اتهم العديد من خبراء الإعلام الولايات المتحدة بأنها تعتمد على التضليل في تغطيتها للحرب على العراق، مشيرة إلى أنها تحرم المتلقي الأمريكي من مشاهدة صور القتلى من المدنيين العراقيين والقتلى من جنودها لتجنب إثارة غضب الرأي العام الأمريكي.

ويقول الدكتور جيمس زغبي رئيس المعهد العربي الأمريكي في واشنطن لموقع “سويس إنفو” على شبكة الإنترنت الإثنين 7-4-2003: “المشاهد الأمريكي كان يعتقد أن سماح وزارة الدفاع بإلحاق مئات من المراسلين بالوحدات الأمريكية في العراق سيتيح له متابعة تغطية حية للمعارك والاشتباكات على الهواء مباشرة، ولكن كل ما وصل إلى المشاهد الأمريكي اقتصر على مشاهد طويلة لتحركات الدبابات والعربات المصفحة في الصحراء العراقية دون أي تفاصيل”.

واستشهد جيمس بمقارنة أجرتها صحيفة “بوسطن جلوب الأمريكية” بين التغطية العربية والتغطية الأمريكية للحرب في العراق، قال فيها: “يرى المشاهد العربي صور الدماء تسيل من أجساد الأطفال العراقيين، ويرى فيالق الجنود الأمريكيين ومشاهد مفزعة للقتلى منهم، بينما لا يرى المشاهد الأمريكي أيا من ذلك، وتقتصر التغطية الإعلامية الأمريكية على لقطات بعيدة لقصف أهداف في بغداد وخلفيات لمسرح العمليات وراء المراسلين الملحقين بالقوات الأمريكية في العراق”.

كما استشهد جيمس باستطلاع أخير لآراء ألف من الأمريكيين حول مدى متابعتهم للتغطية الإعلامية للحرب على العراق، وبينت نتائج الاستطلاع أن 33% يتابعون تطورات الحرب على شبكات التليفزيون لمدة تزيد على ثلاث ساعات يوميًا، بينما قال 60% ممن استطلعت آراؤهم أن متابعتهم تتراوح بين ساعة وثلاث ساعات يوميًا.

وكان من الغريب أن تلك المتابعة لم تغير من مواقف الأمريكيين من الحرب.

وكانت منظمة “صحفيون بلا حدود” قد نشرت مؤخرًا تقريرًا اتهمت فيه القوات الأمريكية البريطانية بإظهار عدم احترامها لعمل المراسلين الصحفيين المستقلين، الذين لم يقبلوا الالتحاق بالوحدات العسكرية، وفضلوا العمل بشكل مستقل.

وقال التقرير: إن عددًا من المراسلين المستقلين تعرضوا لقصف وإطلاق نار عليهم منذ بدء الحرب الخميس 20-3-2003 من قبل القوات الأمريكية والبريطانية، وقتل أحدهم، وهو مراسل شبكة “آي تي إن” البريطانية. كما قتل الثلاثاء 8-4-2003 مراسل قناة الجزيرة القطرية بعد أن تعرض مكتب القناة للقصف ببغداد وأصيب آخر. وتعرض أيضا مكتب قناة أبو ظبي وفندق فلسطين الذي يقيم به الصحفيون العرب والأجانب للقصف؛ وهو ما أسفر عن إصابة 5 صحفيين 3 منهم يعملون بوكالة رويترز.

وأشار التقرير إلى أن القوات الغازية تسيء معاملة الصحفيين المستقلين؛ حيث تتعرض لهم بالضرب والإهانة والاعتقال؛ لدرجة أن أربعة منهم من بينهم صحفي إسرائيلي وصفوا معاملة الشرطة العسكرية الأمريكية لهم عندما اعتقلتهم لمدة يومين بالقرب من النجف وكربلاء بأنها كانت أسوأ 48 ساعة في حياتهم.

وأشاروا إلى أنه تم منعهم من إرسال تقارير إخبارية لمؤسساتهم الصحفية لمدة 36 ساعة.

الأسباب والمبررات

ولمعرفة السبب في ضعف التغطية الإخبارية لشبكات التليفزيون الأمريكية رغم جيش المراسلين الملحقين بوحدات القوات الأمريكية، اطلع موقع سويس إنفو على قائمة الأخبار التي تعرض ناشروها للعقوبات، والتي وضعتها وزارة الدفاع لكل الصحفيين المرافقين لوحدات مشاة البحرية الأمريكية، ومنها:

أولاً: أي معلومات عن أعداد السفن المنتشرة في مسرح العمليات.

