حين وقف جيمس موران عضو الكونغرس الديموقراطي متحدثاً في مؤتمر ضد الحرب أُقيم بإحدى كنائس ولاية فرجينيا، لم يكن يخطر على باله ان الملاحظات التي أبداها حول دور اليهود في إشعال نار الحرب وقدرتهم على وقفها، ستتحول الى قنبلة تهز اوساط العديد من الدوائر الاميركية، بعد ساعات قليلة من نشر الخبر في صحيفة >. اذ رغم انه تعرّض لحملة هجوم وقمع شديدة، من المنظمات الصهيونية ومن زملائه في الكونغرس الذين تهمهم أصوات اليهود واموالهم، ورغم ان وسائل الاعلام سعت الى تشويه صورته، ونقّبت في حياته الشخصية بدءاً من قصة طلاقه وانتهاء بالقروض البنكية التي حصل عليها، إلا ان ذلك لم يغير من حقيقة ان القنبلة انفجرت بالفعل وان أصداء دويها ترددت في كل مكان.

اثير موضوع اليهود في الكونغرس، ونوقش علنا لاول مرة منذ سبعين سنة. فقد سئل في الموضوع كولن باول وزير الخارجية فنفى اي دور لليهود في حرب العراق او في السياسة الخارجية الاميركية. وكان ذلك ايضا موقف المتحدث باسم البيت الابيض آري فلايشر (يهودي!).

ومن الاشارات النادرة التي نشرت حول الموضوع ما كتبه الصحفي والسياسي بيو كانان، الذي كان أحد مرشحي الحزب الجمهوري لرئاسة الجمهورية، في مجلته > قائلا: لاول مرة بدأ الناس يتحدثون علناً عن شيء ظلوا يهمسون به سراً. لأول مرة ظهرت حقيقة حزب الحرب اليهودي. لأول مرة عرف الناس الصلة بين اسرائيل وحرب العراق. لأول مرة هناك اسماء ووثائق (وأورد اسماء اليهود القابضين على المواقع المهمة في الادارة الاميركية).

هذه الأصوات التي تتحدث في العلن تظل استثنائية، لان القمع الشرس الذي يتعرّض له كل من يدوس لليهود على طرف يسكت كثيرين ويقطع ألسنتهم. ذلك ان تهمة > تنتظر كل من يخوض في الموضوع او ينتقد اسرائيل بكلمة. والتعميم غير المعلن الذي يعرفه الجميع وانصاعت له الاغنية يلخّص المراد في كلمات قليلة هي: اذا لم تؤيد اسرائيل، فمن مصلحتك ولأجل سلامتك واستقرار مستقبلك، ان تبلع لسانك وتلتزم الصمت!.

(1)

مشروع الحرب من وضع ثلاثة من غلاة اليهود الأميركيين هم: ريتشارد بيرل كبير مستشاري وزارة الدفاع الذي استقال أخيراً من منصبه لأسباب مالية ونائبا وزير الدفاع جون وولفوفيتز ودوغلاس فايث. فهم الذين صاغوا اهداف الحرب، وقاموا بالدور الكبير في حث الادارة الاميركية على شنها. وبيرل وفايث محسوبان على خط الليكود ويعملان لحسابه، اما السيد وولفوفيتز فهو يقف الى يمين الليكود، حتى ان واحداً ممن يسمون > في الليكود ميخائيل ايتان انتقده ذات مرة، واتهمه بأنه يحرج نواب الحزب بدفعهم الى تبني مواقف > إزاء الفلسطينيين!

أجمع مراسلو ومعلقو القناتين التلفزيونيتين في اسرائيل ان اليهود الاميركيين الثلاثة عكفوا بعد شهر من تفجير مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك على الاجتماع بكل من افرايم هلايفي الذي كان وقتذاك رئيساً للموساد ثم تولى لاحقاً منصب مدير > الاسرائيلي. وشارك في تلك الاجتماعات رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية عاموس مالكا وخلفه اهارون زئيفي فركش، الى جانب رئيسا قسم الابحاث في كل من الموساد وجهاز الاستخبارات العسكرية بإسرائيل… وكان هدف الاجتماعات هو صياغة اهداف الحرب الميدانية والاستراتيجية، وقد اتفق الجانبان على تشكيل لجنة تنسيق عسكرية مشتركة تقوم إسرائيل خلالها بتقديم كل ما يتطلبه الجهد الحربي الاميركي وقت الحاجة.

