ليس من شك في أنه متى اكتملت شخصية حامل الدعوة اكتملت دعوته في تناولها للإسلام، وذلك بعرض الأساس الذي يقوم عليه الإسلام وهو عقيدة “لا إله إلا الله محمد رسول الله” وعرض ما يقيم هذه العقيدة في الحياة ويحافظ عليها وينشرها، ويعمل على تطبيق الإسلام، وذلك بالدعوة والعمل على إقامة الدعوة الإسلامية، وصار بدعوته هذه كأنه يدعو المسلمين إلى التقيد بأحكام الإسلام في كل جوانب الحياة، فيما يتعلق بالأحكام الشرعية التي لا توجد إلا بوجود الدولة الإسلامية، وما أكثرها، أو فيما يتعلق بالأحكام الشرعية الفردية التي يحملها للناس كفرد ليتقيدوا بها، من صلاة وصوم وزكاة، والتقيد بأحكام المطعومات والملبوسات والأخلاق في خاصة أنفسهم والابتعاد عن المحرمات.

ويتعلم حامل الدعوة ويُعلم الآخرين أن ما يتعلق بأحكام الإسلام الفردية التي لا يتعلق وجودها بوجود الدولة الإسلامية هو كذلك لا يطبق عمليا من جميع المسلمين، ولا يحافظ على تطبيقه إلا بوجود الدولة الإسلامية. فالدولة الإسلامية هي الطريقة الملية لإيجاد للإسلام منفذا في الحياة، وليست وسائل الإعلام ولا أساليب الترغيب ولا دروس الوعظ والإرشاد، وإن كان كل ذلك مطلوبا ولكنه لا يكفي”.

وفي المقابل نجد أن من نقصت شخصيته وانكمشت وأصيبت بشيء من الأمراض أو الآفات لا يمكن أن تكتمل دعوته، بل يتنازل عن أهداف كبيرة محاولا فلسفة ذلك بشتى الحيل، ويصحب هذا التنازل مجموعة من الأعراض الأخرى، منها مجموع الصفات القائمة بالإنسان كاليأس والخمول والانقباض والعزوف عن الخلطة المفيدة، ليتشكل من الجميع ظاهرة سماها البعض تراجع الهم الدعوي، وعبر عنها البعض الآخر بعجز الثقات، وهو مرض يضعف الداعية ودعوته، ولا يزال ينخر فيها حتى يتوارى الداعية ودعوته عن الساحة تماما.

إذن فموضوعنا هذا بمثابة رسالة موجهة للذين (عرفوا الطريق والتزموه، لكن لأسباب كثيرة ما تمسكوا به ولا لزموه، لهم يراوحون مكانهم ولا يتقدمون، وكأنهم نسوا المعاني العليا، فليس لها يعملون، هم فتية وشباب وكهول صالحون، ما زالوا بدرب الفضيلة والخير يتمسكون، لكنهم قد غلبت عليهم الدعة والكسل، وحب الدنيا وطول الأمل، فأرادوا أن يكونوا صالحين لا عمل ولا تبعات، ولكن هيهات هيهات، ألم يبلغهم أن “الدنيا حلوة خضرة؟) وأن الله مستخلفهم فيها فناظر كيف يعملون؟، (أم استغنوا عن عالي الدرجات في الجنان التي لا يبلغها إلا الأنبياء ورفقتهم من الصالحين والصديقين والشهداء، فكانت هذه الرسالة مذكرة للعاجزين من الثقات الذين ملكوا وسائل الفوز بالعالي من النعيم المقيم، ثم هم يأبون ذلك ويرضون بالقليل، فعسى أن يتضح لهم عظم ما اقترفوه بتضييعهم، وكثرة ما فرطوا فيه من حسنات بتفريطهم( أو قل هي تذكرة لمن ظهر منه النكوص والتخلي عن العمل للدين وحمل هم الدعوة والتربية، لا سيما من )كان لهم في زمن من الأزمان صولات وجولات في ميادين الدعوة والتربية، ولكن.. !! ماذا حدث؟؟ إنه نسيان الهم السابق والانشغال في دروب الدنيا ومتاهاتها، حتى وصل الأمر بأصحاب الهم السابق إلى التكاسل عن أداء الفرائض فضلا عن التخلي عن النوافل !! مع بقاء المظهر الملتزم في الهيئة الظاهرة، بل قد يكون من القائمين بعمل من الأعمال الخيرية الدعوية في الأصل؛ إماما في مسجد أو عاملا في مؤسسة دعوية خيرية، ولكنها أصبحت وظيفة يؤديها لا يقوم فيها بحقها، فما هي إلا مصدر إضافي للكسب المادي دون القيام بواجبها، فقد ترك طريق الدعوة بمعناه الحق، وترحل عن دور القدوة بحجج واهية، فهو قد قدم ما فيه الكفاية من الأعمال الدعوية، فبلغ المنزلة في ذلك ! ( (أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى) النجم (وبحجة أخرى وهي التفرغ لتربية أهله؛ زوجه وأبنائه -إن صدق- أو بحجة كثرة العاملين وامتلاء الساحة بهم، ناسيا أو متناسيا أن هذه الأعمال الخيرة من الدعوة والتعليم والتربية هي من الواجبات، وهي مما يقدمه لنفسه عند الله عز وجل، وأن أكثرها يجده في نفسه قبل أن يراه على المدعويين).

