الدعاوى سهلة، ولكن الحقائق هي التي تثبتها أو تفندها وتبين زيفها. فالولايات المتحدة المدعية بأنها حامية حقوق الإنسان، والداعية للحرية والعدالة والديمقراطية، هي أكبر قوة في العالم تتعدى على هذه المبادئ وتتجاوزها. بل تعدت ذلك بأن تفرض على المؤسسات العالمية أن تعطل دورها، وترضخ لأطماعها، وعجرفتها. بل إن تلك المؤسسات العالمية قد سلبت من قبل الولايات المتحدة حتى قدرتها على التساؤل والانتقاد. فهي دولة عالمية تملك قوة مادية؛ هي العظمى بين قوى الأرض، حتى أصبحت تتفاخر بأنها تضاهي كل إمبراطوريات التاريخ الغابرة، لتصبح إمبراطورية إمبريالية استعمارية في عهد ظن العالم أن عهد الاستعمار واستعباد الشعوب قد ولى، هذا الزعم لم يأت من فراغ، فلا توجد بقعة من هذا العالم لم تطلها اعتداءات الولايات المتحدة وحلفائها. بدءاً بفيتنام، وكوريا، والفليبين، وليبيا، والسودان، ولبنان، ونيكارجوا، وأفغانستان، والعراق … الخ. وقد كانت من أقوى الدول الداعمة للإرهاب والاضطهاد والقمع والديكتاتورية، ففي وقت يدعي كثير من القادة الأمريكان الديمقراطية والحرية، كانوا أكبر الداعمين لكثير من أولئك المتسلطين على شعوبهم، فما كان لصدام أن يفعل بالأكراد ما فعل دون مساعدة الولايات المتحدة، ومصانع رامسفيلد ـ وزير الدفاع الأمريكي الحالي ـ للأسلحة الكيميائية والأنتراكس على وجه الخصوص ، فهؤلاء الرأسماليون الذين يدعون القيام بدور المنقذ الآن، كانوا قد ساهموا في الإجهاز على الضحية .

ومن المفارقات العجيبة أن الولايات المتحدة نفسها قد استخدمت الأسلحة الكيماوية في حربهم الجائرة في فيتنام، تحت دعاوى فرض الحرية والديمقراطية، وفي هذا الإطار يقول نعوم تشو مكي (Noam Chomsky)، المفكر الأمريكي اليهودي المعروف :

” لقد كانت الحرب الكيماوية في فيتنام تهدف إلى تدمير مصادر التموين الغذائي للشعب الفيتنامي، لقد كان ذلك هدفهم الرئيسي، فعندما أصدر (كنيدي) أوامره بإطلاق الحرب الكيماوية تحت اسم (رانش هاند- Ranch Hand ) في عام 1962 م كان الهدف تدمير التموين الغذائي لأولئك الذين يقومون “بالعدوان الداخلي”، وبتعبير آخر المدنيين . لا يمكن لأحد أن يتصور مدى الدمار البيئي من جراء تلك الحرب، وأما الضحايا البشرية فقد كانت مخيفة، فلقد بلغ عدد الضحايا حسب التقديرات الفيتنامية ما يقارب نصف مليون نسمة. ولقد اهتمت الولايات المتحدة بهذا الأمر!، نعم! لقد كانت النتائج جلية للعيان، كان هناك اهتمام فقط بانعكاس تلك الحرب الكيماوية على الجنود الأمريكيين الذين تعرضوا للغازات القاتلة …. وكان رد الرأي العام الأمريكي حول أهمية العمل على تقديم معونات أو إيجاد وسيلة لإصلاح ما أفسدته أمريكا في فيتنام . ” إن الولايات المتحدة قد أرهقت عاطفياً بعد الهزيمة في الحرب، ولهذا فلا نستطع أن نبدي اهتماما بما جرى ..”. نحن هنا قد حطمنا مستقبل بلد بأكمله، خلفنا مئات الآلاف من الناس، إما يعانون معاناة أليمة ، أو يواجهون السرطان والتشوهات الخلقية منذ الولادة. أربعة ملايين قتيل في ثلاث دول دمرت تماماً، ولأننا قد أنهكنا عاطفياً بسبب الهزيمة، فلن نستطيع أن نلتفت لأولئك الذين عانوا الويلات بسببنا، ولهذا، كما يقول (تشومسكي)، “نتفهم لشعور الناس خارج الولايات المتحدة الأمريكية بأهمية احتواء هذه القوى العظمى الغاشمة”. ( الدعاوى الإعلامية وتوجيه الرأي العام ص 56 ـ 57 .

