هذه المواعظ في فقه الدعوة وصفة الداعية يراد لها أن تكون زادا للعاملين ، ونزهة لهم يستريحون فيها من عناء الطريق ، ويتخذون منها الأنيس الرفيق ، فمن ثم وصفت بأنها رياض المؤمنين .ولكنها تميزت بسمة رئيسية وطابع واضح في الأمانة أدت إلى الإكثار من استلال فئة الدعاة من بين أسطر كتب التراث وبحوث المعاصرين من الدعاة وأشعارهم ، وجعل هذه الاستلالات أساساً لمحاولة اجتهادية تكميلية ، نسأل الله خلالها السلامة ، نكمل فيها نقص مباحث السابقين ، ونشرح ما أجملوه وأبهموه .

ولأن شطرا كبيرا من هذه الاستلالات يمثل أسطرا خفية منسية أرجعناها بطول التفتيش والتنقيب إلى ميدان التداول والمدارسة فإن عملنا كان كالإحياء لها.

ومن ثم فإن أصدق الأوصاف لعملنا هذا أن يوصف بأنه (إحياء فقه الدعوة) من الآن فصاعداُ . ويشاء الله أن تكون هذه المقالة حاوية لنقول موغلة في القدم ، ومن كتب بعضها نادر ، ليتضح معنى الإحياء الذي قصدناه.

عيسى عليه السلام قدوة المربين

لاشك أن الداعية يجب عليه أن يحرص في التجميع على العنصر الصافي الذي رعاه الله تعالى منذ طفولته ورباه وعصمه وأبعده عن الشهوات والرعونات والفتن. ولكن نجاح العملية التربوية في التجريب الإسلامي دل على أن أكثر من يفسق تجد بذرة الإيمان كامنة فيه ، ويمكنك إصلاحه ببيان طريق التوبة له .

وبذلك كان إصلاح الفساق من قواعد الدعوة الإسلامية وأصولها ، وبات الداعية الذي ينزوي لندرة المعادن الصافية معابا .بل بذلك بات الجانب الإصلاحي في العلميات التربوية في الدعوة الإسلامية شطرا مهماً فيها من بعد شطر التربية التكميلية التي تتولى تنقية العناصر الصافية وتوعيتها وتكميل ما ينقصها من فنون العمل أو صفات الإيمان العالية .ومع أن تاريخ هذه التربية الإسلامية الإصلاحية يرتقي إلى النبوات الأولى ، إلا أن عيسى عليه السلام هو الذي شهر بها وصار قدوة المربين .فمما يتداوله أهل المواعظ : ( أن يحيى وعيسى عليهما السلام كانا يصطحبان في السياحة ، فإذا بلغا قرية أو مدينة يقول عيسى : دلوني على أفجر رجل في هذه المدينة وأطغاه.

ويقول يحيى : دلوني على أبر رجل وأتقاه . فيقول يحيى لعيسى : يا ابن خالة ، ما لك لا تنزل على الأبرار والأتقياء ؟ فيقول : إنما أنا طبيب أعالج أهل البلوى ، وأوداي المرضى). ولا نقول للداعية اليوم أن يضيع وقته وجهده في التفتيش عن أفجر الرجال وأطغاهم ليصلحهم ، فإن في الناس بقية خير واضحة بقرب وصولنا أن جعلناها ديدننا ، وطغاة الرجال وفجارهم تصلحهم رهبة الشرع فيما بعد ، ولكن نقول للداعية اليوم أنه طبيب وأن عليه أن لا ينسى مهمته هذه .

أنت طبيب أيها الداعية يراد منك أن تعالج بلوى الناس من هذا الإخلاد إلى الأرض، ومن هذه الفلسفات ، والتجزيات الباطلة ، والتردي في عبادة الدينار .

أدي واجبك وفتش عن المرضى في بقية الخير هذه . إنها طائشة مختلطة مخلطة ، لم تسلم السلامة الكاملة ، ولم تسرف على نفسها ، وفي إصلاحها وترتيبها أمل استئناف الحياة الإسلامية . لا تطل المكث عند الأتقياء من إخوانك كما كان يفعل يحيى ، وإنما يكفيك معهم مجلس يسير يديم حبك لهم واتعاظك بمظهرهم وسمتهم .

أصرف وقتك مع المرضى معالجاً ومصلحاً .ومنهم هذه الناشئة المريضة .

