عاش العالم خلال فترة وجيزة من عمر الإنسانية – مع اجتياح العراق- مرحلة ذهول أمام جبروت وتسلط الطاغوت الأمريكي. واجتاز، ولا يزال، العالمان العربي والإسلامي فصول مسرحية أبطالها صقور من مغول العصر الحديث؛ تجبروا وطغوا ورموا عرض الحائط كل الأعراف والقوانين الدولية أمام مرأى ومسمع من الجميع، فقالوا للعالم: لا هيأة أمم، ولا قوانين.. بل القوة والفيتو الأمريكيين هما سيدا الموقف.

بهذا الحدث الذي أظهر العالم قزما أمام الصقور المدفوعين من طرف الصهيونية العالمية، أكدت الأنظمة العربية المتربعة على عروش من ورق، وهم ولاة مطيعون لأمريكا، بأن الذل والهوان والوهن بات لصيقا بهم، وتحقق فيهم قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، “يوشك الأُممُ أن تَداعَى عليكُم كما تَداعَى الأَكَلَةُ على قَصعتها. فقال قائل: ومن قِلَّةٍ نحن يومئذ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غُثاء كغثاء السيل. ولينـزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذِفن الله في قلوبكم الوَهْنَ. قال قائل: يا رسول الله! وما الوهْنُ؟ قال صلى الله عليه وسلم: “حُبُّ الدنيا وكراهية الموت”.

إنها الحقيقة التي لا يمكن لأي طاغية عربي، وهم كُثر، أن ينكرها.. إنهم طغاة متجبرون أمام شعوبهم، أقزام في تعاملهم مع “العلوج”!.. وبذلك، يكون حدث اجتياح العراق بمثابة بداية مرحلة جديدة ستشهدها المنطقة، إنها البداية وليست النهاية.

إن المتتبع لمجرى الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، وتوالي فرض السيطرة الأمريكية والصهيونية أمام الخنوع العربي الإسلامي الرسمي، لا يمكنه أن يجادل في أن الأمور تسير حسب هوى الاستعمار الجديد، ولا يمكنه أن يتنكر للسيطرة الأمريكية التي باتت على أبواب كل الأنظمة التي لم تستوعب الدرس بعد.. وظهر للعيان أن عصيان المَامَا أمريكا لا يمكن أن يجلب إلا القنابل العنقودية والقاذفات والصواريخ من شتى أنواع الطائرات المرئية وغير المرئية، وعبر مختلف البوارج الراسية في أمن وأمان وسط المياه البحرية.. فخاف الجميع من الغضب ومن الجبروت الأمريكي، وتناسى الجميع غضب وجبروت وانتقام رب أمريكا والعالمين أجمعين.

لكن؛ ألم يحن الوقت بعد لنزع الوهن من قلوبنا؟ ألم يستوعب الدرس بعد هؤلاء الحكام الجاثمين على قلوب شعوبهم؟ ألم تع الشعوب أن التغيير لن يأتي حتى نغير ما بقلوبنا؟.. مجموعة أسئلة في خضم الأحداث التي هي البداية وليست في النهاية.

لقد حير لغز سقوط بغداد الكثيرين إن لم نكن جميعنا حيارى، وجاء سقوط العراق رمز الحضارة العربية اليوم كما لو أننا نعيش لحظة سقوط الأندلس بالأمس، ليبقى بينهما القدس الشريف وفلسطين التاريخ، بين أيدي كماشة صهيونية تنتظر ” صلاح” العصر الحديث، هذا في الوقت الذي بات فيه الشام في مهب الريح!..

وتناسلت الأسئلة أيضا عن جدوى وجود الجامعة العربية، وعن المنظمة الإسلامية و مؤتمر القمة العربي ومؤتمر القمة الإسلامي… إلى غير ذلك من المنظمات والقمم الصورية التي تأكد اليوم وقبل أي وقت مضى، أنها عميلة بحكم تركيبتها، للنظام الدولي الجديد الذي صار يتشكل بمفهوم عولمي جديد يتماشى ومنطق القوة أمام ذل حكام الأمة العربية، وخذلان ملوك وشيوخ ورؤساء يتحكمون في رقاب أكثر من مليار ونصف المليار مسلم.

يقول الحق سبحانه وتعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”، وحبل الله هو كتاب الله.. إنه الحبل الممدود من السماء إلى الأرض، والتمسك به عصمة من التقطع.. ولعمري أن الأسباب الرئيسة في فرقتنا وشتاتنا، تعود بالأساس إلى تفريطنا في حبل الله الموصول، وفي تفريطنا في عدم اليقين في وعد الله الذي جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها.ثم تكون مُلكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت.

فهل يمكن القول بأن ما نراه اليوم من جبروت هو بداية الانحدار لنهاية الجبروت؟

على الشعوب أن تعي جيدا أن وعد الله حق، بل وعلينا أن نوقن بأن ما كان إلا ما أراده الحق سبحانه.

صحيح أن الأمة تعيش اليوم ظروفا عصيبة، والواقع يؤكد أن الجبروت الأمريكي ظاهر للعيان بحيث لم يعد أمام غير الموقنين من وعد الله سوى الاستسلام للقوة المادية، لكن المؤمنين الموقنين بالقوة الروحية شأنهم عظيم عند خالق المادة والروح.. ولكي يتحقق لنا النصر علينا أن نهيئ أنفسنا الإعداد الجيد لغد قريب.

لقد هوت كل الإمبراطوريات، وتآكلت الديكتاتوريات؛ وحتى ما تبقى منها فهي في تآكل مستمر. وعشنا عبر التاريخ سقوط إمارات وبلاطات وعروش، وترك لنا هذا التاريخ عبرا لمن يريد أو لا يريد أن يعتبر، من عاد وتمود وفرعون وهامان إلى المغول والفرس والروم، مرورا بالتاتار… إلى السوفيات وغدا الأمريكان.. لكن كلمة الله هي العليا، والكلمة العليا للإسلام، ووعد الله حق: “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”.