ثالثاً : ما بعد الحرب

لقد ذهبت الحرب بالكثير الكثير، لقد ذهبت بالشعارات الجوفاء التي طالما تحدث عنها هؤلاء الناس، والتي تتكلم عن الحريات وعن القوانين الدولية وعن حقوق الإنسان وعن العدالة والقيم الأخلاقية، فإذا بهذه الحرب تكشف عن الوجه الأسود الذي لا يمكن أن يستر أو يخفى !

دنيا ؟ لكم زوروا التاريخ والكتبا

أين الشعارات أين المالئون بها الد زهواً ولا المتـنبي مالئ حلبا

فلا خيول بني حمدان راكضة فيرجف القبر من زواره غضبا

وقبر خـالد في حمص تلامسه فإن أسيافنا قد أصبحت خشبا

يا ابن الوليد ألا سيف تؤجره لقد انكشف الزور وبانت هذه الشعارات التي طالما ضللت كثيراً من شباب الأمة

والعالم، فظنوا أن هذه الحضارة استثناء، وأنها لون ونمط من الحرية للبشر كلهم، وأنها تجردت عن كل المعاني الرديئة، فإذا بها تبين في أكلح وأقبح صورها :

عدوان على الآمنين .

استهداف للأبرياء .

تحدٍ للقوانين .

محاولة لمصادرة الحقيقة والقضاء عليها .

ولهذا انكشف أن الحرية الإعلامية المدعاة أو الحرية السياسية ليست إلا نوعاً من التسلط، وربما تكون أحياناً بقفازات ناعمة، ومظاهر جميلة، وعبارات معسولة تخفي وراءها ما تخفي.

الكل يعاني نوعاً من التسلط ، ربما في كثير من دول العالم الإسلامي تواجه الشعوب نوعاً من التسلط الواضح المكشوف، سواءً من تسلط الإعلام أو مصادرة الرأي والحرية ، لكن شعب الولايات المتحدة الأمريكية ربما يعاني نوعاً آخر من التسلط؛ بمحاولة غسيل عقول الناس وحجب الحقيقة عنهم والتأثير على إرادتهم بحيث يتقبلون هذه الأشياء بقناعة، فأنت تعمل ما تريد ما دمت تعمل ما نريد.

ذهبت هذه الحرب بالقوانين الدولية والمنظمات التي كان الحديث يتم حولها، وتبين أن ما يتحدثون عنه من استقلال الدول ما هو إلا هراء، فهذه دول مستقلة يتم العدوان عليها وغزوها لأغراض مختلفة، ويعتبر الذين يدافعون أو يقاومون خارجين عن القانون الدولي مخالفين للأنظمة، يتم اعتقالهم وأسرهم وقتلهم ومحاكمتهم وضربهم وتعذيبهم.

وقوانين الحرب التي تقتضي عدم العدوان على الأبرياء وعلى المؤسسات الإعلامية ذهبت في دوامة هذه الحرب العمياء الظالمة.

أدعياء الحرية في الولايات المتحدة الأمريكية يهاجمون الإسلام ونبيه -عليه الصلاة والسلام- ويتهمونه بالدموية والعنف والإرهاب، بينما نحن نتحدى أن يكون عدد القتلى في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- من المسلمين وغيرهم، يقاوم عدد القتلى في اليوم الواحد في هذه الحرب الظالمة، فضلاً عن ما قبلها من الحروب وما قد يكون بعدها.

ذهبت هذه الحرب بالحياد والاستقلال السياسي والثقافي والعسكري ، فالولايات المتحدة الأمريكية تحاول أن تفرض نفسها كسلطة عالمية بلا منازع ولا مقاوم ، ومن حقها الإجهاز على كل محاولات الاستقلال والتميز وتحصيل القوة .

ذهبت هذه الحرب بالنظام العربي الذي تبين من خلاله أنه نظام مكشوف عاجز غير قادر على المقاومة ولا الاستقلال بالقرار.

ذهبت هذه الحرب ربما بالإدارة الأمريكية التي انغمست في رمال متحركة لا تعرف إلى أين تودي بها ؟ ولعل الانتخابات القادمة تصدق هذا الظن أو تكذبه ، خصوصاً إذا لم تفتعل الإدارة مواجهة جديدة وتشغل الشارع بها!.

