معلوم أن كل حي -سوى الله سبحانه-: من ملك أو أنس أو جن أوحيوان، فهو فقير إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ولا يتم ذلك له إلا بتصوره للنافع والضار، والمنفعة من جنس النعيم واللذة، والمضرة من جنس الألم والعذاب.

فلا بد له من أمرين: أحدهما معرفة ما هو المحبوب المطلوب الذي ينتفع به ويتلذذ بإدراكه، والثاني: معرفة المعين الموصل المحصل لذلك المقصود. وبإزاء ذلك أمران آخران، أحدهما: مكروه بغيض ضار، والثاني: معين دافع له عنه، فهذه أربعة أشياء:

أحدها: أمر هو محبوب مطلوب الوجود. الثاني: أمر مكروه مطلوب العدم. الثالث: الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب. الرابع: الوسيلة إلى دفع المكروه.

فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد، بل ولكل حيوان، لا يقوم وجوده وصلاحه إلا بها.

فإذا تقرر ذلك، فالله تعالى هو الذي يجب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب، الذي يراد وجهه، ويبتغى قربه، ويطلب رضاه، وهو المعين على حصول ذلك. وعبودية ما سواه والالتفات إليه، والتعلق به: هو المكروه الضار، والله هو المعين على دفعه، فهو سبحانه الجامع لهذه الأمور الأربعة دون ما سواه. فهو المعبود المحبوب المراد. وهو المعين لعبده على وصوله إليه وعبادته له. والمكروه البغيض إنما يكون بمشيئته وقدرته، وهو المعين لعبده على دفعه عنه، كما قال أعرف الخلق به: “أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك” (رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة والترمذي والنسائي) وقال: “اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك” (رواه الشيخان وأصحاب السنن) فمنه المنجى، وإليه الملجأ، وبه الاستعاذة من شر ما هو كائن بمشيئته وقدرته، فالإعاذة فعله، والمستعاذ منه فعله، أو مفعوله الذي خلقه بمشيئته.

فالأمر كله له، والحمد كله له، والملك كله له، والخير كله في يديه، لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه كل أحد من خلقه، ولهذا كان صلاح العبد وسعادته في تحقيق معنى قوله: “إياك نعبد وإياك نستعين” (الفاتحة 1/5) فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب، لكن على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على المطلوب.

فالأول: من معنى ألوهيته، والثاني: من معنى ربوبيته، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب: محبة، وإنابة، وإجلالا، وإكراما، وتعظيما، وذلا، وخضوعا، وخوفا، ورجاء، وتوكلا، والرب هو الذي يربي عبده، فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى مصالحه. فلا إله إلا هو، ولا رب إلا هو، فكما أن ربوبية ما سواه أبطل الباطل، فكذلك إلهية ما سواه.

وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه كقوله: “فاعبده وتوكل عليه” (هود 11/123) وقوله عن نبيه شعيب: “وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب” (هود 11/88) وقوله: “وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده” (الفرقان 25/58) وقوله: “وتبتل إليه تبتيلا. رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا” (المزمل 73/9،8) وقوله: “قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب” (الرعد 13/30) وقوله عن الحنفاء أتباع إبراهيم عليه السلام: “ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير” (الممتحنة 60/4).

فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأًصلين الجامعين لمعنيي التوحيد اللذين لا سعادة للعبد بدونهما البتة.

الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته، الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته، والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وتسكن نفوسهم، وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم، ويتم نعيمهم، لا يعطيهم في الآخرة شيئا هو أحب إليهم، ولا أقر لعيونهم، ولا أنعم لقلوبهم: من النظر إليه، وسماع كلامه منه بلا واسطة. ولم يعطهم في الدنيا شيئا خيرا لهم ولا أحب إليهم، ولا أقٌر لعيونهم من الإيمان به، ومحبته والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه، والتنعم بذكره.

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين هذين الأمرين في الدعاء الذي رواه النسائي والإمام أحمد، وابن حبان في صحيحه وغيرهم، من حديث عمار بن ياسر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو به: “اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين”.

فجمع في هذا الدعاء العظيم القدر بين أطيب شيء في الدنيا، وهو الشوق إلى لقائه سبحانه، وأطيب شيء في الآخرة، وهو النظر إلى وجهه سبحانه. ولما كان كمال ذلك وتمامه موقوفا على عدم ما يضر في الدنيا ويفتن في الدين قال: “في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة”.

ولما كان كمال العبد في أن يكون عالما بالحق متبعا له معلما لغيره، مرشدا له قال: “واجعلنا هداة مهتدين”.

ولما كان الرضا النافع المحصل للمقصود هو الرضا بعد وقوع القضاء لا قبله، فإن ذلك عزم على الرضا، فإذا وقع القضاء انفسخ ذلك العزم، سأل الرضا بعده، فإن المقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه. فمن سعادة العبد أن يجمع بينهما، كما في المسند وغيره عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: “إن من سعادة ابن آدم استخارة الله ورضاه بما قضى الله، وإن من شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله، وسخطه بما قضى الله تعالى” (رواه بنحوه الترمذي).

