لقد أعلنت الاستراتيجية الأمريكية الراهنة عن أهدافها، إزاء نظرتها لموقع الولايات المتحدة في عالم اليوم، ونظرتها للآخرين، وتقويمها لعلاقاتها مع الحلفاء وفي مقدمهم أوروبا واليابان، أو تقويمها للخصوم وفي مقدمهم روسيا والصين، أو تقديرها لسيناريوهات تطور ونشوء حلفاء أو خصوم محتملين، بشكل مدهش وغير خجول.

هذه الاستراتيجية يلخصها مشروع القرن الأمريكي الجديد الذي كتب عنه أخيرا في الصحافة الأمريكية والغربية، والذي صاغته مجموعة صقرية من مفكرين واستراتيجيين أمريكيين قبل عامين برعاية معهد المبادرة الأمريكية ومعهد هدسون.

باختصار أهداف هذه الاستراتيجية تقوم على:

* ضرورة ضمان التفوق الأمريكي المتفرد على بقية العالم في القرن الحادي والعشرين، وينص على أنه من أجل تحقيق ذلك، فلابد من تبني سياسة هجومية غير اعتذارية وانفرادية غير مترددة، تعتمد على القوة العسكرية بالدرجة الأولى.

* يقول صاغة المشروع أيضاً بأن هناك حاجة إلى بيرل هاربر جديدة، تسوغ اعتماد الاستراتيجية الهجومية الجديدة، وتشل قدرة النقاد والمعارضين عن الوقوف في وجه الولايات المتحدة. جاءت تفجيرات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 الغبية لتقدم على طبق من ذهب لصناع ذلك المشروع، الفرصة التي لا يمكن تفويتها للشروع الفوري في تطبيق المشروع. والمفارقة الكبيرة هنا أن الذين صاغوا ذلك المشروع، كمبادرة نظرية في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون، أصبحوا صناع السياسة والقرار في عهد جورج بوش الابن، وعلى رأسهم دونالد رامسفيلد وزير الدفاع، وريتشارد بيرل رئيس هيئة علوم الدفاع، وبول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع، وريتشارد ارميتاج نائب وزير الخارجية وعدد آخر من صقور اليمين الجمهوري(1).

* ولقد ركزت كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس الأمريكي للأمن القومي في اجتماع محدود في نيسان (أبريل) 2002، على أن زلزالا بضخامة أحداث 11 أيلول يمكن أن يؤدي إلى تحول كامل في الهيكل المعماري لكل السياسات الدولية، وأن النظام الدولي كان في حال سيولة منذ انهيار القوة السوفياتية، والآن من الممكن أن يصل هذا التحول إلى نهايته. إذا كان هذا صحيحاً فهذه إذاً، ليست فقط فترة من الخطر الفادح ولكنها أيضاً فترة من الفرصة الضخمة، فترة قريبة الشبه بما جرى عالمياً بين سنتي 1945و1947 عندما وسعت القيادة الأمريكية قاعدة الدول الحرة(2).

صراع الحضارات

لقد قامت هذه الاستراتيجيات الفوقية مثل خطة القرن الأمريكي الجديد، أو استراتيجية الأمن القومي، على نظرية صراع الحضارات التي ما زال برنارد لويس ينظّر لها منذ سنين طويلة. يصدر برنارد لويس الذي يعد في المؤسسة الأكاديمية الغربية، وفي وسائل الإعلام الغربية كذلك، باحثاُ كبيراً وحجة في موضوع الإسلام والشعوب الإسلامية، عن رؤية عدائية متأصلة ضد الإسلام والمسلمين.

