لا نعتقد ان اقامة القوات الامريكية في بغداد ستكون هانئة وخالية من المخاطر، رغم الانهيار المفاجئ، وغير المفهوم للمدافعين عنها. فعمليات السلب والنهب التي شاهدناها علي شاشة التلفزة في العاصمة، وحوادث الانتقام وتصفية الحسابات الدموية في البصرة، كلها تؤشر الي مرحلة جديدة، ربما تكون اكثر صعوبة من الاسابيع الثلاثة الاولي للغزو.

فالتحديات التي تواجه المحتلين الامريكان والبريطانيين ضخمة، وما هو اضخم منها توقعات الشعب العراقي، او قطاع عريض منه، بالرخاء والاستقرار والديمقراطية، ولا نعرف ما اذا كانت الحكومتان البريطانية والامريكية اللتان تحملتا مسؤولية عملية التغيير في العراق قادرتين علي التجاوب وبسرعة مع التوقعات العراقية، والايفاء بوعودهما في الحفاظ علي وحدة العراق، وتشكيل حكومة مركزية قوية تتمتع بصفة تمثيلية عادلة لكل ألوان الطيف الطائفي والاثني والديني العراقي.

تقديراتنا تؤكد ان مهمة القوات المحتلة في حفظ الامن، وتكريس السيطرة العسكرية واقامة حكومة مركزية قوية في العراق ربما تكون مهمة شبه مستحيلة، علاوة علي كونها مكلفة جدا ماليا وبشريا، ويمكن تلخيص اسبابنا في هذا الاعتقاد في النقاط التالية:

اولا: هناك مؤشرات حقيقية حول وجود انقسامات ضخمة بين قوي المعارضة الخارجية، وغياب اي تنسيق بين فصائلها وجهاتها المتعددة، فالدكتور احمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني هبط في الناصرية بطائرة عمودية امريكية، والجنرال نزار الخزرجي حط الرحال في الكويت، ومن ثم البصرة، بعد عملية تهريب غامضة من قبل وكالة المخابرات المركزية الامريكية. اما الشريف حسين بن علي، وغسان العطية، وعدنان الباجه جي ففضلوا البقاء في لندن وعقد مؤتمر صحافي اظهروا فيه تباين موقفهم مع مواقف الآخرين، وخاصة الدكتور الجلبي، بينما دخل السيد عبد المجيد الخوئي النجف علي ظهر دبابة امريكية.

ثانيا: بعد انحسار سلطة حزب البعث بقيادة الرئيس العراقي صدام حسين، لم يعد هناك اي داع لاستيراد حكام معارضين من الخارج، فعنصر الخوف زال، وبات في مقدور المعارضة الداخلية ان تفرض وجودها، وتؤكد احقيتها في الحكم، لانها صمدت في الداخل وتحملت كل انواع المعاناة. فاذا كان الكويتيون الذين بقوا في الكويت طوال الشهور السبعة من الاحتلال العراقي فضلوا انفسهم علي الفارين من ابناء جلدتهم، وظلوا يعايرونهم لسنوات بهروبهم، وعدم مشاركتهم في الصمود والمقاومة، فكيف سيكون الحال مع العراقيين الذين بقوا تحت الحكم الدكتاتوري لاكثر من ثلاثين عاما، وخسروا الكثير من ابنائهم وحرياتهم بسبب شك النظام في ولائهم.

ثالثا: صحيح ان قسما من الاشقاء الشيعة احتفل بزول السلطة العراقية بالترحيب بالقوات الامريكية، ولكن الاغلبية الساحقة من هؤلاء، سيلتزمون بالفتاوي التي اصدرتها مرجعياتهم في النجف الاشرف وقم بتحريم التعامل مع القوات الغازية باعتباره خيانة، وضرورة مقاومة الغزاة. فهذه هي المرة الاولي التي تتوحد فيها المرجعيتان الشيعيتان، علي فتوي كهذه.

رابعا: المسؤولون الامريكيون بدأوا اطلاق التهديدات لكل من سورية وايران، فور سقوط بغداد، وهذه التهديدات ربما تؤدي الي ردود فعل عملية تنعكس دعما لمقاومة عراقية شيعية وسنية للقوات الامريكية. فحدود ايران مع العراق تزيد عن الفي كيلومتر، وحدود سورية مع العراق اقل من ذلك بقليل.

خامسا: الوجود العسكري الامريكي في السعودية هو الذي افرز ظاهرة الشيخ بن لادن وتنظيم القاعدة، ومن غير المستبعد ان يؤدي الوجود العسكري الامريكي ـ البريطاني الي ظهور ظواهر مماثلة، سنية وشيعية وعلمانية. فحزب البعث مازال موجودا رغم هزيمته في العاصمة. وعراق اليوم يذّكر بالوضع في افغانستان بعد الاجتياح السوفييتي، والاردن ولبنان بعد هزيمة حزيران (يونيو) عام 1967.

سادسا: النسيج القبلي والعشائري والطائفي والاثني في العراق معقد جدا، وكل عشيرة او طائفة او اقلية تشعر انها غير ممثلة التمثيل الجيد في السلطة بعد انهيار حكم البعث، اذا انهار فعلا، ستتحول الي المعارضة.

الرئيس العراقي صدام حسين باسلوبه الخشن والدموي في الحكم قسم العراقيين من ناحية، وولد معارضيه من ناحية اخري. وانتهاء حكمه ربما يقسم المعارضة، ويوحد الشعب العراقي كله ضد الغزاة الامريكيين.

الامريكان دخلوا العراق، وحققوا هدفهم بالاطاحة بقوات النظام واخراجها من بغداد، تري من سيخرجهم من العراق، وكيف، وبأي ثمن، وبعد كم سنة؟

واخيرا نسأل عن شعور الزعماء العرب الذين خذلوا العراق، وتواطأوا مع الغزو، عن مشاعرهم وهم يرون تماثيل زميلهم صدام حسين تتهاوي الواحد تلو الآخر في البصرة وبغداد والناصرية، هل فكروا جيدا واستخلصوا الدروس.

نعتقد ان تمثال صدام حسين لن يكون الوحيد الذي سيسقط، فستتلوه تماثيل اخري قريبا، في اكثر من عاصمة عربية. فقد ثبت ان قوات الجيش والامن مهما كان بطشها لا تستطيع ان تحمي نظاما دكتاتوريا، خاصة اذا اراد أسياده وحماته تغييره. ومعلوماتنا ان الادارتين البريطانية والامريكية بدأتا تبحثان البدائل وتقلبان في الاسماء، استعدادا لتغيير انظمة في مصر والسعودية وسورية وايران.