هناك ناشئة من ذراري المسلمين بريئة كل البراءة، ويمكن أن تتحمل رحلة العودة إلى الإسلام ، لكنها مريضة ، أمرضتها مناهج الدراسة العلمانية التي تتستر بتدريس حصص الدين ، وأمرضتها طوائف المدرسين الذين لا تحكم عملية اختيارهم قواعد صحيحة ،وأمرضتها مناهج التلفزيون ، وصور الصحف وغيرها.

وعـي القدماء لنظرية التربيـة

وحين قل لنا في بعض مصادر فقه الدعوة أن نظرية التربية ترتكز على استغلال إمكانية تأثر النفس الإنسانية بالمسموع والمنظور ظننا أن ذلك مما اقتبس من أبحاث التربية الغربية الحديثة ، ولكن تنقيبنا عن فقه الدعوة الذي نحييه كشف عن وعي القدماء من علماء المسلمين ، وكما رأينا أقوال وسير الفقهاء الأوائل التي تتكون منها الأصول القديمة لنظرية المجتمع الحركي والعمل الجماعي ، فإننا نرى أيضاً القول الواضح لهم في نظرية التربية .

يقول الزاهد الثقة أبو عثمان الحيري النيسابوري: ( فعل من حكيم في ألف رجل أنفع من موعظة ألف رجل ، وإنما هي مصادفات القلوب من حيث صفاء القلوب عندما يطرقها واردات الغيوب من المسموعات والمنظورات ، فإذا اتفقت قويت ، إذا اختلفت وضادت ضعفت ، وسقطت عنهم رؤية التمييز، فلا يتغيرون ، ولكن ربما تجد لهم أذكارهم بما يسمعون ، وتصفو لهم المشاهدات وقتا بعد وقت ، وذلك زيادة صفاء تجدد لهم عند سماع الحكمة ) وهو هنا يشرح نظرية التربية بأسلوب ذلك العصر واصطلاحاته الصوفية المبهمة ، ولكن في قوله إشارة واضحة إلى هبة ربانية يمنحها كل صادق مستقيم ، يسمعه فيها ما هو صالح ، حقيقة أو مجازا ، ليطيب بصره.

ولكن إن منح الله هذه الهبة ، فإن المربي عندنا ، في التربية الإسلامية ، يمنح الرفق بتلميذه ، ويسمعه ويريه الطيب ليطيب ، ومن تم كان الرفق أساس التربية .

لا تظهر الاسـتاذية

والرفق يقود الى التدرج معهم ، وتحمل أخطائهم وعيوبهم، والمربي لا يكثر من الأوامر ومظهر الصرامة ، فإن التلميذ ينفر ، ويحس بذلك كما قال سعيد بن تركان: ( صحبت أنا وأخي علي يعقوب بن الوليد بعد صحبة الجنيد ، فما عظم في قولبنا أحد ولا تجاوز أحد الجنيد ، لأنه كان يؤدبنا تأديب شفقة ، والآخرون يؤدبونا تأديب رياضة وإظهار أستاذية.) فليس عندنا ميدان إظهار أستاذية . كلا أيها الداعية . بل أخوة وعطف ولطف وحنان . وإن النفوس حساسة فاحذر .

لا تضجر من بطء سير ، ولا تيأس من إصلاح ذي العيوب ، بل افتح لتلاميذك القلب الواسع ، وأطل لهم الصبر ، وتدرج في التهذيب.

إن المربي الذي يميل صبره بسرعة ولا يصمد أمام تسويف التلميذ لا يسمى مربيا.كذلك من ناحية أخرى ، فإن تأثيرات المسموعات الذي إشار إليه أبو عثمان الحيري يوجب على المربي أن يحسب لكلماته التي ينطقها أكثر من حساب ، وأن يضمن تأثيرها على من يسمعها ، فإن رجح أنه التأثير الحسن أمضاها ،وإن خاف التأثير السيء توقف وتهيب ، ثم يزيد حسن كلامه بحسن منظر أفعاله وتصرفاته.

إن الكثير من الدعاة وإن كانت مستوياتهم حسنة ومعادنهم قوية ، فإنهم في أثناء غفلة من أنفسهم ، أو في حالات الإرهاق الذهني والبدني ، يلينون فيتأثرون بما هو ضعيف من كلام الدعاة الآخرين وتصرفاتهم ، فيلقدونه ، أو العكس ، يجدون منه الضجر الذي يزين لهم العمل مع هذا الداعية ، أو ترك العمل كله في شبه احتجاج، فكان من اللازم أن يتورع كل داعية في كلامه وأفعاله ، لئلا يقلده أو يضجر منه غيره ، فإن العيش الجماعي ما يساعد على هذا التقليد ، وإن الإرهاق ما يساعد على هذا الضجر.