مظاهر المشكلة

1. التقصير في الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف وعدم التحرز من الحضور في أماكن المنكر:

فـ)لا يحركون ساكنا مع زميل عمل ضل، ولا صالح مل، والناس متعطشون لمواعظهم ونصحهم ودعوتهم لكنهم لا يفعلون. ولو كانوا في كل أحوالهم كذلك لالتمست لهم الأعذار، لكنهم متثاقلون عند الدعوة إلى دين الله تعالى، نشطون في ميادين تحصيل الدرهم والدينار، قد قطعوا عامة نهارهم وطائفة كبيرة من ليلهم في تحصيل الدنيا والميل إلى ملذاتها وشهواتها، وانصرفوا عن المعاني العلية. وتجد آخرين ليسوا من هم جمع المال في شيء، لكنهم منصرفون إلى التميز في أعمالهم والاجتهاد في تخصصاتهم حاصرين أنفسهم في ذلك، وقد يكون عملهم هذا نافعا للإسلام، لكنه نفع محدود مرجوح بغيره من المنافع العظيمة التي يمكن أن تحقق على يد تلك الفئة لو صرفت -إضافة إلى تميزها في تخصصها- جهدها في سلوك السبيل القويم الذي يعود على الإسلام والمسلمين بأعظم النتائج( … )والعجيب أن تارك الدعوة والأمر المعروف والنهي عن المنكر لا تجده في أكثر الأحيان مقرا بعجزه، خجلا منه، متواريا عنه، بل تراه يعتذر بأعذار واهية، وقد يتعذر بأن لديه مشكلة أو اثنتين، وهذا منه أعجب، إذ مَن مِن خلق الله تعالى من بني آدم يخلو من مشكلات وهموم؟ ويأتي بعض ثقات الدعاة في هذا الزمان إن أوذي إيذاءا يسيرا من زوجة أو والديه أو أولاده أو قل ماله أو ابتلاه الله تعالى بشيء من الخوف والجوع والمرض، ترك المعاني العلية، فلم يسع لها، واعتذر عنها بأنه مشغول بمشكلات عويصة !!.. وليسأل نفسه هل ترك عمله الدنيوي لما تعرض لهذه المشكلات وتلك المصائب؟ !! ( ومع التقصير في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجد من البعض تساهلا في )غشيان بعض أماكن المنكرات قدوة سيئة لغيره، فترى من هؤلاء من لا يتردد في دخول أماكن فيها المنكرات الظاهرة كالموسيقى والأغاني الماجنة والنمساء المنكرات المتبرجات بحجة تناول وجبة في هذا المكان مع أهله ! وآخر لا يشعر بأدنى حرج عند محادثة امرأة أجنبية عنه في مستشفى أو طائرة ونحوها، مظهرا الابتسامة العريضة والضحكة العالية وإلانة الكلام وإطلاق النظر، وحجته في ذلك أنه ما قصد رؤية المنكر ولا سماعه فحسبه والإنكار بالقلب(.

