ماذا يعني أن تختار المرأة الآخرة على الدنيا، وأن تستحبَّ مرضاة الله تعالى على مرضاة هواها؟ أهي البِطالة والعَطالة والاستقالة من أعباء الدنيا، والخروج من دائرة النشاط الحياتي؟ نذكر بهذا الفهم الزَّهاديِّ لنؤكد في منظور القومة ومستقبل بناء الأمة أنَّ اختيار الحياة الطيبة على الحياة الدنيا يعني مزيدا من العمل الصالح المثمر الذي تزكيه النية الجهادية والتعاون الجماعي على البر والتقوى، فيصدر من كل مومن ومومنة مساهمة فعالة منتجة تقتحم العقبات وتتقدم ولا تُحْجِمُ.

والمسلمات، والمسلمون، في ديار الإسلام قد اختاروا كما اختار أمهاتهم وآباؤهم من قبل، وورثوا كما ورثوا، الإسلام دينا،ورضوا بالله عز وجل ربا. إلا الشاذين ممن انقطع عنهم حبلُ الفطرة وانقطع بهن.

وإلى هؤلاء الراضين والمنقطعين يجب أن توجَّه جهودُ العمـل الدعوي. وإلى النساء المسلمات ينبغي أن تصمُد جهود الأخوات الصالحات إلى الإيمان ومقتضياته الوَلائية. عليهن أن ينصُرْن الدين وأن يأمرن بالمعروف وأن ينهين عن المنكر في بنات جنسهن أوّل شيء.فما وقع من العطب في نساء المسلمين، وما جلبته عليهن موجة “تحرير المرأة”، بل تحديـرها بالدال، هو عطب في التصميم، وتخريب في الأساس لا في الأطراف.

ولئن كان تفرغ الأمهات لتنشئة الأجيال المومنة وحفظ الفطرة سليمة من أسبق المهمات المستقبلية، فإن تربية الأمهات تكون الشرط الأسبق والمطلَب الأوثق.وذلك ما يجب أن تُفْرغ فيه جهود المومنات المنتسبات للدعوة ليسْدُدن ثغرات تركها في نسائنا الجهل الموروث، والفقر المثبط، ومرض الفطرة.

نرى بأسف من المومنات المتعلمات الصاحيات لإيمانهن من تَصرِفُ وقتها وثمرَةَ وفائها في الملاسنات والمحاورات الثقافية في المحافل السياسية وإزاء طائفة المتعلمات الممسوسات الحائرات اللاهجات بشعارات “تحرير المرأة”، بينما السواد الأعظم من المسلمات الشعبيات أمهات جيل الغد مطروحات في حيِّز الكم المهمل.

نرى بأسف أن نساء الدعوة يتعلقُ همُّهُنّ، بل يُعَلّقُ تعليقاً مما يُقلِّدْنَ بدون شعور المرأة العصرية، بتسلق السلم التنظيمي في جماعة الانتماء ليصبحن مسؤولات. ومن الجماعات الإسلامية ما يتبارى في صنع “مناضلات إسلاميات” يخْجَلُ نظيراتهن المتبرجات اليساريات من جُرأتِهِن في الحوار وثقافتهن السياسية وإبانتهن في الخطاب.

وقليلا ما نرى مومنات منصرفات للجهاد الحقِّ في واجهة ليس لها غيرهن: واجهةِ العمل المتواضع الدؤوب مع المسلمات في الميدان، لا في المناظرات البهرجية. لا أقولُ إن واجهة الحوار مع المثقفات والكتابة في الجرائد الإسلامية والمجلات عمل لا يجدي ولا يليق بالمومنات أن يلتفتن إليه.بل أعطيه من الأهمية ما يستحق، لا أجعله كل المُهِمِّ.

