كان الشاعر العراقي محمد مهدي جوهري -رحمه الله – يعتقد في قصيدته الشهيرة “فاضت جروح فلسطين” أن فلسطين هي حلقة الدومينو التي ستتبعها حبات المسبحة عندما قال:

ويعطفون عليها البيت و الحرما

سيلحقون فلسطين بأندلس ويتركونك لا لحما ولا وضما

ويسلبونك بغداد وجلّقــة ويبدو بعد أكثر من خمسين عاماً على قصيدة الجوهري أن نبوءته قد تحققت، فقد كانت قضية فلسطين جوهر الصراع والأزمات، وحجر التوازنات والعلاقات الإقليمية والدولية، ومبعث الثورات والانقلابات ، والتغيير السياسي الداخلي والإقليمي والدولي في منطقة الشرق الأوسط.

اليوم يتكون عراق جديد سيكون على الأغلب مندمجاً في السياسات الأمريكية الشرق أوسطية، ولن يكون ثمة قلق إسرائيلي من تفوق عسكري أو إقليمي عربي، وبدأت إسرائيل تسعى بالفعل لاستئناف خط النفط العراقي القديم الممتد من الموصل إلى حيفا ، والذي كان يعمل حتى عام 1948 ، ويتوقع أن يوفر في الفاتورة النفطية الإسرائيلية بنسبة 25%.

ولكن العراق الجديد لن يكون بالضرورة انتصاراً أمريكياً وإسرائيلياً حاسماً، وثمة ما يدعو إلى أنه مكسب بالنقاط، فالعراق – بشعبه ،ومجتمعه، ومستوى التعليم، والفاعلية الاجتماعية والحضارية، والصحوة الإسلامية، والقومية والوطنية الراسخة فيه- يصعب أن يكون عراقاً أمريكياً تماماً، وأن يكون بلداً صديقاً للولايات المتحدة.

والنظام الدولي الجديد الآخذ بالتشكل ينزع إلى وقف التفرد الأمريكي في قيادة العالم والهيمنة عليه، وقد تشهد السنوات القادمة منافسة سياسية وعسكرية بين الولايات المتحدة وبين روسيا وفرنسا وألمانيا، وقد تبذل أوروبا جهوداً كبيرة لتحجيم الولايات المتحدة، وتكوّن قطبا منافساً، وتوقف الاندفاع الأمريكي.

والتاريخ وطبيعة الحياة تأبى – دائما- الانتصار الكامل الحاسم لقوة واحدة، وإن الهزيمة لتنبت في زحمة النصر، كما أن النصر ينبت في ركام الهزيمة، وقد رأينا كيف نهضت اليابان وألمانيا وإيطاليا من هزيمة ماحقة ساحقة عصفت بكل شيء تقريبا، ولكنها بعد سنوات تجاوزت الهزيمة والخسائر ، وتمكنت من استعادة موقعها المؤثر في خريطة العالم، وفي الوقت نفسه فقد ضعفت بريطانيا، وخسرت برغم انتصارها ؛ بل إنها خرجت من انتصارها كما لو أنها مهزومة.

وسبق للولايات المتحدة أن مرت بها حالة من التفوق مثل هذه، ولعلها تزيد عليها قوة وثراء وهيمنة، وذلك بعد الحرب العالمية الثانية ، وحتى أواخر الستينيات من القرن العشرين، وقد دخلت في الحرب الكورية بنفس العنفوان والعنجهية والتفوق الذي دخلت به في غزوها للعراق، ثم فييتنام، وبدأت في السبعينات تفقد كثيراً من تفوقها ومكاسبها السابقة، فقد دخلت مضطرة وكارهة في اتفاقية سالت عام 1972، وبدأت تتقرب من الصين، وخسرت في القارة الأمريكية ، مثل خسارتها شيلي ونيكاراغوا، ثم خسرت إيران، وربما دخول الاتحاد السوفييتي إلى أفغانستان عام 1979 كان بسبب شعوره بالتفوق على الولايات المتحدة.

وقد بدأ العالم عام 1991 بعد حرب الخليج الثانية كما لو أن الولايات المتحدة تفردت بالعالم ، ووصلت إلى “نهاية التاريخ” ، ولكن الهيمنة العالمية بدأت تتعرض لتحديات كثيرة ظهرت في السياسات الروسية الجديدة بعد مجيء (بوتين) إلى الحكم، والمواقف الفرنسية الألمانية، وثمة فارق كبير في الموقف الأمريكي العالمي بين عام 1991 وعام 2003؛ فقد كانت تقود إجماعاً عالمياً، وتحظى بتأييد عربي كبير رسمي وشعبي ، ولكنها اليوم تنتصر وحدها، ولا يقف معها سوى بريطانيا واستراليا وعلى خجل وخوف، وبرغم ما يبدو من حالة انهيار وفوضى وخسارة في العراق ؛ فإن الحالة العراقية أقل سوءا بكثير من عام 1991

ويمكن إحصاء عشرات الأمثلة عن الاستفزاز الأمريكي للعالم كله التي تدل على خسارة مستقبلية، فقد رفض بوش استقبال وفد وزاري عربي يمثل القمة العربية، ووصف المسؤولون الأمريكان دول أوروبا المعارضة بـ(أوروبا القديمة) ، وهو تعبير كان قبل سنوات قليلة يعد فضيحة وتجاوزاً دبلوماسياً تعتذر عنه الولايات المتحدة ؛ حتى لو كان بحق دولة صغيرة، وتعلن الإدارة الأمريكية بصراحة عن خطط ومشروعات كانت في السابق أسراراً تخفيها وتنفيها، مثل دعم الانقلابات العسكرية كما حدث في باكستان والمعارضة العراقية، وتذكّر الإدارة الأمريكية دول العالم بعلنٍ ومنّةٍ بمساعداتها، وتهددها أيضا بوضوح لم تكن تلجأ إليه من قبل. ربما تكون المرحلة الجديدة من مسار العالم تأخرت عشر سنوات على الأقل، فقد بقي الفراغ قائماً وسائداً في العالم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وانتهت تقاليد الصراع السابقة، وبالمناسبة فإن مرحلة الحرب الباردة – والتي كان فيها قطبان كبيران متنافسان ومتوازنان- منعت قيام عمليات عسكرية على غرار مهاجمة برجيّ مركز التجارة في نيويورك ، برغم الإمكانات الفنية التي كانت متوافرة، ولكن الاتحاد السوفييتي وإن كان يدعم ويمول ويدرب حركات ثورية مناوئة للولايات المتحدة ؛ فإنه كان يمنعها في الوقت نفسه من مواجهة غير محسوبة، وجاء هذا الفراغ ليجعل الصراع بلا قواعد وتقاليد، وهو وإن كان يبدو في صالح الولايات المتحدة في أحيان كثيرة ؛ فإنه ليس في صالحها دائما، فقد جعلها ذلك عرضة لمعارك وعمليات غير محسوبة، وجعلها في حرب ومواجهة مع أفراد وتنظيمات وأشباح لا تصلح عدواً؛ حتى لو انتصرت عليه، إنها تبدو مثل صراع العملاق والأقزام ، فهو وإن كان قويا فإن الأقزام الصغيرة والتي يعجز عن رؤيتها تزعجه، وتجعله موضع سخرية ؛حتى عندما يبطش بأحدها.