2. (كثرة المجالس التي ظاهرها وباطنها وأولها وآخرها الحديث عن الدنيا والنساء والتجارة والمال فلا تكاد تجد فيها التذكير بالله عز وجل، أو الحديث الجاد، أو طرح قضية من القضايا التي تهم المسلم في حياته، وهم ممن سلك طريق الدعوة وصدق مفاوز التربية).

3. (سلوك منهج الترخص والتساهل في احترام الأحكام الشرعية والعمل بها، وتتبع سقطات بعض العلماء ضاربا بأقوال بعضهم ببعض، متخيرا ما يوافق هواه ويشبع رغبتها ترى ذلك الترخص والتساهل في أمور العبادات والمعاملات، سيما في أمور المال بسبب كثرة الداخلين في عالم التجارة -والتي كانت منزلقا لكثير من الشباب العامل لهذا الدين- فتجد أحدهم يبحث عن الفتاوى التي تخرجه من المأزق الذي أوقع نفسه فيه، حتى أصبح العامي أحرص من بعضهم على دينه، فنعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن الحور بعد الكور) وقل مثل هذا في حلق اللحية وإسبال الثياب، وسفر المرأة بدون محرم، وركوبها مع السائق منفردين، وذهابها للطبيب دون الطبيبة من غير ضرورة ولا مقصد، وفي كل ذلك تأكيد الإجماع على المنع، لكن تأكيد منهج التساهل عند هؤلاء والضعف والذي لا يخلو من الوقوع في المحرمات الواضحة، وأقله العمل بالمرجوح والشاذ.

4. إلغاء بعض المصطلحات من (معجم الاستقامة)، كالورع وخوارم المروءة وسد الذرائع والقدوة.. إلخ.

5. التشكك في الطريق الذي سلكه من قبل -طريق التربية الجادة والأخذ بعزائم الأمور- فأصبح يرى أن سبب تساهل الناس في أمور الدين -بعد هذه الصحوة المباركة- بل وانحراف بعض المستقيمين سببه المثالية التي طالبنا الناس بها في بدايات هذه الصحوة … وتراه يتأسف على تلك الأوقات التي قضاها في بعض الأعمال الدعوية وتربية الشباب(.

6. المبالغة في تأمين النفس والأسرة من المساءلة الأمنية، وهذا التأمين مقدم مهما كانت المصالح الدينية المهدرة عظيمة، ومهما كانت مفسدة المساءلة ضئيلة، ولا يزال به اتقاء تلك المساءلة حتى يتراجع عن العمل الدعوي كله، ثم يقلق من لحيته فلا يزال يقصقصها حتى تزول ثم لا يزال قلقا من بعض صداقاته لبعض الملتحين والدعاة فيبتعد تدريجيا عنهم، ويقتصر على صداقات من ليسوا من الدعوة في فتيل ولا قطمير، ولا قبيل ولا دبير، ومع هذا يبقى خائفا لأن من لم يخف الله أخافه الله من كل شيء، ثم مع هذا يتفكه بأعراض الملتزمين والدعاة، مستهزئا وواصفا لهم بالحمق والغفلة لأنهم يفعلون أمورا تعرضهم للمساءلة الأمنية (ألا في الفتنة سقطوا).

7. التوسع في المباحات، من ملبس ومأكل ومشرب ومركب وأثاث، توسعا يجد أثره على صفاء روحه ولين قلبه ورقة حاله -السابقة- وقد تبدل الصفاء كدرا واللين قسوة والرقة غلظة(.