فهل جاءت هذه الحرب لهم بشيء ؟ نعم جاءت بمناطق نفوذ، ونفط وقوة كبيرة وهيبة في أماكن شتى من العالم، ففيما يتعلق بالنفط مثلاً فإن الشركات الأمريكية سوف تظفر بحصة الأسد بعلاقتها مع أي إدارة عراقية، وبدورها الأساس في الحرب، وسيكون لذلك فائدة إضافية وهي تدمير ما يسمى بمنظمة (أوبك)، أو تحجيمها عن أن تقوم بأي موقف فيه إضرار بالمصالح الأمريكية ، يقول المستشار الاقتصادي للرئيس الأمريكي : إن نجاح الحملة العسكرية على العراق سوف يصب في صالح الأعمال والشركات الأمريكية .

إن معنى تغيير النظام في العراق هو ضخ ما بين ثلاثة إلى خمسة ملايين برميل نفط يومياً بشكل إضافي إلى سوق النفط ، وربما بعد خمس سنوات يضخ عشرة ملايين برميل يومياً من النفط العراقي إلى أسواق العالم ، وسوف تكون حصة الأسد من ذلك للشركات الأجنبية.

ماذا ستفعل الحرب بوحدة العراق ؟

قد يتخوف الكثيرون أن تتحول العراق إلى دول، فدولة للأكراد ودولة للشيعة ودولة للسنة، وهذا لا يبعد أن يكون، ولو لم يكن بالاحتمال القوي ، إن العراق كدولة موحدة لا يتعلق وجوده بالرئيس ولا بالحزب الحاكم ، فالرئيس العراقي ليس هو( تيتو يوغسلافيا) الذي جمع رقعا متفرقة حتى تثور المخاوف من بعده حول وجود العراق من عدمها ، وحيال عدد من الحالات السابقة لم تظهر نزعات انفصالية جدية إلا عند الأكراد، الذين يشكلون حوالي 15 إلى 20% من الشعب العراقي ، ومع ذلك فإن الأكراد يفضلون نوعاً من العلاقة مع حكومة مركزية، نعم قد تعم الفوضى في المرحلة الانتقالية – كما يسمونها – خصوصاً مع مصالح الدول المجاورة التي لكل واحدة منها أجنده خاصة فيما يتعلق بالعراق أو بالجزء المتاخم لها، ويتضح هذا جلياً في إيران وتركيا وغيرها.

هل ستأتي الحرب بالديمقراطية ؟

تستطيع أمريكا أن تلون غزوها كما تشاء ، لكن هذا التلوين لا يعدو أن يكون ورقة التوت ليس أكثر، فالديمقراطية المزعومة هي ضرب من الخيال، ليس لأن العراقيين ألفوا الاستبداد مثلاً فهم غير قادرين على تجاوز هذا ، لكن لما قد يحدث من الفوضى أولاً ، وهذا متوقع ، بل نحن نراه اليوم في بغداد والبصرة والموصل وتكريت وفي غيرها من مدن العراق ؛ ولأن أمريكا جاءت لتبقى، وليس المهم عندها شكل الحكام، أو نوع الحكم، بقدر ما المهم هو ضمان ولاء المقيمين في بغداد لها ولمصالحها.

العراقيون وإن كانوا غير متعاطفين مع النظام السابق، إلا أنهم يكنون كرهاً أكبر لأمريكا، خصوصاً منذ أن فرضت عليهم الحصار على مدى أكثر من ثلاث عشرة سنة، وقتلت من أطفالهم ما يزيد عن مليوني طفل، بسبب الأمراض التي لا تجد لها شفاء .

إضافة إلى شعورهم الوطني المعروف ، فهم من أول من ثار على الاستعمار البريطاني .

تفيد التقارير الأمريكية أنه سوف يكون على أمريكا نشر ما يزيد على أكثر من خمسة وسبعين ألف جندي؛ للحفاظ على الاستقرار في العراق على مدى سنة كاملة على أقل تقدير، إضافة إلى الحاجة الماسة إلى وجود خمسة آلاف جندي على مدى خمس سنوات في العراق ، دعك من اتفاقيات الدفاع المشترك أو الحماية !.

إذاً الديمقراطية نموذج هش يمكن أن يوجد منها في العراق ما هو مفصل على وفق المصالح الأمريكية، مما يحقق للناس بعض الحرية الشخصية، وما يحقق لهم المتعة العابرة وقدراً من المشاركة يضمن استقرار البلد ليس أكثر .