بالتوازي مع ذلك، شكلت لجنة اخرى للتنسيق السياسي، يقف على رأسها من الجانب الاميركي بشكل خاص المستشارة لشؤون الأمن القومي كوندليزا رايس وتضم اعضاء من فريقها في مجلس الأمن القومي، ومن الجانب الاسرائيلي دوف فايسغلاس مدير مكتب شارون وبعض كبار موظفي وزارة الخارجية الاسرائيلية، وقد تعاملت هذه اللجنة بالذات في خلق الظروف السياسية المساعدة على الحرب، وكان على رأسها خطة >(!!).

من الملاحظات المهمة في هذا الصدد ان اللجنة العسكرية المشكلة ضمت جنرالات في هيئة اركان الجيش الاسرائيلي الى جانب هيئة اركان الجيش الاميركي، وكان ضمن الاخيرين الجنرال تومي فرانكس قائد المنطقة الوسطى في الجيش الاميركي، الذي أُنيطت به مهمة قيادة الحرب على العراق!

حسب قنوات التلفزيون الاسرائيلي، الى جانب إقرار عاموس مالكا رئيس الاستخبارات العسكرية السابق الذي يعمل حالياً معلقا في القناة الاولى بالتلفزيون، فإن مهمة اللجنة العسكرية انحصرت في نقطتين رئيسيتين هما: تقديم معلومات استخبارية عن الاوضاع في العراق تساعد على حسم المعركة ضد بغداد والمساعدة في تقديم خطط ميدانية للمساعدة في الحرب.

(2)

إليك طائفة اخرى من معلومات التواطؤ الاسرائيلي في الحرب:

* تبنى الاميركيون خطة اسرائيلية لاغتيال الرئيس صدام حسين اطلق عليها اسم >. هذا ما ذكرته عدة مرات قناتا التفلزيون الاسرائيلي الاولى والثانية، اضافة الى شبكة الاذاعة العامة المعروفة ب>. وهذه الخطة كان قد وضعها الاسرائيليون في صيف عام 91، لتصفية حسابهم مع الرئيس العراقي الذي كان اول من > واطلق الصواريخ على اسرائيل إبان حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت). وقد اشرف عليها الجنرال ايهود باراك، الذي كان وقتذاك رئيسا لاركان الجيش الاسرائيلي. وكانت هناك ثقة شديدة في إمكانية نجاحها، نظراً لتوفّر معلومات دقيقة عن تحركات الرئيس العراقي وأماكن تواجده، وتقرر أن تقوم بها وحدة > أي سرية الأركان وهي أكثر الوحدات نخبوية في الجيش الاسرائيلي. وقامت عناصر تلك الوحدة بالتدريب على تنفيذ الخطة في منطقة تسمّى >. تقع على بعد 35 كيلومترا الى الجنوب الشرقي من مدينة بئر سبع في الجنوب، واثناء التدريب وقع خطأ فني اطلقت بمقتضاه احدى القذائف التي قتلت خمسة جنود على الفور، فصدر قرار رئيس الوزراء آنذاك اسحاق شامير بإلغاء المخطط.

حسب معلومات وسائل الاعلام الاسرائيلية فإن الاميركيين تبنوا الخطة، بعد إدخال عدة تعديلات عليها في ضوء ما استجدّ من معلومات. وقد تدرّب افراد من عناصر الوحدات الخاصة الاميركية على تنفيذ الخطة في صحراء النقب وفي منطقة المناورات السابقة نفسها. وقد استعانوا بالخطة لاقتناعهم بأن الحرب على العراق لن يكتب لها النجاح ما لم يتم التخلص من الرئيس العراقي. ولذلك فإن اغتياله سيظل هدفا ثمينا سيسعون الى تحقيقه طوال الوقت.

* نقل بارون ديكل مراسل القناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي بعض ما ورد في اجتماع الرئيس بوش مع رئيس المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، مورتيمور تسوكرمان. وهو الاجتماع الذي عُقد في الثامن من شهر يناير الماضي، فقد طلب تسوكرمان من الرئيس الاميركي اتخاذ موقف من النظام السعودي، بعد ان قدّم إليه تقارير استخبارية اسرائيلية تشير الى ان المساعدات التي تقدمها السعودية للفلسطينيين اثناء الانتفاضة تساعدهم على مواصلة القيام بالعمليات >. وفي رده على الطلب قال بوش لرئيس المنظمات اليهودية إنه سيتولى >. واستخدم في ذلك لفظة بذيئة، نقلها ديكل مراسل القناة الاولى، على لسان معاوني تسوكرمان الذين حضروا الاجتماع.