لقد أصدر برنارد لويس أكثر من مائة كتاب وموسوعة وبحث أكاديمي خلال مسيرته الثقافية وتعليمه الأكاديمي. وهو بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001انحدر بعمله إلى مستوى التبسيط والدعاية السافرة التي تخدم أغراض صانع القرار الأمريكي في تحشيد الرأي العام ضد الإسلام والمسلمين وتعميم صور نمطية تسوغ الحملة التي تقودها أمريكا ضد ما تسميه الإرهاب الإسلامي. ولا داعي للتذكير بأن جذر أطروحة صمويل هنتنغتون حول صراع الحضارات مأخوذ من مقالة برنارد لويس (جذور السخط الإسلامي) التي نشرها في مجلة الأتلانتيك مونثلي (أيلول 1990)، وكانت بمثابة الملهم الأساسي لهنتنغتون لكي يكتب مقالته الشهيرة في مجلة الفورين أفيرز الأمريكية التي حولها في ما بعد إلى كتاب سماه (صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي). ويمكن القول إن مقالة برنارد لويس المذكورة ترجع العنف الإسلامي إلى الدين الإسلامي نفسه حيث أن الإسلام، بتعبير لويس (نفخ روح الكراهية والعنف بين أتباعه، ومن سوء حظنا فإن جزءاً من العالم الإسلامي.. لا يزال يرزح تحت وطأة هذا الميراث، ومن سوء حظنا كذلك أن غالبية هذه الكراهية والعنف موجهة ضدنا في الغرب وضد ميراثنا اليهودي – المسيحي، وضد حاضرنا الراهن، وضد امتدادهما العالمي).

إن التحشيد النفسي، الذي قاده أناس من أمثال برنارد لويس لتنبيه العالم الغربي إلى ما يسميه الخبراء الاستراتيجيون الخطر الإسلامي على الحضارة الغربية، أعطى نتائج خطيرة على الصعيد الجيو – سياسي. ونحن نشهد الآن موجة كاسحة من الكتابات التبسيطية حول الإسلام والمسلمين تعود بنا إلى الصور النمطية الاستشراقية الصليبية. هكذا يبدو العالم مقسوماً، بحسب الرؤية السياسية للإدارة الأمريكية الحالية، إلى أخيار وأشرار، إلى من هم معنا ومن هم ضدنا(3).

وإذا كان الرئيس بوش، بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) قد اعتذر عن استخدامه لفظ الحروب الصليبية.. وإعلانه أن الإدارة الأمريكية ليست ضد الإسلام. غير أن توصيفه للمقولة الحالية باعتبارها معركة بين الخير والشر وبين الحضارة والبربرية إضافة إلى إشاراته الدينية التي لا نهاية لها، تغذي فكرة الصدام بين الحضارات. الشعار الذي عممه صموئيل هانتنغتون، والذي ابتكره تحديداً المستشرق برنارد لويس الذي يبدي دعماً لا مشروطاً لإسرائيل وله تأثير كبير لدى الإعلام الأمريكي.. والذي يعتبر الصراع مع الإسلام واقع لا محالة.

وعلى غرار برنارد لويس، دانيال بايبس، القريب من المحافظين الجدد، ودونالد رامسفيلد الذي شبه قبل سنة 1990 المنظمات التوليتارية بالإسلام الراديكالي الأقرب فكرياً إلى حركات مثل الشيوعية والفاشية منه إلى الديانة التقليدية.

يثير هذا الجدل، الذي يردده اليمين المحافظ المسيحي الأمريكي، بلبلة لدى الرأي العام الغربي، ، بما في ذلك في أوروبا حيث يتم الخلط بعيداً عن أي تمييز بين الإرهاب وانعدام الأمن والسلام. وهو يغذي على طريقة المرايا المتواجهة تعصب أسامة بن لادن وأمثاله، ويسمح له بالتعبئة باسم الدفاع عن الإسلام، ضد الغرب والصليبيين واليهود.

في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان (مسلمو الغرب ومستقبل الإسلام) يشير الفيلسوف والمفكر الديموقراطي المسلم، طارق رمضان، عقب زيارات متعددة إلى العالم الإسلامي وأوروبا والولايات المتحدة، إلى أن العناصر التي يمكن أن تؤدي إلى صدام الحضارات موجودة بالفعل على صعيد العقليات: فهناك لدى هذا الطرف وذاك، جهل للآخر وللذات، وحكم متهور، هذا من دون الأخذ بالمصالح السياسية والجيوسياسية المتناقضة، مما يشكل ملامح موضوعية يمكن أن تؤدي إلى مثل هذا الشرخ.

إن الحرب على العراق ستساهم بذلك. فهي تقلب شعوب الجنوب ضد شعوب الشمال وتغذي في صميم المجتمعات الغربية تمزقات مأساوية(4).

يقول بول ولفوفيتز وزير الدفاع المساعد للولايات المتحدة: (لقد تمكن برنارد لويس – بشكل باهر- من وضع علاقات وقضايا الشرق الأوسط في سياقها الأوسع وبفكر موضوعي وأصيل ومستقل دوما.. لقد علّمنا برنارد كيف نفهم التاريخ المعقد والمهم للشرق الأوسط ونستعمله لتحديد خطوتنا التالية لبناء عالم أفضل لأجيال عدة)!

