض الجاثمين على الصدور الممتصين لدماء الأمة،اللاعبين بمقوماتها الحيوية، من أهمها النفط.

وحول النفط قامت هذه القيامة. طرح الزعيم العربي بكل قوة وشجاعة مسألة العدل بين المسلمين، ورافع أمام الرأي العام ضد أمراء العرب المستبدين بثروة هي حق لكل المسلمين. كلمة حق نطق بها عاشق للبطولة التاريخية، لا ينقص من صدقها كونُ من نطق بها بدد ثروة طائلة من عائدات نفط العراق في تجهيز جيش قُتل في صفوفه وأمام صفوفه مليون مسلم.

وإلى حماية منابع النفط جاءت أمريكا تسعى بخيلها ورَجْلها، ومعها دول العالم. هبت دُولُ العالم لتحمي القانون الدولي ولترد غزواً يخرق قاعدة من قواعد الاستقرار والأمن والسلام في العالم: هي قاعدة الإبقاء على الخريطة السياسية التي خطها الاستعمار كما هي.خطها لتلائم مصالح الاستعمار، ومن الخطة أن يتولى النفط أمراءُ سامعون مطيعون، هم مسخرة العالم ونادرة المجالس،ونموذج الفساد في الأرض.اهتزت المشاعر واضطربت العقول ووَجفت النفوس لَما طرح الزعيم العربي المسألة الجوهرية في حياة الاقتصاد العالمي: النفط. من له الحق في النفط؟ وما السعر العادل للنفط؟ ولِم يتحكم غيرُ أولي الحق في النفط؟

ظهور النفط في بلاد المسلمين آية من آيات الله العظمى في هذا العصر. في بلاد العرب وحدهم من المخزون المؤكد للنفط أزيدُ من ثلاثة أرباع موجوده في الأرض. إذا أضفنا نفط إيران ونفط الجمهوريات المسلمة فيما كان من قبلُ الاتحاد السوفياتي فقد تجاوزنا الثمانين بالمائة بكثير.

أن يكون النفط في اقتصاد هذا العصر بمثابة الروح من الجسد آية كونية فريدة. وأن يكون معظمُ مخزون النفط في العالم، لخمسة أجيال أو ستة مقبلة، والله أعلم، في بلاد المسلمين آية ابتلاء أعظم.

الصحوة الإسلامية على موعد مع انحسار الثورية، وبروز القانونية الدولية، وتهيُّئ العالم لنظام جديد بعد طول المواجهة بين العملاقين العالميين وبعد انتهاء الحرب الباردة بين روسيا في خراب وأمريكا أعتى ما كانت. فماذا يفعل المسلمون الصاحون بالنفط وحول النفط؟

إنها فرصة العمُر، فرصة الأجيال. طرحَ القدر الإلهي مسألة النفط بقوة قارعة على يد صدام، وأبرز على المسرح العالمي، مكشوفةً صارخةً، حقائق اللعبة السياسية التي تتدرع بالقانونية لتقول للمسلمين: النفط لنا ولحلفائنا الأمراء! فكيف يجيب الإسلاميون ذوو الإرادة والتوكل على الله العزيز الحكيم يوم يتولون السلطة؟ أيقومون في وجه العالم، وهم الضعفاء العُزْل، ويحاربون ليفرضوا الأسعار العادلة بعد أن يطردوا السـلاطين الخونة؟ أم يلتمسون في القانونية الدولية ظهيرا من خلفه يرعَوْن مصالحهم في تعايش وسلام؟

الصحوة الإسلامية على موعد مع عزمٍ مُبَيّتٍ من جانب الدولة العظمى الوحيدة الصائلة في المسرح بعد انهيار روسيا. الدولة العظمى زرعَت على مقرُبَةٍ من منابع النفط خفيرا مخلصا شرسا هو دولة إسرائيل. ما دولة إسرائيل في الحقيقة إلا امتداد للدولة العظمى. ومراهنتها على خفيرها وعلى الاحتلال المباشر الدائم أوثق عندها من حلفائها السلاطين.