8. (التهرب من جميع أنواع المسؤولية والعمل لهذا الدين، فلا تربية خاصة ولا دعوة عامة ولا مشاركة في مؤسسة يخدم فيها الإسلام وينصر إخوانه المسلمين، ولا غير ذلك من الأعمال التي لا تحصى ! إنما هو سبهللا، لا هم له إلا انتقاد العاملين وإبراز أخطائهم، والتهكم بأعمالهم والنيل من أشخاصهم، ولمزهم وغمزهم).

9. تفاهة الأهداف.

10. تضييع الأوقات: فأين هؤلاء من ابن عقيل الحنبلي إذ يقول: )إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستقر به(.

11. الضن بالأموال أو تشوش الإنفاق:

فالبعض يبخل بالصدقة بحجج واهية كأن يقول: هذا غير محتاج، وهذه الجهة غير موثوقة، ونحو ذلك من التبريرات الظنية، وآخرون قبضوا أيديهم عن الإنفاق في الأمور الدعوية، واقتصروا على الإنفاق على الفقراء أو بناء الجوامع ونحو ذلك تارة لعماه عن جدوى تلك الأعمال الدعوية، أو عدم إيمانه بقصة الدعوة أصلا، وتارة خوفا من المساءلة الأمنية، )وإن أعطى فهو يعطي القليل الذي لا يشفي العليل ولا يروي الغليل(.

12. موضة السفر للخارج للتنزه أو ربما في الداخل في أماكن تشبه ما في الخارج، وربما اصطحاب زوجته وأولاده وتعريض أنفسهم لسماع ورؤية ما يخجل منه المؤمن ويأنف، دون حاجة ولا ضرورة.

13. ضعف التربية والتوجيه للزوجة والأبناء وعدم ضبطهم:

بل ربما كان بعضهم سببا في ضعف زوجته )لما رأته من ضعفه وتساهله وإهماله حتى قصرت في كثير من الخير الذي كانت عليه( و)يقصر كثير من الصالحين في ضبط أزواجهم ويعجزون عن ذلك عجزا بينا فتصبح المرأة مسيطرة آمرة ناهية، فتنحل عرى القوامة ويضيع المنزل أو يكاد، ويفقد الرجل السيطرة على المنزل والأولاد( وبعضهم تنصب له امرأته شركا بتكثيف المطالب الدنيوية عليه التي تشابه مطالب المحيطين من الأقارب، ويجد الزوج نفسه في حاجة لاستبدال وقته بعمل دنيوي إضافي بالوقت الذي كان يبذله للدعوة، ليستطيع أن يعيش في الصورة التي ترسمها زوجته.

قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما( الأحزاب: هذا أمر من الله ورسوله -صلوات الله وسلامه عليه- بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن -رضي الله عنهن وأرضاهن- الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة(.

(واليوم في دنيانا من صور مؤسفة على عجز الثقات أن يضبطوا أزواجهم، فهذا رجل ثقة صالح لكن زوجه غير منضبطة بتعاليم الإسلام في صور متعددة، وآخر لا يستطيع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بيته، وثالث لا يستطيع أن يؤدي فريضة الدعوة أو يتحرك خارج منزله ما لم تأذن له الزوجة، تلك صور حادة لكنها موجودة في مجتمع الثقات بدرجات متفاوتة، وهي دالة على عجز مطلق وضعف واضح، حمانا الله تعالى.

أتيت منزل أخ صالح أدعوه إلى رحلة مباركة إلى المدينة النبوية الشريفة، فقال: لا أستطيع، وتعلل بعلل وأعذار، فعذرته، ثم إني قلت له: يا فلان ! إنا سنصحب النساء والأولاد لترق قلوبهم، فتهلل وجهه -والله- وبدرني قائلا: لِم لَم تقل ذلك من أول حديثك؟ إني ذاهب معكم.

أرأيت إلى تأثير أهله فيه وكيف يحجم عن الخير بسببهم؟ عافانا الله تعالى.

