انعقدت كما هو معلوم في الأيام الأخيرة قمتان عربيتان أمريكيتان، وقد احتظنتهما على التوالي كل من مصر والأردن، وهللت لهما كما العادة، أبواق الدعاية الصهيونية على أنهما ” قمتا الخلاص النهائي لأزمة العرب وإسرائيل “.. لكن الحقيقة التي لا يستطيع أن يجادلها إلا جاحد، هي أن القمتين معا، انضافتا إلى باقي القمم السابقة في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، و كانتا بأوامر أمريكية، هذه الأوامر التي ترسم خريطة العرب الجديدة.

فكانت خارطة الطريق هي بداية الطريق بعد إزاحة عراقيل العراق وسوريا ولبنان من الطريق.

لقد طالب الرئيس الأمريكي بوش الفلسطينيين بوقف ما اسماه الإرهاب، وأشاد بتعهد الزعماء العرب. التعهد الذي يقضي بالتصدي لـ” الإرهاب” بغض النظر عن تبريراته، وبقطع المعونات عن التنظيمات الفلسطينية. كما طالب بوش إسرائيل في ذات الوقت، بأن تتعامل مع المستوطنات و تتأكد من وجود” أراض متصلة بإمكان الفلسطينيين أن يدعوها وطنا “.. هذا، بالإضافة إلى مطالبته الدول العربية باتخاذ المزيد من الخطوات التطبيعية مع إسرائيل، الخطوات التي اعتبرها بوش “مبادرة حسن نية” من أجل تشجيع الإسرائيليين على تطبيق خارطة الطريق.

لقد قدمت الولايات المتحدة رسميا هذه الخطة التي أطلقت عليها خطة التسوية السياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلى الأطراف المعنية. وأكدت واشنطن أن الخطة مطروحة للتطبيق وليس للتفاوض، الأمر الذي يعني مباشرة موافقة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على الخطة، ثم البدء فيما بعد في عملية التطبيق إلى قيام الدولة الفلسطينية نهاية عام 2005..

خارطة الطريق، هل هي الحل النهائي؟

تتكون الخطة من ثلاث مراحل:

الأولى: تتجه في ظاهرها صوب إتمام الإصلاحات في السلطة الوطنية الفلسطينية، وذلك عن طريق وضع مسودة دستور، وتعيين رئيس للوزراء بصلاحيات كاملة، مقابل تجميد كافة الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية وقطاع غزة. في الوقت ذاته تقوم الحكومة الإسرائيلية باتخاذ مجموعة من الخطوات للتخفيف من وطأة الضغوط على الشعب الفلسطيني، وفيها تعود القوات الإسرائيلية إلى الأوضاع التي كانت عليها قبل اندلاع الانتفاضة في 28 سبتمبر2000. وحسب الخطة، فإن هذه المرحلة تنتهي في ماي 2003.

الثانية: وتتعلق بمواصلة الإصلاح في هياكل السلطة الوطنية الفلسطينية، وإعادة استئناف المفاوضات الإقليمية متعددة الأطراف، ووضع دستور الدولة الفلسطينية. كما تتضمن هذه المرحلة أيضا، عقد مؤتمر دولي تشارك فيه اللجنة الرباعية التي وضعت الخطة بهدف دعم الاقتصاد الفلسطيني وإطلاق عملية تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة. وتنتهي هذه المرحلة بإعلان دولة فلسطينية بحدود مؤقتة.

الثالثة: تستمر على مدار العامين 2004 و2005، ويعقد خلال هذه المرحلة مؤتمر دولي ثان بمشاركة اللجنة الرباعية، للمصادقة على كل الاتفاقات التي يتم التوصل إليها بشأن قضايا الدولة الفلسطينية. ويتم خلال هذه الفترة التوصل إلى اتفاق حول كل قضايا الوضع النهائي من قدس ومستوطنات وحدود ولاجئين، وقيام دولة فلسطينية مستقلة بحدود نهائية على الأراضي التي احتلت في حرب يونيو 1967، وتم النص صراحة على أن الدولة ستعلن بالتراضي، حيث سيتم الاتفاق على كل القضايا الخلافية عبر التفاوض ( قضية اللاجئين و وضع القدس الشريف ).