ولما كانت خشية الله عز وجل رأس كل خير في المشهد والمغيب، سأله خشيته في الغيب والشهادة.

ولما كان أكثر الناس إنما يتكلم بالحق في رضاه، فإذا غضب أخرجه غضبه إلى الباطل، وقد يدخله أيضا رضاه في الباطل، سأل الله عز وجل أن يوفقه لكلمة الحق في الغضب والرضا، ولهذا قال بعض السلف: “لا تكن ممن إذا رضي أدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب أخرجه غضبه من الحق”.

ولما كان الفقر والغنى بليتين ومحنتين، يبتلي الله بهما عبده. ففي الغنى يبسط يده، وفي الفقر يقبضها، سأل الله عز وجل القصد في الحالين، وهو التوسط الذي ليس معه إسراف ولا تقتير.

ولما كان النعيم نوعين: نوعا للبدن، ونوعا للقلب، وهو قرة العين، وكماله بدوامه واستمراره، جمع بينهما في قوله: “أسألك نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع”.

ولما كانت الزينة زينتين: زينة البدن، وزينة القلب، وكانت زينة القلب أعظمهما قدرا وأجلهما خطرا، وإذا حصلت حصلت زينة البدن على أكمل الوجوه في العقبى، سأل ربه الزينة الباطنة فقال: “زينا بزينة الإيمان”.

ولما كان العيش في هذه الدار لا يبرد لأحد كائنا من كان، بل هو محشو بالغصص والنكد، ومحفوف بالآلام الباطنة والظاهرة، سأل برد العيش بعد الموت.

والمقصود: أنه جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا، وأطيب ما في الآخرة.

فإن حاجة العباد إلى ربهم في عبادتهم إياه وتأليههم له، كحاجتهم إليه في خلقه لهم، ورزقه إياهم، ومعافاة أبدانهم، وستر عوراتهم، وتأمين روعاتهم، بل حاجتهم إلى تأليهه ومحبته وعبوديته أعظم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم، ولا صلاح لهم ولا نعيم ولا فلاح ولا لذة ولا سعادة بدون ذلك بحال، ولهذا كانت “لا إله إلا الله” أحسن الحسنات، وكان توحيد الإلهية رأس الأمر، وأما توحيد الربوبية الذي أقر به المسلم والكافر، وقرره أهل الكلام في كتبهم، فلا يكفي وحده، بل هو الحجة عليهم، كما بين ذلك سبحانه في كتابه الكريم في عدة مواضع، ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: “أتدري ما حق الله علىعباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار” (رواه الشيخان) ولذلك يحب سبحانه عباده المؤمنين الموحدين ويفرح بتوبتهم، كما أن في ذلك أعظم لذة العبد وسعادته ونعيمه، فليس في الكائنات شيء غير الله عز وجل يسكن القلب إليه، ويطمئن به ويأنس به، ويتنعم بالتوجه إليه، ومن عبد غيره سبحانه وحصل له به نوع منفعة ولذة، فمضرته بذلك أضعاف أضعاف منفعته، وهو بمنـزلة أكل الطعام المسموم اللذيذ، وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا، كما قال تعالى: “لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا” (الأنبياء 21/22) فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود منه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه، ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه.

الوجه الثالث: إن فقر العبد إلى أن يعبد الله سبحانه وحده لا يشرك به شيئا ليس له نظير فيقاس به، لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الغذاء والشراب والنفس، فيقاس بها، لكن بينهما فروق كثيرة، فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، ولا صلاح له إلا بإلهه الحق الذي لا إله إلا هو، فلا يطمئن إلا بذكره، ولا يسكن إلا بمعرفته وحبه، وهو كادح إليه كدحا فملاقيه، ولا بد له من لقائه، ولا صلاح له إلا بتوحيد محبته وعبادته وخوفه ورجائه، ولوحصل له من اللذات والسرور بغيره ما حصل فلا يدوم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في حال وبهذا في حال، وكثيرا ما يكون ذلك الذي يتنعم به وهو أعظم أسباب ألمه ومضرته. وأما إلهه الحق فلا بد له منه في كل وقت وفي كل حال، وأينما كان فنفس الإيمان به ومحبته وعبادته وإجلاله وذكره هو غذاء الإنسان وقوته، وصلاحه وقوامه، كما عليه أهل الإيمان، ودلت عليه السنة والقرآن، وشهدت به الفطرة والجنان، لا كما يقوله من قل نصيبه من التحقيق والعرفان، وبخس حظه من الإحسان: إن عبادته وذكره وشكره تكليف ومشقة، لمجرد الابتلاء والامتحان، أو لأجل مجرد التعويض بالثواب المنفصل كالمعاوضة بالأثمان، أو لمجرد رياضة النفس وتهذيبها ليرتفع عن درجة البهيم من الحيوان، كما هي مقالات من بخس حظه من معرفة الرحمن، وقل نصيبه من ذوق حقائق الإيمان، وفرح بما عنده من زبد الأفكار وزبالة الأذهان، بل عبادته ومعرفته وتوحيده وشكره قرة عين الإنسان، وأفضل لذة للروح والقلب والجنان، وأطيب نعيم ناله من كان أهلا لهذا الشأن، والله المستعان، وعليه التكلان.