إنما هو ترغيب وترهيب

ومن تمام مهارة المربي في إسباغ رفقه على تلاميذه أن يمهر في ترغيبهم وترهيبم، فإن في الترغيب نوع رفق ظاهر، وليس هو الترهيب بأقل ، فإن الترهيب لا يكون إلا من شفقة على التلميذ وخوف أن يصل إلى المصير الرهيب.

وأما الترغيب بالجنة وبكل خلق حسن يؤدي إليها ، والترهيب من النار ومن كل خلق سوء يوقع فيها ، فهو الترغيب والترهيب في صورته العادية التي يسبق إليها الذهن ، وقد أكثر الله ورسوله من مخاطبة الناس بذلك.

ولكن وجه آخر فيه نوع من خفاء أشار إليه الفقهاء القدماء من الترغيب والترهيب ، وهو أسلوب الترهيب من التقصير بذكر النموذج الإيماني ، واستمداد ترغيب بذكر نماذج الانحراف البالغة السوء التي لابد أن يكون المخاطب أحسن حالا منها.

وكيفية ذلك أن يقلد المربي القرآن ، فيعرض صورا نموذجية عالية من أفعال الخير الإيمانية ، كي يقيس التلميذ نفسه بها دائماً ، فيتضح له ما هو فيه من التقصير ، فترهبه المنزلة الواطئة المتأخرة ، فيشمر للارتقاء ويعرض المربي صورا من الإفراط في السوء والشر والغفلة وتحكيم الهوى وتفضيل حظوظ النفس ليشعر التلميذ إذ يربأ بنفسه عن مثلها أنه على بقية من خير ، فتأخذه عزة إيمانية ترغبه في رحمة الله . وبهذا التردد بين الرغبة والرهبة تدوم استقامته ، ويدوم تمييزه لموضعه من رضى الله سبحانه وسخطه ، بحسب البعد والقرب من أحد الطرفين، كي لا يسكن الى حالة هي مظنة الخوف لقربها من الطرف المذموم ، أو مظنة الرجاء لقربها من الطرف المحمود ، تربية حكيم خبير.

وقد روي في هذا المعنى عن أبي بكر الصديق في وصيته لعمر بن الخطاب عند موته حين قال له :” ألم تر أنه نزلت آية الرخاء مع آية الشدة ، وآية الشدة مع آية الرخاء ، ليكون المؤمن راغبا راهبا ، فلا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له ، ولا يرهب رهبة يلقي فيها بيده إلى التهلكة . أو لم تر يا عمر أن الله ذكر أهل النار بسيئ أعمالهم ، لانه رد عليهم ما كان لهم من حسن ، فإذا ذكرتهم قلت :إني أخشى أن أكون منهم ، وذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم عما كان لهم من سيء ، فإذا ذكرتهم قلت : إني مقصر ، أين عملي من أعمالهم ؟ “. هذا ما نقل ، وهو معنى ما تقدم ، فإن صح فذاك ، وإلا فالمعنى صحيح يشهد له الاستقراء .

وقد روي : ” أولم تر يا عمر أن الله ذكر أهل النار بسيء أعمالهم لأنه رد عليهم ما كان لهم من حسن ، فيقول قائل : من أين أدرك درجتهم ؟ فيجتهد ” . والمعنى على هذه الرواية أيضاً يتنزل على المساق المذكور ، فإذا كان الأخيتين المنصوتين ، في محل مسكون عنه لفظا ، منبه عليه تحت نظر العقل ، ليأخذ كل على حسب اجتهاده ودقة نظره ، ويقع التوازن بحسب القرب من أحد الطرفين والبعد عن الآخر )فهذه الطريقة وجه ثاني للتخويف والترهيب بذكر آيات النار وأخلاق الكافرين والمنافقين ، ووجه ثان للتشويق والترغيب بذكر آيات الجنة وأخلاق المؤمنين . ويتضمن هذا الوجه الثاني كما رأينا استمداد نوع رهبة من التقصير وحياء عند ذكر أوصاف المؤمنين ، ونوع رجاء وشعور بالعزة عند ذكر أوصاوف الكفر والنفاق . وواضح أن هذا الأسلوب إنما يتبع مع من أسرف على نفسه وضمرت معاني الإيمان فيه . وهذا الوجه الثاني يعرف أهل التربية مناسبته لمن هم جدد في أول الطريق أيضاً ، إذا ربما ينسيهم الترهيب في الوجه الأول سعة رحمة الله الرحمن الرحيم خاف ذنوبه ، واعتراء اليأس ، وانغمس كلية في الآثام .فإذا كبا الناشيء ، فعليك أن تترفق معه ، وتبين له سبل التوبة ، وأن الله أفرح بتوبته من فرح من أضل ناقته في فلاة وعليها شرابه وطعامه ، ثم وجدها لشدة فرحه ، وجعل يقول في إظهار شكره لله : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، كما في الحديث الصحيح عند مسلم .

