يعطي المغرب الحبيب انطباعا سيكولوجيا عاما بأنه يتحرك، هناك تجاذب ومبادرات وتغيير في الأسلوب و”فتوحات” حقوقية ومجتمعية وسياسية قد نبدأها بـ”ثورة” مدونة الأسرة ونتبعها بتوصية “الإنصاف والمصالحة” ونكملها بتشكيل المجلس الأعلى للسمعي البصري.

وقد نضيف إلى هذا بروز خطاب سياسي عام تبنت فيه الدولة كل المطالب لدرجة أنها أصبحت في غنى عن خطابات معارضة أومراقبة، فمشروعها اليوم هو الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان والتقدم.

إلا أن الانطباع السيكولوجي، ونوعية الخطاب السياسي لم يكونا أبدا كافيين ليسير بلد معين باتجاه التغيير. وعندما ترتفع بعض الأصوات في الداخل لتنبه إلى أننا نفتقد للنجاعة ولا نتحرك إلا خارج الواقع الملموس، تتهم بأنها نشاز ودافعها سوء النية ولباسها العرقلة وإيديولوجيتها الهدم وقرارها النهائي هو عدم الانخراط في طريق السعادة الموعودة للمغاربة.

وكل مغربي غيور يتمنى أن تكون السوداوية مجرد هراء، وحتى الذين يعيشون في خيام العزلة يأملون في أن تكون السحابات الموعودة ممطرة خلاصا، ولكن مرة أخرى، يكون الواقع عنيدا لا يرتفع. وعندما نجمع خلاصات لبعض التقارير الدولية في هذا الشأن، تظهر لنا صورتنا التي نعيشها مكذبة لصورتنا التي تسوقها وسائل الإعلام الرسمية.

إن المنظمات والمؤسسات الدولية كانت دائما حجة علينا من طرف المغرب الرسمي، وها هي اليوم تدق الناقوس، ولكل واحد أن يصف دقاته بما يشاء من الخطر إلى السكتة القلبية أو من التحامل إلى استهداف هذا البلد الآمن.

نحن نحتل المرتبة 131 في مجال حرية التعبير وقد نزلنا والحمد لله بأكثر من أربعين درجة في تصنيف منظمة “مراسلون بلا حدود” مقارنة مع السنة الفارطة.

ونحن نحتل المرتبة 126 في التنمية البشرية حسب آخر تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، ونحن نحتل المرتبة 118 في مجال الاتصالات والتكنولوجيا حسب تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات، ونحن دخلنا إلى نادي الدول ذات المخاطر المتوسطة بعدما كنا خارج هذا الإطار قبل 16 ماي حسب معهد مراقبة وتقييم المخاطر البريطانين ونحن تراجعنا من المرتبة 52 إلى 61 حول المنافسة الاقتصادية الدولية حسب المنتدى الاقتصادي العالمي.

ونحن بلد حافل بالرشوة حسب “ترانسبارنسي أنترناسيونال”، وقضاؤنا مريض حسب تقرير للبنك الدولي، ويتوج كل هذا بوضع حقوق الإنسان المطبوع بالاختطافات والتعذيب حسب أمنستي أنترناسيونال وحسب لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة.

لا يمكن أن يتفق كل هؤلاء على الإساءة إلى صورة المغرب المشرقة، ولا يمكن أن يكون قاسمهم المشترك هو استهداف الانتقال المغربي نحو الديمقراطية والتنمية. إنها مرآة تعكس جزءا من الحقيقة. حقيقة الفشل في مباشرة أكثر الملفات حساسية وأهمها من حيث التأُثير المباشر على وضعية المواطن البسيط الذي يرزح تحت عتبة الفقر وتدلهم عليه سبل الخروج من ظلمات الخصاص والقمع.

إن الذين يفضلون أن يقدموا أنفسهم قرابين لمضيق جبل طارق هم المعبرون الحقيقيون عن نتائج هذا الفشل الذي يطوق كل المتبجحين بالمنجزات الخالدة والمبادرات الرائدة.

إن المغاربة ينتحرون في ما يشبه الشهادة من أجل الكرامة، والنخبة تتأرجح ما بين واقع انبطاح أومشروع انبطاح، ولنا أن نتصور وسط هذه الصورة السوداء بأضلاعها الاقتصادية والتنموية والحقوقية والسياسية كيف يستسيغ الحاكمون أن يرفعوا رواتب البرلمانيين وكيف يفكر الوزراء في تغيير سياراتهم وكيف يبررون الحفاظ على الأجور الخيالية في القطاع العام وكيف تقام الولائم الضخمة في أشباه المناسبات وكيف يعيش البعض في مراكب الأحلام وكيف تظل ميزانيات في عداد الطابوهات وكيف وكيف…

إننا لم نبرح مصحة أمراض القلب والشرايين، ولا يعالج المريض بالخطب، وإلا سنكون في دولة “الشعوذة”. فالمرضى في طول البلاد وعرضها محتاجون لدواء حقيقي لم يوصف بعد. أما التشخيص فهو أوضح من أن تخفيه ربطات العنق والسجالات التلفزيونية السخيفة. والمغربي المكلوم يملك من الحقائق أكثر مما تملك المنظمات الدولية، فهل نستمر في تبني خطاب الارتياح كبرنامج رسمي للدولة؟