* كشف برنامج > الذي بثته القناة الاسرائيلية الاولى في 18/3 الماضي عن ان نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني عقد خلال الشهرين السابقين للحرب لقاءات مع 70 خبيراً إسرائيلياً في مختلف المجالات، ناقشهم خلالها في كيفية حسم المواجهة مع العراق. واشار العديد من المعلقين الصهاينة الى ان تشيني > بمهنية الخبراء الصهاينة في تقديم المعلومات. وفي لقاء أجرته مقدمة البرنامج دان مرجليت مع البروفسور عماتسيا برعام (يهودي من اصل عراقي)، وهو مؤرخ مختص بالتاريخ العراقي، قال الرجل انه اجتمع لمدة ثلاث ساعات مع تشيني في ملجأ بالبيت الابيض، اجاب خلالها على قائمة طويلة من الاسئلة التي طرحها عليه، لكنه رفض التطرق الى طبيعة الاسئلة او إجاباته عليها.

(3)

الحماس الشديد للحرب والحرص على إشعال نارها والانتصار فيها له دوافع عدة عبر عنها اركان المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة على النحو التالي:

* في الشهر الماضي ألقى شاؤول موفاز وزير الدفاع محاضرة في مركز > وهو أعرق وأهم مركز بالدولة العبرية قال فيه إن النصر في الحرب يعني إخراج العراق من دائرة العداء لاسرائيل، والضغط على سوريا لإخراج المنظّمات الفلسطينية من دمشق ولوقف حمايتها لحزب الله في لبنان، الامر الذي يؤدي الى تخفيف مصادر رفد المقاومة الفلسطينية في الضفة والقطاع.

* عوزي عراد رئيس وحدة التحليل بالمركز السابق الذكر (كان مديراً للأبحاث في > والمستشار السياسي لرئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، وقد أجرى مع طاقم من الباحثين عدة ابحاث حول العراق ومستقبل المنطقة لحساب وزارة الدفاع الاميركية)، عراد هذا قال ان النظام الجديد في العراق الذي يصفه بأنه سيكون نسخة من نظام كرازاي في افغانستان، سيضع سوريا وايران بين > حيث ستجدان نفسيهما محاصرتين من كل صوب، وقد ادخل الاردن ضمن اضلاع الحصار، ووصفها بأنها >.

* في رأي اركان المؤسسة العسكرية ان اهم آثار الانتصار من وجهة النظر الاسرائيلية التي عبر عنها موشيه يعلون رئيس الاركان تتلخص في امرين، الاول انه سوف يسرّب الشعور بالعجز والهزيمة لدى العرب عامة والفلسطينيين خاصة، مما يجعل من العام الحالي عام الحسم ضد الانتفاضة الامر الثاني أورده شفتاي شفيط الرئيس الاسبق للموساد، الذي توقع ان يسود العالم العربي مناخ ثقافي مغاير يعطي للجناح الداعي الى التطبيع مع اسرائيل قوة دفع جديدة، تمكنهم من الدعوة الى مراعاة متغيرات الموقف، > في التعامل مع الاوضاع المستجدة.

* يرى داني جليرمان رئيس اتحاد الغرف التجارية في اسرائيل ان النصر سيجلب العديد من الفوائد الاقتصادية لاسرائيل، اهمها ثلاث هي: حصول اسرائيل على النفط العراقي الذي سيكون تحت اشراف اميركي بأسعار مخفضة تراجع المخاطر الامنية التي تهدد اسرائيل مما سيؤدي الى تقليص النفقات الامنية وانعاش الاقتصاد الاسرائيلي ثم فتح السوق العراقي للبضائع الاسرائيلية.

لم أصدق أذناي حين سمعت من احد المحللين ان ثمة وحدتين عسكريتين اسرائيليتين اجتازتا الحدود وتعملان في غرب العراق، وزيادة في التأكد من الخبر بعثت بسؤال حول الموضوع الى صديق في غزة أثق في اطلاعه ومصادره، فردّ عليّ في اليوم التالي بالمعلومات التالية: الحديث متواتر حول هذه النقطة في الدوائر الصحفية الاسرائيلية.

علمت ان الحاخامين الأكبرين في اسرائيل، ومجلس حاخامات المستوطنات، دعوا الى اقامة الصلوات يوم الاربعاء الماضي من اجل سلامة جنود التحالف الذين يحاربون في العراق، وان السفيرين الاميركي والبريطاني في تل ابيب اشتركا في تلك الصلوات. حين بلغني الخبر تساءلت: هل كانت تلك الصلوات لأجل جنود التحالف حقاً، أم أنها لأجل الجنود الاسرائيليين في العراق؟!