أوليات التربية التكاملية

وحين تدفع بأخيك التلميذ الراتب الراهب إلي العمل التجميعي ، فاحرص على أن تصوغه الصياغة التي تراعي التكامل والانسجام وتوفير جميع الصفات التي يحتاجها كداعية . وفرله قسطاً إيمانياً كافياً ، وعلماً شرعياً أوليا ، وفقا لفنون الدعوة وقضايا العمل الجماعي ومبادئ الطاعة والأمور العاصمة من الفتن، ودراسة الناس وكيفية تخير العناصر الصالحة ، وإلا فإن الصياغة الجزئية المضطربة الناقصة توقعه في أخطاء ، أخطاء اختياره للعناصر،وأخطاء في تبليغها الدعوة حسب أهميتها ، وأخطاء في معاملته اليومية لهم. فإن لم تسارع إلى صياغته أنت فإنه سيصوغ نفسه باجتهاده . فإذا كانت فيه بذرة إيمانية : نراه يترك العمليات التجميعية وينصرف إلى نفسه معلما ومهذبا في انزواء ، فيكثر من صلاته وحفظه القرآن ، يلزم المساجد ، ويعكف على الكتب يقرأ منها الكثير ويستزيد، حتى يصطبغ بهذه الصبغة التعبدية العلمية الانزوائية، ويستأنس بها ، ولا يعود يحاول دعوة آخرين .

وفي المجتمعات التي يكثر فيها الزهد المبتدع وذكر الفناء ووحدة الوجود، أو يكثر فيها التناظر الفقهي الخشن. نرى مثل هذا الناشيء يجد له في الزهد المتطرف المبتدع أو التناظر باللسان السليط مادة لذيذة ينفس فيها ما في صدره ، فيسير مع دعاته مع بقاء حبه للدعاة الذين ربوه ، وبقي مأسورا إلى جانبين ، وقد تخطفه النزعة التطرفية . وقريب من هذا كثرة الولع بالرياضة وأخبارها ، أو صرف طاقته في الأسفار .وكل هذه الانحرافات قابلة لأن تستغل من قبل أصحاب الفتن استغلال واسعاً ، الفتن بمعناها العام لا فتن الخروج على سياسة الدعوة فحسب ، فيخرج في فتنة باسم الزهد يستغلها رجل خداع يعرف طرق الاستدراج ، أو فتن التناحر المذهبي الفقهي ، أو فتن الدنيا بمعناها الواسع وحصر الهمة في حيازة دار أو مركز مرموق ، وكم من جليس للدعاة يتقرب إلى الله بحثهم على الإسراع بحيازة دار والتملق للوصول إلى منصب وينسيهم الدعوة، ويظن نفسه ناصحاً أميناً .

ومن ها هنا وجب على المربي الداعية أن يبدأ بتكوين وعي شامل وعميق لدى تلميذه يعصمه من هذه المزالق والأخطاء .

إنه وعي : شامل وعميق .

وعي عقائدي : يستقيم به على دروب السلف وعقيدة من يحرص على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وجماعة الآخذين بها من الأوائل ويعصمه محدثات الأمور وبدع الاعتزال والتجهم والإرجاء ووحدة الوجود.

وعي فقهي : يحمله على تتبع النص الصحيح أنى وجده ، من غير ما سلاطة لسان على المقلدين ولا خشونة

ووعي سياسي : يبعده عن الكمين الذي ينصبه له العدو ، ويبصر به لوائح الخطر وإشاراته من على بعد، ويدله على أماكن الفرص وأوقاتها ليستغلها .

وأهم شعب هذا الوعي للناشيء : الوعي العقائدي، إذ يتضح في مجال العقيدة أثر نوع البداية واستمرارها حتى النهاية أكثر من اتضاحه في المجال الفقهي والسياسي .