بعد حرب رمضان سنة 1973 بتاريخهم وضع وزيرُ خارجية الولايات المتحدة اليهوديُّ كسنجر سياسة بموجبها تسلك الدولة العظمى أحد خيارين: إما تُحيِّد البترول وإما تحتل منابع البترول. كان شعار هذه السياسة “الزيت أو الطوفان!”. وأقر الكونغرس الأمريكي هذه السياسة.وعمل بالخيار الأول،خيار التحييد، بعد أن اغتال الملكَ فيصلاً رحمه الله.

فيصل الشخص المسلم تأثر بحرب رمضان، وجاش في نفسه ما جاش في نفوس الجند المصريين الذين قالوا “الله أكبر” فجالوا جولة مع اليهود ومَنْ وراء اليهود. وعمل فيصل على رفع أسعار النفط يحارب بما معه من سلاح. وكان السلاح ماضيا أحدث الأثر البالغ في اقتصاد المستكبرين.

فاغتالوا فيصلا رحمه الله، وذهب الشخص، وبقي النظام الوراثي رأسُ كل البلايا. وسَمَّى كسنجر جولة فيصل “الدرس الكبير”.

الآن بعد سبع عشرة سنة تطبق الدولة العظمى الخيار الثاني: احتلال منابع النفط. والأدهى في المسألة أن تخِفَّ إلى المكان مدعوّة “معزومة” مرغوبة، وأن تُدْفَعَ لها تعويضات أتعابها مسبقا. والمسكوت عنه أرباح الرأسمالية من “تحييد” النفط. التحييد بلغة اللعبة الاستكبارية يعني أن يتحكم المحتل في جسم النفط وأسعاره بما يخدم الاقتصاد السيد. السيد مع بروز اليابان؟

عادت إذا هجمة صدام بالعرب والمسلمين إلى مرحلة الاستعمار المباشر. استعمارٍ محسَّنٍ منقح تدفع فيه المصاريف للسيد على طبق نقي دون أن يلوث يده بعناء تسيير الأقوام المتخلفة المحتقرة، ودون أن تتعرض مصـالحه لنوبات الجنون التحررية التي فسح لها المجالَ أسلوبُ الاستعمـار الجديد الذي يعبئُ بعض الأقوام ضد بعض، فإذا بالبعض يتصنع ويتسلح ويبارز.

بالاحتلال المباشر يضمن الأمريكان مصالحهم النفطية وهم في فجوة من الملامة الدولية. بل وهم في فجوة ومناعة، لأنهم يقودون إرادة مجلس الأمن ويسيطرون على اللجنة الخماسية فيه التي لها حق النقض والإبرام. رأيُهم الرأي منذ أحنت روسيا الهام لتلتقط بعض فتات المائدة الرأسمالية.

هجمة صدام مكنت الأمريكان من عقد صفقات سلاح ما سبق لها مثيل مع سلاطين النفط. وهو أسلوب لانتـزاع أموال المسلمين لتكدس الأسلحة تأكلها الرمال ولا تستعمل أبدا ضد العدو الحقيقي للمسلمين.

الاحتلال المباشر مساهمة أمريكية جديدة في مجهود توطيد الكيان اليهودي بفلسطين. مجهود يوازن مجهودَ الروس الذين فتحوا أبواب النـزوح ليهودهم لتتكتَّل في فلسطين قوة تحلُم أن تستعيد خيبر ويثرب بعد أن تقيم دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

الحركة الإسلامية في كل هذا هي العدو، يجب تطويقه وإبادتُه. وتتعلم أمريكا من غوغائية البعثيين ومن سلامة طوية المسلمين أن نداء الجهاد هو النداء الذي يُحسَبُ حسابه. وهو الخطر المهدد.

دروس للطائفية الشيعية من حرب أولى سعَّـرها صدام ودبرها القدرُ لتعلمنا وإياهم أن عقيدتنا الوحدوية يجب أن تنسينا الخلاف الطائفي.ومواجهة ثانية بطلُها رغم أنفه صدامٌ ننتظر ما تسفر عنه وما يلقننا بها القدر من دروس. لنا مع الله عز وجل يقين واحد: هو أن العالم في مخاض لميلاد الإسلام الجديد. ولله ملك السماوات والأرض.