لا شك أن ولفوفيتز وبقية صقور الإدارة الأمريكية مدينون لهذا المؤرخ من جامعة برنستون، إذ أن لويس -الذي يبلغ 86 سنة- لم يقدم تبريرا تاريخياً للحرب على الإرهاب فحسب، بل برز كالمنظر الأيديولوجي الرئيسي لإعادة استعمار العالم العربي من خلال غزو العراق.

وقد أصبح كتاب لويس (ماذا كان الخطأ: التأثير الغربي والتجاوب الشرق أوسطي) بمثابة بيان للداعين إلى التدخل الأمريكي تحت شعار (إقامة الديمقراطية في الشرق الأوسط).

فقد قدم تبرئة تامة للسياسة الأمريكية الإمبريالية، ووفر أساسا أخلاقياً لمبدأ جورج بوش في الضربة الاستباقية، وتغيير النظام من خلال إعلانه أن سكان الشرق الأوسط، أي العرب والإيرانيين، قد فشلوا في اللحاق بالحداثة وسقطوا في دوامة متزايدة العمق من الحقد والغضب. لكن دور هذا الرجل -وفقا لأقواله والتقارير المنشورة عنه- ساهم في تسويغ وصياغة أشد سياسات الإدارة الحالية صقورية ودعماً لإسرائيل والعداء للفلسطينيين، والاستعمال العدواني لقوة امريكا العسكرية في المنطقة.. وكان لويس حسب صحيفة (يو أس أي توداي)، من المشاركين في اجتماع خاص للمجلـس الاستشـاري للـدفـاع في 19 أيلول (سبتمبر) 2001 تم تحديد موعده

قبل هجمات 11 سبتمبر.. وتجمع التقارير على أن لقاءات لويس مع الرئيس بوش، لعبت دورا حاسماً في إقناعهما بموقف ولفوفتيز الداعي إلى تغيير الأولويات والتركيز على الحرب على العراق.

إزالة الخطر العربي على إسرائيل

وحاجج لويس في هذه الاجتماعات المهمة، بأن هجمات 11 سبتمبر، برهنت على الخطر على الغرب في حال حصول الإرهابيين الإسلاميين على أسلحة الدمار الشامل من العراق أو سورية أو إيران.. وركز في نداءاته إلى الإدارة، وفي عدد من المقالات على أنه لا يمكن للولايات المتحدة إظهار الضعف تجاه العرب والمسلمين.. ويذكر لويس أحيانا كثيرة الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وينتقده لأنه كان أبكر من اللازم، ويعتبر أنه كان مؤشراً على الضعف ودفع الفلسطينيين إلى إطلاق الانتفاضة الثانية إقتداء بحزب الله اللبناني.

لكن الخدمة الأثمن التي يقدمها لويس للوبي المتشدد هي توصيفه العام للعلاقة بين المسلمين والغرب. فهو يرى أن شكاوى العرب والمسلمين من الغرب تفتقر في مجملها إلى أساس، وهي لا تتجاوز أن تكون محاولة يائسة من مجتمعات فاشلة لتحميل قوى خارجية، خصوصاً الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية التعاسة التي صنعتها لنفسها.. إضافة إلى ذلك يقدم لويس غطاء علميا لنشاط اللوبي الداعي علناً إلى إعادة صياغة الخريطة الإقليمية في شكل يؤدي إلى إزالة الخطر العربي على إسرائيل.

وكتب في مجلة (فورين أفيرز) في 1992: غالبية دول الشرق الأوسط.. مصطنعة وحديثة التكوين وهي مكشوفة لعملية كهذه.. وإذا تم إضعاف السلطة المركزية إلى الحد الكافي فليس هناك مجتمع مدني حقيقي يضمن تماسك الكيان السياسي، ولا شعوراً حقيقياً بالهوية الوطنية المشتركة، أو ولاء جارفاً للدولة – الأمة.. وفي هذه الحال تتفكك الدولة -مثلما حصل في لبنان- إلى فوضى من الطوائف والقبائل والمناطق والأحزاب المتصارعة).