وهناك في بيوت المسلمات، وفي كل صَقْع نَبَذَتْهُنَّ فيه حاجة الكسب وحركة المجتمع، ثغرة من ثغور المسلمين لا يَسُدُّها إلا المومنات. يُعَلِّمْنَ الأساسيات، يُصَحِّحنَ البديهيات، يُطَهِّرْنَ الجذور، يُقَلِّمْنَ الفروع الخبيثة، بصبر وتؤدة ومتابعة. يُعلمن النظافة والكياسة في الحياة الاجتماعية كما يعلمن الوضوء والصلاة والعقيدة. يُلقِّنَ مبادئ الاقتصاد المنزلي وتربية الطفل ومعاشرة الزوج والبِر بالأقارب وخصال الإيمان. يحاربن الأمية الدينية محاربتهن الأمية الأبجدية.

بدلَ النشاط الحركي السياسي الذي يقوم عليه المومنون، يتفرغ المومنات للعمل العيني الميداني التربوي. فمن هناكَ تبدأ هزيمة الدعاة والداعيات للتطورية التقدمية الإلحادية الاختلاطية، لا في معارض اللَّسَانة والعروض السياسية. هناك يحرز النصر أو تُخْسر الحرب. إن الرهانَ مصيرُ أجيال الأمة، وكسبُ الأمهات إلى صف الإيمان هو المعركة الحاسمة. الحاسمة.

بدأ التخريب في الأساس منذ سبعين سنة ويزيدُ، منذ كتب قاسم أمين وأضرابُه بخجل أولا ثم بجسارة متطاولة عن “تحرير المرأة”. لبراليون ثم ماركسيون سياسيون ومتحللون إباحيون أثناء ذلك قالوا كلهم كلمة أبناء الدنيا للمرأة المسلمة التي كانت، ولا تزال، المظلومة الأولى في المجتمع الفتنوي الغثائي. وزينوا لها وبينوا، وصبروا وثابروا، وصنعوا زعيمات “محررات” حتى آل الأمر إلى ما نرى والألم يحز في أنفسنا من انحلال وتفسخ. خربوا الأساس، المرأةَ الأمَّ، فإقامة بنائه واجبكنَّ يا أخواتي، ليس لذلك غيرُكن، البَتَّةَ البتة!

قال المخربون مع قاسم أمين وبزعامته: “من المستحيل أن يقع إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسَّساً على العلوم العصرية الحديثة.وإن أحوال الإنسان مهما اختلفت، وسواء كانت مادية أو أدبية، خاضعة لسلطة العلم”.والعلم عند اللبراليين والشيوعيين من بعدهم هو التطور. يقول قاسم: “إن نتيجة التمدن هي سَوْق الإنسانية في طريق واحدة، وإن التباين الذي يشاهدُ بين الأمم المتوحشة أو التي لم تصل إلى درجة معلومة من التمدن منشأه أن أولئك الأمَمَ لم تهتد إلى وضع حالتها الاجتماعية على أسس علمية”.

قلت: درجة الكمال الاجتماعي التمديني عنده هو ما وصلت إليه أوربا والمرأة الأوربية، “خيره وشره” كما قال طه حسين.وذلك بقطع النظر عن كل هدف غيرِ التقليد التَطوُّريِّ، وبالانقطاع عن كل دين لأن الدين ينافي العلم

. ويفرض قاسم سائلا يسأله: ما نهاية هذا التطور الذي يسوق المرأة في أطوار الكمال التمدني؟ فيجيب: “ذلك سر مجهول ليس في طاقة أحد من الناس أن يعلمه(…). وإنما نحن على يقين من أمر واحد: وهو أن الإنسانيّة سائرة في طريق الكمال. وليس علينا بعد ذلك أن نَجِدَّ السَّيْرَ فيه ونأخذَ نصيبنا منه”.

قلت: إلى المجهول “الكمالي” يا عشاق حرية المرأة!

وتستفحل الدعوة التطورية والهجمة على التقليد، والمقصود الدين، فيندفع حتى بعض الأزهريين لينفُوا عن أنفسهم التهمة ويبرروا في حَلَبة التقدمية التطورية التي يسحب فيها قاسم وأضرابُه المرأة. ويكتب خالد محمد خالد المتمركس يومئذ في كتابه”من هنا نبدأ”: “القاعدة هنا هي التطور،والشذوذ هو الرجعية والانتكاس… فكل زحف إلى الوراء مهما يتسم بحسن النية وسذاجة القصد ليس سوى رذيلة في ثوب تنكريٍّ خداع. وليس هناك إثم أشد، ولا خطيئة أفحش، من مقاومة التطور وإخضاع مستقبل الأمة لجهلها القديم”.