14. تبرير الأخطاء بالتي يقع فيها: بل ربما دعا إليها مستغلا فصاحته أو قدرته على الإقناع.

15. إلقاء التبعات على الآخرين: فبدلا من تذكر أن المسؤولية فردية أمام الله تعالى تراه يلقي بتبعة ضعفه على من ربوه وعلموه.

16. إهدار المواهب: فالبعض ممن تراجعوا تجدهم قعدوا عن استغلال المواهب التي منحها الله لهم، ولا شك أن ذلك مع كونه خذلانا للدعوة فهو فشل وخسارة في الاختبار الذي اختبرهم الله به؛ لأن الله تعالى يقول: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم(.

17. تشوش الأولويات: (وإن أردت أن تطلع على صورة واضحة على التشوش في ترتيب الأولويات فانظر إلى بعض من يريد أن يبني بيتا، فإنه يعمد إلى تسخير جميع قواه ومصالحه الحيوية ليصبها في بناء بيته، وتراه يؤخر أمورا لا تؤخر، بل تراه يعرض عن كثير من الواجبات بحجة أنه مشغول ببناء بيته، فيمكث على ذلك سنوات قد تطول، فيعتاد أثناء تلك السنوات الطويلة الإخلاد إلى الأرض ونسيان المعاني العلية، وقد يؤدي به ذلك إلى العجز الدائم الكلي، نسأل الله العافية. وناهيك بمن يصرف عمره متشاغلا بما زعمه حقوقا للزوجة والأولاد تاركا الدعوة إلى الله تعالى وضاربا بمصالح الأمة عرض الحائط، ولو أعطاهم حقهم باعتدال كما صنع النبي -صلى الله عليه وسلم- وانصرف إلى أولويات أخرى مهمة لحفظ الله -تعالى- له أهله وأعظم له أجره).

18. الطعن في الثقات: وذلك من المظاهر السيئة؛ حيث يحلو بهذا المتراجع الحديث عن عيوب إخوانه وأخطائهم، ويزين له الشيطان انتقاد الدعاة في المحافل والمجامع ووسائل الإعلام بحجة الجرح والتعديل والقيام بتبيين الحق، ولو فرضنا أن ما يقوله الطاعن حق إلا أنه )مغموس في بحر من التجني والتشفي والهوى، والمقرر من قواعد الإسلام أن الجرح والتعديل إن خولط بهوى وتشف وتجن فإن صاحبه مأزور غير مأجور، وقوله مرفوض غير مقبول. وإن من المصائب حقا أن يأتي ثقة من الثقات ليرمي مجموعة ضخمة من الناس بجرح مبني على ظن ووهم، فكيف يصنع هذا المسكين بهم إذا جاءوا يوم القيامة يحاجونه بين يدي الله تعالى وليس مع ذلك المسكين شيء إلا: سمعت، وظننت، وقيل لي؟ ! ( ألا ما أجمل كلام بعض السلف” ما أحسب أن أحدا تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه. وقول الآخر: ما رأيت شيئا أحبط للأعمال ولا أدوم للأحزان ولا أقرب للمقت ولا ألزم لمحبة الرياء والعجب والرياسة من قلة معرفة العبد لنفسه ونظره في عيوب الناس.

19. الكف عن القراءة والمطالعة: ولاشك أن اليوم الذي يكف فيه الداعية من القراءة والمطالعة هو اليوم الذي يبدأ فيه التراجع للوراء سواء كانت قراءة للعلم الشرعي أو طرق التربية والدعوة أو ما يهم المسلم من الأخبار والوقائع وتحليل ما وراءها وما يترتب عليها من أمور مهمة.

20. خلف الوعد: فكم ضاعت أوقات أناس جادين بسبب انتظار أولئك الفارغين، والذين إذا حضروا لم يأبهوا بما صنعوا ولم يعتذروا، وهذا العرض وإن ذكر آخرا إلا أنه في الغالب أول ما يظهر من أعراض الضعف والتراجع.