فهل ينتظر أي حل خلال هذه المراحل، خصوصا إذا استحضرنا نقض الطرف الإسرائيلي لكل الاتفاقات الموقعة مع الجانب الفلسطيني؟ وهل يمكن الاعتماد على خطة مكونة أساسا من بنود غير ملزمة تعتمد حلولا احتمالية التفاوض؟؟

القمة الأولى تمهيد للثانية

مصر، السعودية، الأردن، البحرين وفلسطين.. كانت هي التشكيلة العربية التي حضرت القمة العربية الأمريكية الأولى في منتجع شرم الشيخ، وذلك بعد عدول المغرب عن المشاركة لأسباب داخلية، وبعد استبعاد كل من لبنان وسوريا بسبب مواقف هذه الأخيرة من الحرب الأمريكية على العراق، ودعمها لما تسميه أمريكا إرهابا، في إشارة إلى الدعم السوري لحزب الله اللبناني وباقي حركات المقاومة الفلسطينية – حماس والجهاد -، والعلاقة مع إيران.. إضافة إلى مواقف لبنان ذات الارتباط الوثيق بالقضية الفلسطينية.

فكان الحاضر الغائب الأول هو الرئيس الفلسطيني، ياسر عرفات المستبعد عمليا من كل اللقاءات، بحيث كان الاختيار الأمريكي لأبي مازن، الوزير الأول الذي ارتضته إسرائيل وأمريكا، اختيارا تحاول من خلاله الولايات المتحدة الأمريكية إعادة العرب إلى طاولة المفاوضات، وإلى مسار التسوية والسلام على الطريقة الأمريكية الإسرائيلية.

إن الهدف الرئيس من القمة الأولى، قمة شرم الشيخ، هي التحضير النفسي والعملي للقمة الثانية التي تعول عليها أمريكا وإسرائيل أكثر، ومحاولة الدفع العملي بمسألة محاربة الإرهاب بالمنظور الأمريكي، الأمر الذي يعتبر أهم مطالب الولايات المتحدة الأمريكية التي نالت الترحيب، وبدون شروط من طرف الزعماء العرب الحاضرين والغائبين، سيما مع تزايد العمليات التخريبية داخل البلاد العربية.

كما أن الملاحظ من الأهداف الأمريكية، ضمان الدعم السياسي والمالي على وجه الخصوص، لنجاح مخطط الولايات المتحدة الأمريكية الجديد والذي بات معروفا بخارطة الطريق. الأمر الذي يفسر حضور السعودية والبحرين، والموافقة الضمنية لقطر من خلال زيارة بوش التي تعتبر أول زيارة لرئيس أمريكي لهذه الإمارة الخليجية.

لقد اختتمت أشغال القمة بالالتزام العربي التام بمكافحة الإرهاب، وبالتعهد الأمريكي القاضي بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة.. وبقي حديث بوش و مبارك مِؤرخا إذ أن الأول أكد أنه ” يجب ألا نسمح لقلة من الناس، لقلة من القتلة، قلة من الإرهابيين بتدمير أحلام وآمال الكثيرين”.. في حين شدد الثاني التأكيد على ضرورة أن ” نستخدم جميع الوسائل المتاحة لمنع وصول أي دعم للجماعات غير الشرعية، ومواصلة التأييد لجهود السلطة الفلسطينية في محاربة العنف”.

القمة الثانية ” العقبة “

ظهر جليا إذن أن قمة العقبة جاءت تتويجا لقمة شرم الشيخ، وبدا أن خطة بوش الرامية في ظاهرها إلى تسوية القضية الفلسطينية، ما هي في حقيقة الأمر سوى ذريعة أمريكية جديدة لكسب مزيد من الدعم العربي والدولي لإدارة الحرب على الإرهاب بالمنظور الأمريكي.