وليس المقصود بالعبادات والأوامر المشقة والكلفة بالقصد الأول، وإن وقع ذلك ضمنا وتبعا في بعضها، لأسباب اقتضته لا بد منها، وهي من لوازم هذه النشأة.

فأوامره سبحانه، وحقه الذي أوجبه على عباده، وشرائعه التي شرعها لهم، هي قرة العيون ولذة القلوب، ونعيم الأرواح وسرورها، وبها شفاؤها وسعادتها وفلاحها، وكمالها في معاشها ومعادها، بل لا سرور لها ولا فرح ولا لذة ولا نعيم في الحقيقة إلا بذلك، كما قال تعالى: “يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين. قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون” (يونس 10/58،57) قال أبو سعيد الخدري: “فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله” وقال هلال بن يساف: “بالإسلام الذي هداكم إليه. وبالقرآن الذي لمكم إياه، هو خير مما تجمعون: من الذهب والفضة”وكذلك قال ابن عباس والحسن وقتادة: “فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن” وقالت طائفة من السلف: “فضله القرآن، ورحمته الإسلام”.

والتحقيق: أن كلا منهما في الوصفان، الفضل والرحمة، وهما الأمران اللذان امتن الله بهما على رسوله عليه الصلاة والسلام فقال: “وكذلك أوحينا إليه روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان” (الشورى 42/52) والله سبحانه إنما رفع من رفع بالكتاب والإيمان، ووضع من وضع بعدمهما.

فإن قيل: فقد وقع تسمية ذلك تكليفا في القرآن كقوله: “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” (البقرة 2/286) وقوله: “لا نكلف نفسا إلا وسعها” (الأنعام 6/152).

قيل: نعم، إنما جاء ذلك في جانب النفي، ولم يسم سبحانه أوامره ووصاياه وشرائعه تكليفا قط، بل سماها روحا ونورا، وشفاء وهدى ورحمة، وحياة، وعهدا، ووصية، ونحو ذلك.

الوجه الرابع: أن أفضل نعيم الآخرة وأجله وأعلاه على الإطلاق هو النظر إلى وجه الرب عز وجل، وسماع خطابه، كما في صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: “إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه” وفي حديث آخر: “فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه” فبين عليه الصلاة والسلام أنهم مع كمال تنعيمهم بما أعطاهم ربهم في الجنة، لم يعطهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وإنما كان ذلك أحب إليهم لأن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين، فوق ما يحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العين، ولا نسبة بين اللذتين والنعيمين البتة. ولهذا قال سبحانه وتعالى في حق الكفار: “كلا إنهم عن ربهم بومئذ لمحجوبون. ثم إنهم لصالوا الجحيم” (المطففين 83/15، 16)، فجمع عليهم نوعي العذاب: عذاب النار، وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع لأوليائه نوعي النعيم: نعيم التمتع بما في الجنة، ونعيم التمتع برؤيته، وذكر سبحانه هذه الأنواع الأربعة في هذه السورة، فقال في حق الأبرار: “إن الأبرار لفي نعيم. علىالأرائك ينظرون” (المطففين 83/22، 23)، ولقذ هضم معنى الآية من قال: ينظرون إلى أعدائهم يعذبون، أو ينظرون إلى قصورهم وبساتينهم، أوينظر بعضهم إلى بعض، وكل هذا عدول عن المقصود إلى غيره، وإنما المعنى ينظرون إلى وجه ربهم، ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم لمحجوبون “ثم إنهم لصالوا الجحيم” (المطففين 83/16) وتأمل كيف قال سبحانه ما قاله الكفار في أعدائهم في الدنيا وسخروا به منهم، بضده في القيامة، فإن الكفار كانوا إذا مر بهم المؤمنون يتغامزون ويضحكون منهم “وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون” (المطففين 83/32) فقال تعالى: “فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون” (المطففين 83/34) مقابلة لتغامزهم ضحكهم منهم، ثم قال: “على الأرائك ينظرون” (المطففين 83/35) فأطلق النظر، ولم يقيده بمنظور دون منظور، وأعلى ما نظروا إليه وأجله وأعظمه هو الله سبحانه، والنظر إليه أجل أنواع النظر وأفضلها، وهو أعلى مراتب الهداية، فقابل بذلك قولهم: “إن هؤلاء لضالون” فالنظر إلى الرب سبحانه مراد من هذين الموضعين ولابد، إما بخصوصه وإما بالعموم والإطلاق، ومن تأمل السياق لم يجد الآيتين تحتملان غير إرادة ذلك، خصوصا أو عموما.