ولقد أصبحت الولايات المتحدة تتعامل بتعجرف وتسلط غير مسبوق مع المنظمات الدولية، ودون مبالاة بالقيم الإنسانية، فهذه أمريكا ترفض أن تطبق على جنودها أحكام محكمة جرائم الحرب الدولية، وربما أنها الدولة الوحيدة المستثناة من المثول أمام هذه المحكمة. وتمادت بأن تنفرد بقراراتها المتهورة في الاعتداءات على دول العالم دون أن تأبه لمعارضة حلفائها في مجلس الأمن، ناهيك عن صيحات الملايين من البشر في أنحاء العالم. فقد أصبح كل من يختلف مع الولايات المتحدة عدواً لها، وكل قوانين أو مواثيق دولية تتعارض مع مصالح أمريكا وسياساتها فهي غير ملزمة لها، وإن كانت تلزم الدول الأخرى بالخضوع لها، وإن لزم الأمر استخدام الصواريخ البالستيه والقنابل الغبية، فيما عدا من يمتلك القوة والنفوذ للوقوف في وجهها و ربيبتها المعتدية وإن اقتضى الأمر استخدام حق النقض، إنها حقاً سياسة التعسف والكيل بمكيالين، ويظهر ذلك علانية في مقالات منظري السياسة الخارجية الأمريكية والكتاب المؤثرين. فهذا الكاتب الأمريكي المؤثر (تشال زكروثامار) يكتب في مجلة الشؤون الخارجية Foreign Affairs “بأن فرصة أحادية التحكم في العالم وتوجيهه وفقاً لمصالح الولايات المتحدة ورؤيتها قد حانت، وعلى الولايات المتحدة الواثقة من قدراتها أن تمارس دورها الجديد، وأن تفرض بكل قوة توجهها الجديد .”

وفي الحقيقة، أن مثل هذه التصورات تدعو للعجب ممن يتابع بعين بصيرته تطور الأحداث وتسارعها في العالم. وبالرجوع لكتابات وخطابات المفكرين الأمريكان الكبار وصانعي السياسة الأمريكية الخارجية، تبدو بدون مواربة أهداف تلك الهيمنة والتعجرف والامبالاه، فمنذ فترة كتب (هنتفتون- Huntington ) صاحب نظرية (صراع الحضارات) حول الأسس التي تعين الغرب والولايات الأمريكية على وجه الخصوص على فرض مصالحهم في العالم : ” إن الغرب بالفعل يقوم بتوجيه المؤسسات الدولية، ويملك القوة العسكرية والإمكانات الاقتصادية؛ ليسيطر على العالم بطريقة تحمي مصالح الدول الغربية، ويفرض هيمنتها ويروج للمبادئ الأساسية والاقتصادية الغربية “.

وبينما تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً قوية على دول مثل ألمانيا وبولندا وغيرها للاعتذار لليهود عن الهولوكوست المزعوم، وتكرس جهودها لتعويض المتضررين، فإنها لا تأبه لما تسببت به هي من نكبات عظيمة لكثير من شعوب الأرض، ورغم الأخطاء القاتلة والمذابح التي ارتكبتها ضد أمم الأرض والمسلمين منهم خاصة، فإن حكامها يرفضون حتى مجرد الاعتراف بالذنب أو حتى الاعتذار. ناهيك عن تعويض تلك الشعوب عمالا يمكن تعويضه بكل أموال الدنيا ولكن الأنفس من غير الأمريكان لا تساوي عندهم شيئا. ومثال ذلك الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ـ الحاصل على جائزة نوبل للسلام، والمهتم بالأعمال الخيرية والاغاثية ـ في مؤتمر صحفي عام 1977م بعد الإعلان عن انسحاب الولايات المتحدة من فيتنام، بعد أن خلفت ملايين القتلى والجرحى والمشوهين والمعاقين، وحروب أهلية استمرت لعقود ، حيث قال ـ عندما طلب منه الاعتذار عن دور الولايات المتحدة المخزي ـ ” لا حاجة لأن نعتذر أو نؤنب أنفسنا أو نحملها اللوم ، فلسنا مدينين لأحد بشيء، إنما كانت نيتنا فقط حماية الفيتناميين الجنوبيين “.