إنه لابد للداعية المربي من أن يبذر في قلوب إخوانه التوحيد الصافي البعيد عن البدع وتأويل النصوص الواضحة ، ولن يلتذ مسلم بعبادة أبدا ما دام توحيده مكدرا.

وما أحلى أن نتذكر في هذا المجال قول أبي الطيب المتنبي رحمه الله من أن :

( صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء التوحيد) فإذا ذاق أخوك طعم التوحيد : انخلع عن دنياه ، وحلق في أعلى الأجواء ، وذلك ـ كما يقول ابن القيم في مدارج السالكين ـ: ( إن القلب إذا خلى من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها ، من مال أو رياسة ، وتعلق بالآخرة ، والقدوم على الله عز وجل ، فذلك أول فتوحه وتباشير فجره ، عند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ما يرضي به ربه منه ، فيفعله ويتقرب به إليه ، وما يسخطه منه ، فيتجنبه ، وهذا هو صدق عنوان إرادته ، فيفتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات.

ثم يفتح له باب حلاوة العبادة بحيث يكاد يشبع منه . ثم يفتح له شهود عظمة الله المتكلم به وجلاله ، وكمال نعوته وصفاته وحكمته ، ومعاني خطابه ، بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتى يغيب فيه ، ويحس بقلبه قد دخل في عالم آخر غير ما في الناس فيه .)

فأول ما يلح فيه المربي أن يغرس في تلميذه معنى التوحيد الصافي وأن يثبت في قلبه دلائل وجود الله ، الدلائل الفطرية غير المصطنعة الفلسفية ، وأن يأخذه في سياحة ممتعة إلى الآيات المكية التي تدعو إلى هذا التأمل والتفكر ، وفي طائفة من الأحاديث الصحيحة التي تؤيد معاني هذه الآيات . ثم يعلمه أسماء الله الحسنى وكيفية التعبد بها ، وصفات الله تعالى تقتضيها هذه الأسماء ، فيدل على ما يجب أن يكون بقلبه من شواهد لكل اسم من هذه الأسماء ، كالذي يقتضيه اسم العلي من تواضع المؤمن ، وما يقتضه اسم الجبار والمنتقم والعظيم من عدل المؤمن وخوفه من الظلم والغرور والخيلاء .

فإذا دعا الجديد الناشئ وشارك في العملية التجميعية بهذه الصياغة المتينة فإنه سينقلب بإذن الله من نصر إلى نصر ، ومن توفيق إلى توفيق ، ونجاح إلى نجاح ، رابط الجأش لا يذهب بصبره نكوص الناكثين ، لا يحار جوابا أمام من خدعه المتطرفون ، آسرا للمقابل بظرفه ودماثته وفتوته وحلمه وجميل خلقه ومعاملته ، فهو الداعية الموفق الذي إذا مر نفذ، وإذا عزم تقدم ، وإذا بشر نجح ، وإذا استجيب له ربى ، وإذا ربى عصم ، يغدو في الدعوة ، ويروح إلى الدعوة .

إن هذه التربية التي تقول بوجوبها لمن نريد أن ندفعه إلى مباشرة دعوة مباشرة دعوة الناس هي التربية التي ربى الله تعالى عليها الأنبياء حين أراد لهم أن يصلحوا أمر الناس ، كما يقول عبد القادر الكيلاني ، وقبل ذلك التبليغ كانوا في تفكر وتحنث ، أي في فترة تربوية .

يقول رحمه الله:(لايزال العارف أخرس اللسان بين يدي الحق عز وجل حتى يرده على مصالح الخلق ، فإذا رده إليهم رفع الكلال عن لسانه والعجمة عنه .

موسى عليه السلام لما كان يرعى الغنم كان في لسانه لكنة وعجلة وعجمة ووقفة ، فلما أراد الحق عز وجل أن يرده ألهمه حتى قال :” واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي”. كأنه يقول : لما كنت في البرية في رعي الغنم لم أحتج إلى هذا ، والآن قد جاء شغلي مع الخلق والكلام لهم ، فأعني بذهاب الكلال من لساني .)

يوسف عليه السلام لما خرج من الجب والسجن وصبر على تلك الشوائد وتمكن وصار الكل تحت يده قال لإخوته:” ائتوني باهلكم أجمعين “، لما جاءه الغنى والملك وذهب القبض وجاء البسط . قبل ذلك كان أخرس في الجب والسجن ، فلما خرج جاءت الفصاحة .)