العالم العربي كما يراه لويس

في مؤتمر بعنوان (اليوم التالي: التخطيط لعراق ما بعد صدام) نظمه معهد أمريكان انتربرايز اليميني في 3 تشرين الأول (أكتوبر) 2002 مفتتحاً به سلسلة من الندوات عن الموضوع، طرح لويس نظريته القائلة بأن معارضة التدخل العسكري الأمريكي يعني رفض الديمقراطية في المنطقة!!

واعتبر أن غزو العراق يمثل حملة للديمقراطية تثير موقفين مختلفين من قبل الأمريكيين:

الأول- يمكن إيجازه بهذا الشكل : العرب عاجزون عن إقامة الحكم الديمقراطي. العرب مختلفون عنا، وعلينا أن نكون -بمعنى من المعاني- أكثر معقولية في ما نتوقعه منهم وما يتوقعونه منا.. ومهما فعلنا فإن تلك الدول ستبقى تحت سلطة طغاة فاسدين. ولذا فإن هدف سياستنا الخارجية يجب أن يكون ضمان أن يكونوا طغاة أصدقاء وليس معادين.

الموقف الآخر- يختلف إلى حدّ ما. فهو يبدأ من النقطة نفسها تقريباً وهي أن البلاد العربية ليست ديمقراطية، وأن إقامة الديمقراطية في المجتمعات العربية ستكون مهمة صعبة. لكن العرب قابلون للتعلم ومن الممكن أن يتوصلوا إلى الديمقراطية، شرط أن نرعاهم ونطلقهم بالتدرج على طريقنا هذا – أم هل علي القول: على طريقهم هم.

ويستخلص: هذا الموقف يعرف بالإمبريالية.. وهو نهج استعملته الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية في بعض مناطق الانتداب والمستعمرات، ما أدى إلى خلق حكومات على صورة حكوماتهما.. فقد أقام البريطانيون في العراق وسورية وغيرهما ملكيات دستورية.. فيما أقام الفرنسيون أنظمة جمهورية مفتقرة إلى الاستقرار.. ولم تبرهن هذه الأنظمة على نجاح كبير، لكن الأمل يبقى.

المعروف عن لويس أنه خدم الدولة البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية. وهو لا يكتفي بالحنين إلى تلك الأيام، بل يقدم خدماته بحماس للإمبراطورية الأمريكية الجديدة آملاً في أنها ستواصل المسيرة التي تخلى عنها البريطانيون والفرنسيون(5).

اليمين المسيحي المتصهين

يدعم هذا التوجه السياسي اليميني المتطرف.. تطرف ديني تمثله المسيحية الأمريكية الصهيونية، التي تؤمن بضرورة قيام إسرائيل ودعمها، لأنها علامة إلهية على قرب نزول المسيح في الأرض المقدسة ليهلك الأشرار الفجار ويقود الأخيار الأبرار، في معركة عالمية لا سابق لها، تنتهي بتأسيس مملكة الرب السعيدة ذات الألف عام. وبالإحصائيات والأرقام والمعطيات وبحكم علاقتها مع رموز هذه الحركة الخطيرة، استطاعت الكاتبة غريس هالسل في كتابها يد الله أن تضع صورة مكتملة عن نفوذ هذه الجماعة الأصولية.

الأصوليون المسيحيون القدريون يتعاونون ليل نهار مع الصهاينة لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل، والأحداث المتلاحقة تؤكد ذلك على أرض فلسطين المحتلة.

وتتساءل الكاتبة: لماذا تضحي الولايات المتحدة بمصالحها من أجل إسرائيل؟

وتجيب على التساؤل فتقول: (اللآسامية) أو كراهية اليهود ليست شعوراً نازياً فقط، كما تروج لذلك الإمبراطورية الإعلامية الصهيونية، بل إن الأصوليين المسيحيين الأمريكيين يكنون لبني إسرائيل المتصهينين المحتلين كراهية عميقة الجذور، ومساندتهم لهم في إنشاء إسرائيل ليست حباً فيهم، ولكن رغبة في تجميعهم في مكان واحد والتخلص منهم في المعركة المتوهمة.

تقول غريس هالسل: إن البروفيسور كيلي إنجرام الأستاذ المتقاعد عن مدرسة اللاهوت في جامعة دوك، في دراسة له إن الكنيسة المسيحية كانت على مدى تاريخها معادية للسامية وتشير دراسته إلى أنه على مدى 1700 سنة مارست الكنيسة الكراهية المؤسسة على قضايا عقائدية.