قلت: لو كان خالد يومئذ ينتقد الفتنة الموروثة من ظلم وما جره الظلم على الأمة لكان مصيبا. لكنه نظم قصيدة التمدح بالتطورية في عرض الحديث عن الفضيلة والغَيْرة، يعُدُّ الفضيلة والعفة والغيرة على المرأة كيدا عليها وإهدارا لكرامتها. ويعد ذلك وَلاءً غيرَ مشروع لتقاليدَ باليةٍ.

وتاب خالد بعد ذلك، كما رجع مصطفى محمود الذي كتب قبل رحلة رجوعه من الإلحاد إلى الإسلام ما يلي من وَقاحات في كتابه “الله الإنسان”. قال،وبئس ما قال: “والخير والشر خضعا لناموس التطور.فتغيرت معاني الرذيلة ومعاني الفضيلة. كانت المرأة رمزاً للشيطان، وكانت الغريزة الجنسية خطيئةً تحمل أوزارَها المرأةُ وحدها. فأصبحت المرأة نصفا مكملا للرجل. وأصبحت الغريزة الجنسية حالةً فسيولوجية تُنَظَّم لصالح المجتمع ومَسَرَّة أفراده”.

قلت: المرأة عندهم نصف مكمل، والحالة فسيولوجية محض. وما يهلكنا إلا الدهر! فلا خطيئة في الاتصال الجنسي ما دامت المرأة النصف المكمل على بساط التكامل الفسيولوجي. ولا يزال في خطاب التطوريين، بل عم البلاء حتى خطاب الإسلاميين، ما يبرئ الساحة من كل التبعات حين يُتحدث عن “الاتصال الجنسي” حديثا محايدا علميا. لا عن الزنى والفاحشة. فتلك أوصاف عتيقة!

رجع خالد ومصطفى بعد سكرة التقليد الأعمى. ونشاهد في الخمس السنوات الأخيرة تفكك الإمبراطورية الشيوعية وسقوط إديولوجيتها التي كانت السند الوطيد للتطوريين المعجَبين بالدولة العظمى محررة الشعوب محررة المرأة. ورجع جرباتشوف زعيم الثورة عن الشيوعية.

فيكتب عن المرأة نظرية “رجعية” ويقول: “على مدَى أعوام تاريخنا الرهيب البُطولي لم نُعْط الاهتمامَ الكافيَ للحقوق الخصوصية النوعية للنساء، ولا لحاجتهن باعتبارهن أمهاتٍ ومديراتِ بيوت، ولا لوظيفتهنَّ في تربية الأطفال. إنهن يشتغلن في البحث العلمي، وتستأثر بهن أنشطة إبداعية، ويعملن في أوراش البناء، وفي الإنتاج والخدمات. فلا يبقى لهن ما يكفي من الوقت لتحمل مسؤولياتهن في البيت، وليعتنينَ بشؤونه الداخلية، ولينشئن أطفالهن، وليُشِعْنَ جوا طيبا في الأسرة. اكتشفنا أن كثيرا من مشكلاتنا المتعلقة بسلوك أطفالنا وناشئتنا، وبأخلاقياتنا وثقافتنا وإنتاجنا، من أسبابها ضَعف العلاقات الأسرية، والإهمال للمسؤوليات العائلية.

قال: “هذا نتيجة عكسية لنيتنا المخلصة، المعقولة سياسيا، أن نجعلَ النساء مساويات للرجال على كل صعيد.(…). ماذا يجب أن نفعل كي يكون في إمكان النساء التفرغ أيضا، من جديد، لرسالتهن النسوية الخالصة؟”.

قلت: ونحن ماذا يجب علينا يا أخواتي الصالحات؟

“فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. أولئك الذينَ هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب”.

لا إله إلا الله محمد رسول الله.