ثانيًا: أي معلومات عن مواقع الوحدات المقاتلة.

ثالثًا: أي معلومات عن العمليات القادمة.

رابعًا: معلومات عن أي عمليات يتم تأجيلها أو إلغاؤها.

مع تنبيه عام بالالتزام بتأخير نقل أي أخبار تقرر الوحدة العسكرية تأجيل نشرها لدواع أمنية.

يتنصلون من أخطائهم

من جهته قال الدكتور إدموند غريب الخبير الإعلامي وأستاذ دراسات الشرق الأوسط بالجامعة الأمريكية في واشنطن: الإعلام الأمريكي لم يكتفِ بعدم تقديم صورة حقيقية وواضحة عن الوجه القبيح للحرب المتمثل في الخسائر بين المدنيين العراقيين، وإنما حاولت شبكات التليفزيون الأمريكية كذلك إلقاء اللوم على العراق في الخسائر بين المدنيين في سوق الشعلة بالترويج لاحتمال أن يكون سبب سقوط الضحايا صاروخا عراقيا أخطأ هدفه، ولكن تبين زيف هذا الادعاء عندما أخذ الصحفي البريطاني روبرت فيسك قطعة من حطام الصاروخ، وعليها رقم تصنيعه في شركة “ريثيون” الأمريكية.

ويستبعد غريب أن تعمد الحكومة الأمريكية إلى تقديم معلومات خاطئة عن عدد القتلى أو المصابين في العمليات من القوات الأمريكية؛ لأن ذلك سيعرضها لردود فعل قوية داخل الولايات المتحدة فيما بعد.

كما أشار إلى حقيقة وجود خوف لدى الإدارة الأمريكية من أن يؤدي عرض صور الضحايا من المدنيين العراقيين وخسائر القوات الأمريكية على شاشات التليفزيون الأمريكي إلى التأثير على الرأي العام، مثلما أثر عرض صور التمثيل بجثث القتلى الأمريكيين في الصومال على قرار إنهاء مهمة القوات الأمريكية في القرن الأفريقي.

وقال غريب: إن مثل ذلك التأثير يحتاج إلى عنصرين يبدو أنهما لا يتوفران في الحرب الحالية، وهما: إطالة أمد الحرب، وعودة القتلى الأمريكيين بأعداد كبيرة كما حدث في حرب فييتنام.

ترويج الخطأ

ويرى الدكتور غريب أنه بالإضافة إلى الضوابط والقيود المفروضة على المراسلين الملحقين بالقوات الأمريكية؛ فإن الشبكات التليفزيونية التي يراسلونها كثيرًا ما تفتقر كذلك إلى الموضوعية في تغطية تطورات الحرب، ودلل على ذلك قائلا: “تلك الشبكات روجت في البداية لفكرة أن الشعب العراقي سيستقبل القوات الغازية بالورود بمجرد دخولها الأراضي العراقية، ولكن عندما لم تتحقق تلك الرؤية سارعت شبكات التليفزيون إلى تبرير المقاومة العراقية بأنها جاءت تحت تهديد السلاح من قوات فدائيي صدام وأجهزة الأمن العراقية”.

كما يرى الدكتور غريب أن وسائل الإعلام الأمريكية لم تبذل جهدًا على الإطلاق لدراسة ومعرفة أسباب غضب الشارع العربي والإسلامي من ضرب بغداد التي تشكل في ذاكرته التاريخية ووجدانه القومي مركزًا للحضارة والثقافة والإشعاع بصرف النظر عن موقفه من النظام العراقي ومن الرئيس صدام حسين.

وأشار موقع سويس إنفو إلى أن شبكات التليفزيون الأمريكية أقرت بأن وزير الدفاع دونالد رامسفلد طلب منها عدم بث صور أسرى الحرب الأمريكيين حتى يتم إبلاغ أسرهم، وأنها قررت عدم عرض صور القتلى الأمريكيين لمجافاة ذلك للذوق العام، وإن كانت بعض الشبكات الأمريكية قد عرضت مشاهد سريعة لهم.