كان ذلك في فيتنام وبعده في نيكاراجوا … وقبل أيام في أفغانستان، واليوم في العراق .. وغداً الله أعلم أين تحط رحال القوة المارقة المهووسة بالشر وعدم الاكتراث بالتبعات.

وإن كان هذا تصريح القس المهتم بالسلام واليد الحنونة على جراح البشرية، فما بالك بطغمة المسيحيين المتصهينين الذين يحكمون أمريكا اليوم، ويقودون العالم للهلاك، فلا غرابة من استهتار الولايات المتحدة بحياة الملايين من البشر الأبرياء تحت مسميات مضللة Collateral damage والتي تعني إصابات بشرية مصاحبة للحرب من أجل مصالح مادية أو إيديولوجية وجيوبوليتيكية تافهة، وكذلك كان رد وزيرة الخارجية الأميركية مشابها عندما سُئلت :كيف تشعرين تجاه موت 500.000 طفل عراقي جوعا بسبب الحصار ؟ حيث ردت بصلافة : انه خيار صعب، ولكننا نعتقد أنه يستحق الثمن”. ويعلق تشو مسكي على هذا الرد اللامبالي بقوله: إنها جريمة فظيعة.

ومن الغريب هو اتحاد الصليبية العالمية مع الصهيونية ولأول مرة في التاريخ بعد عدا وات دامت قرون سحيقة، ولكن لاغرابة فان تاريخ تلك القوة العظمى بُنيَ من أول يوم على الظلم والاستبداد والاستعباد، والتطهير العرقي والإبادة الجماعية ، فإن عدد من قتل من سكان أمريكا الشمالية الأصليين يعد بعشرات الملايين كما ذكر (كورتني كامبل) في كتابه التراب، الـدم، العقيدة ، الحرب العادلة واستعمار العالم الجديد 1998م هذا بالإضافة إلى ما عقب ذلك من الاستعباد القسري للملايين من البشر، ووحشية التعامل والقسوة والتفرقة العنصرية البغيضة التي تجعل كل أمريكي صادق ينحني خجلاً لتاريخ بلاده وأهله الأسود. وما زالت بقايا تلك التفرقة العنصرية شاخصة في المجتمع الأمريكي، تعتمد عليها حوادث الكراهية العرقية كل يوم. فإلى أية حرية يدعو من وأد الحرية، وأية عدالة يتبنى من قتل العدالة، وأي إنسان عاقل منصف يمكن أن يصدق دعاوى أمريكا في تحرير العراق، وإحلال السلام في فلسطين وخارطة الطريق .. فقد ضل الطريق، فلابد أن نصحو من سباتنا وأحلامنا الموهومة، والإعداد الصادق لوقف هذا الطغيان، وليس للبشرية منقذ والله إلا الإسلام. فلن تكون العراق أحسن حظاً من فيتنام ولا أفغانستان، وليتق الله أولئك الذين فتحوا للغطرسة الصليبية الماكرة الأبواب، ونافقوا في القول، وكذّبت دعا ويهم الأفعال، فإن الله للظالمين بالمرصاد. وما تغطرست أمة وتجبرت وتكبرت إلا قصمها الله، “ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ” ،” فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ” ” هل يهلك إلا القوم الظالمون ” …،فهذه الإمبراطورية الإمبريالية الظالمة الجديدة، لا بد أن تواجه مصير تلك الأمم الظالمة المتجبرة، ويمكّن الله بفضله لأمة صالحة، عادلة، قائمة بالحق، داعية إلى الله، بإذنه عز وجل. ولا يخلف الله وعده.

في الختام نداء أجأر به لعلماء ودعاة هذه الأمة ومشايخ الإسلام، بأن ينهضوا بدورهم التاريخي، وموقفهم الذي سوف يُسألون عنه أمام الله، في السعي الصادق القوي في توحيد صفوف الأمة المحمدية ، التي مزقتها الفرقة، والبعد عن مولاها، وتسلط الحكام العاجزين عن تحمل مسؤولياتهم تجاه الله وتجاه أمتهم ، فهذا (هولاكو) يقرع أبواب بغداد فأين من تغنوا بعقيدة شيخ الإسلام ومنهجه ، فالتتار قد بغوا وعاثوا في الديار الفساد ، أنتم الوحيدون القادرون بإذن الله على إخراج الناس من جور الأديان إلى عدالة الإسلام ، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى رحب الآخرة ، لقد ملّ العالم ضياعه وفساده ، لقد عاف الناس الظلم والضلال ، فأين أنتم يا مسلمون !!