بهذه اللغة الأمريكية، فإن إصبع الاتهام يتجه صوب المقاومة المسلحة الفلسطينية المسماة “إرهابا” فلسطينيا، ولذلك، بات على الدول العربية أولا، محاصرة حركات المقاومة، وصار الدور الأساس للوزير الأول الفلسطيني أبو مازن هو القضاء على ” الإرهاب الفلسطيني “.. والهدف الأول والأخير من قمة العقبة، وضع مخطط عربي أمريكي إسرائيلي لإنهاء هذا “الإرهاب” المسلط على شارون “المسالم”؟

لقد نجحت القمة في تثبيت واقع جديد على الساحة الفلسطينية، واقع ينبئ بمزيد من العمليات الفدائية خصوصا مع تأكيد الوزير الأول أبو مازن بالعمل على نزع سلاح المقاومة: ” سنبذل كل الجهود وسنستخدم كل إمكانياتنا لتنتهي الانتفاضة المسلحة، وعلينا أن نستخدم الوسائل السلمية في سعينا لإنهاء الاحتلال ومعاناة الفلسطينيين والإسرائيليين وبناء الدولة الفلسطينية (…) هدفنا واضح وسنطبقه بحزم وبلا هوادة، نهاية كاملة للعنف والإرهاب”. الأمر الذي دفع بحركتي حماس والجهاد، إلى الإفصاح عن مواقفها المتمثلة في تمسكها بخيار المقاومة المسلحة.

فقد سارعت فصائل المقاومة الفلسطينية إلى التمسك بالمقاومة وعبرت عن سخطها إزاء موقف أبي مازن الذي قالت إنه تجاهل حقوق ومعاناة شعبه، وتذكر معاناة اليهود، وقدم التزامات مجانية لحفظ امن الاحتلال وإنهاء الانتفاضة المسلحة.

وعلى خلفية بيان الوزير الأول الفلسطيني، قال القيادي البارز في حركة حماس عبد العزيز الرنتيسي في تصريح لوكالة فرانس برس إن الحركة ” ستقف إلى جانب الشعب الفلسطيني ومع البندقية ولن تسمح لأحد بأن يتنازل عن أي شبر من ارض الوطن فلسطين”. واعتبر الرنتيسي أن محمود عباس” تنكر لمعاناة الشعب الفلسطيني وذكر أن الشعب الفلسطيني إرهابي ويقتل اليهود” مضيفا ” أصبحت المعاناة أمام العالم هي معاناة اليهود ونحن لا وجود لمعاناة شعبنا وان المشكلة يهودية وقد جاء أبو مازن لحل مشكلتهم” في إشارة إلى الإسرائيليين.

وأضاف الرنتيسي أيضا ” يجب أن نتمسك بحق العودة التي لم يذكر منها أبو مازن أي شيء”.

من جهته قال محمد الهندي احد القادة البارزين في حركة الجهاد الإسلامي لفرانس برس إن محمود عباس ” قدم مسائل مجانية وتعهد بإنهاء العمل المسلح في الانتفاضة، والمقاومة هي الورقة الوحيدة في يد المفاوض الفلسطيني”. ورأى الهندي أن محمود عباس ” دان الإرهاب ضد الإسرائيليين وكان من المفروض إدانة الاحتلال والإرهاب الصهيونيين”. وشدد الهندي على أن ” المقاومة الفلسطينية ستحافظ على المعادلة التي أرستها بأنها ستستمر طالما بقى احتلال”.

المقاومة واستمرار الانتفاضة

لقد فشل شارون، وفشلت معه السياسة الأمريكية في احتواء المقاومة الفلسطينية التي انطلقت منذ عقود، وفشلت ” الميركابا ” الصهيونية في إركاع الطفل الفلسطيني الذي لا يملك سوى إيمانه القوي بقضيته، وحجارة يرجم بها الغاصب الصهيوني دفاعا عن أرضه..

لقد عجز شارون عن وقف العمليات الاستشهادية داخل وخارج السور الواقي، وهو الآن، شارون، يبحث عمن يخلصه من ورطة لا تزداد إلا تورطا مع الأيام..

لقد بدا جليا أنه ليس للشعب الفلسطيني ما يمكن أن يخسره مع استمرار الانتفاضة والمقاومة، وأظهرت الانتفاضة أن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وبأن التآمر الأمريكي الصهيوني على القضية الفلسطينية بات واضحا للعيان.

باستمرار الانتفاضة والمقاومة، يكون الشعب الفلسطيني قد قدم للعالم أجمع أسمى مظاهر التضحية والفداء.. وأمام تخاذل الأنظمة العربية والإسلامية، يكون هؤلاء قد سجلوا في صفحات التاريخ أرقى مواقف الذل والهوان، ولعل كل ذلك بسبب التفرقة وعدم الاستمساك بحبل الله. يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ” تركت فيكم ما إن تمسكتم به لا تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي”.