غير أن المساندة القوية اليوم لدولة إسرائيل من قبل الأصوليين المسيحيين الأمريكان لا تقوم على محبة خاصة لليهـود، ولكنها تقوم على عقيدة مسيحية تؤمن بتجميع اليهود في إسرائيل وعودة

المسيح وقيادته للمسيحيين الأصوليين من ذوي النفوذ يعلمون أتباعهم -كما تقول هالسل- بأن اليهود كانوا المحرضين على القيام بمؤامرة عالمية.

اليهود من جانبهم يعرفون هذا، ولكنهم بمكر ودهاء سياسي لا يلتفتون إلى مشاعر الكراهية، بقدر ما يلتفتون إلى التأييد القوي لكيانهم الغاصب، فإسرائيل وقوتها أهم من كل شيء لديهم، ولذلك يتحالفون مع اليمين الليبرالي المسيحي المتطرف بالولايات المتحدة، وغريس هالسل تستشهد بما قاله ناثان يرلموتر من عصبة مقاومة الافتراء التابعة لمنظمة بناي بريث وهي منظمة يهودية متطرفة في كتاب (اللاسامية الحقيقية في أمريكا) في الوقت الحاضر نحتاج إلى جميع الأصدقاء لدعم إسرائيل.. فإذا جاء المسيح يومذاك نفكر بالأمر، أما الآن فلنسجد للرب ونرسل الذخيرة إلى إسرائيل.

القدريون الأمريكيون يضغطون على البيت الأبيض، ويحرضون واشنطن على الحضور في الشرق الأوسط ومساعدة إسرائيل: فالمسيح قد اقترب زمان خروجه، وذلك موعد لا ينبغي تفويته مهما كان الثمن(6).

لقد أفرزت تلك الصهيونية المسيحية أكثر من 1200 حركة دينية متطرفة، يؤمن أعضاؤها بنبوءة نهاية العالم الموشكة في معركة هرمجدون، وهذه الحركات تنتج أفلاما سياسية على أنها أفلام دينية تخدم فكرة دعم إسرائيل بوصفها ساحة المواجهة الأخيرة قبل نزول المسيح عليه السلام، مثل فيلم (إسرائيل مفتاح أمريكا إلى النجاة)، وفيلم (القدس D.C)، الذي أجمع كل من شاهده على أنه يبعث رسالة واضحة مفادها: اشكروا الله وأرسلوا الذخيرة إلى إسرائيل!!!

تحول أمريكا إلى قوة سيطرة استعمارية

وللتعريف ببعض جوانب هذا التيار الفكري في الثقافة السياسية الأمريكية، أكتفي بالإشارة إلى ما صدر حديثاً من دراسات جادة في هذا المجال. إذ صدر عن دار نشر جامعة هارفارد كتاب بعنوان (الإمبراطورية) لمايكل هاردت وأنتونيو نيغري تناولا فيه تركيب النظام العالمي في الوقت الحاضر، وتبدل مفاهيم السيادة، ونشوء قوة مضادة للإمبراطورية المسيطرة، واحتمالات تقهقر الإمبراطورية

وسقوطها. ومن خلال ذلك نتبين انهيار مفاهيم سيادة الشعوب على مصيرها في ظل نشوء سيادة القوة التي تتحكم بالعالم من خلال العولمة التي لا تقبل حدوداً.

لقد اتخذت السيادة مفهوماً جديداً يتعدى الحدود ويتمثل بقيام نظام عالمي واحد يخضع لمنطق واحد للحكم. في ظل هذا النظام العالمي تفقد الشعوب والأمم حقوقها بالسيادة على مواردها ومقدراتها وبتقرير مصيرها، وهذا ما سماه المؤلفان (الإمبراطورية). أما مركز السلطة النهائية التي تدير العولمة والنظام العالمي فهو الولايات المتحدة منفردة. فإذا كان القرن التاسع عشر هو القرن البريطاني والحداثة هي أوروبية ، فالقرن العشرون هو قرن أمريكا، وما بعد الحداثة هو العصر الأمريكي(7).

(1) الحياة- خالد الحروب 27/2/2003.

(2) الحياة- محمود عوض 17/1/2003.

(3) فخري صالح- الحياة 13/11/2002.

(4) آلان غريش- رئيس تحرير صحيفة لوموند دبلوماتيك الفرنسية 1/2/2003.

(5) رسالة الإخوان 17/1/2003.

(6) من كتاب يد الله- غريس هالسل.

(7) الحياة- 5/2/2003م.