يقول ” دونالد رامسفيلد ” ان الهجوم الأمريكي على العراق مستهدف ، ويعتبر الأكثر دقة في تاريخ الحروب …. لكن لن يتمكن من أن يشرح هذه الدقة للطفلة (( ضحى سهيل )) التي كانت تنظر إليّ وأنابيب التغذية ممتدة بداخل أنفها ، وتجهم عميق على وجهها الصغير يزداد كلما حاولت أن تحرك الجانب الأيسر من جسدها . صاروخ كروز الذي انفجر على مقربة من منزلها استقرت شظاياه في ساقها الصغير وعمودها الفقري وأصيبت بشلل …

لقد كانت ” ضحى ” من 101 نزيل تم نقلهم إلى مستشفى بغداد الجامعي بعد هجوم المفاجأة والدهشة الأمريكي ليلة الجمعة …. سبعه أفراد آخرين من نفس الأسرة أصيبوا من جراء القصف أصغرهم رضيعة لم تتم عامها الأول .

ثمة شيء يؤلمنا كصحفيين غربيين نقوم بزيارة هذه المستشفيات بعد القصف وهو احساسنا بأننا (( نحن نقصف وهم يعانون )) ثم نأتي إليهم لنلتقط الصور . وزير الصحة العراقي عقد مؤتمر صحفي خارج ردهات المستشفى للتأكيد على الطبيعة ” البهيمية ” لهذا الهجوم . الأمريكان قالوا بأنهم لاينوون إيذاء الأطفال لكن ضحى لاتزال تنظر إلي وإلى الأطباء لتطمئن ان كانت ستستيقظ من هذا الكابوس وتتمكن من تحريك ساقها مرة أخرى دون ألم .

إذا ، فلننسى للحظات الدعاية الرخيصة التي يروج لها النظام مرفقة بمواعظ وتعليمات السادة رامسفيلد وبوش ، ونتجول في هذه المستشفى معاً . حقيقة الحرب في نهاية الأمر ليست بالهزيمة والإنتصار العسكري ، أو الأكاذيب عن وجود قوات تحالف دولية بينما لاتتضمن في واقع الأمر سوى أمريكا وبريطانيا وأستراليا . الحرب ، حتى عندما تكون لها شرعية دولية – على عكس هذه الحرب الغير شرعية- يبقى معناها الأكبر وانعكاسها الأوضح متمثلاً في (( المعاناة )) .

” أمل حسن ” فلاحة في الخمسين من عمرها جسدها مليء بالأوشام التي تميز فلاحات العراق ولابد أن هذا كان يميزها فيما مضى أما اليوم فما يميزها هو كدمات وجروح وانتفاخات …. لقد كانت في طريقها لزيارة ابنتها عندما ضرب انفجار كبير مدينة بغداد وتقول :” في تلك اللحظة كنت أنزل من سيارة الأجرة عندما سمعت انفجار مهول سقطت بعده وشاهدت الدماء حولي في كل مكان ، على يدي ،على قدمي ، على صدري ” ولاتزال احدى الشظايا في صدر أمل .

ابنتها في الخامسة من عمرها على السرير المجاور تئن من الألم ، كانت قد خرجت من سيارة الأجرة ووصلت إلى باب المنزل عندما وقع الإنفجار وشق قدمها التي لاتزال تنزف إلى الآن ولو أن الدم بدأ بالتخثر حول أصابع قدمها والضمادات مربوطة حول كاحلها … في الغرفة المجاورة يرقد ” سعد سالم ” 11 سنة وأخوه ” عمر ” 14 سنة كلاهما أصيبوا بشظايا الإنفجارات في سيقانهم وصدورهم .

في الغرفة الثالثة ترقد ” اسراء رياض ” تقريباً بنفس نوعية الإصابات فقد كانت تركض في حديقة منزلها بهلع عندما سمعت الإنفجارات لكن الشظايا كانت أسرع منها …. ” امامة علي ” 23 سنة مصابة إصابات عديدة في بطنها وأمعائها والحوض … أما ” نجلاء حسين عباس ” فحاولت أن تغطي رأسها بوشاح أسود لكنها لم تتمكن من اخفاء الإصابات المتفرقة والدماء النازفة .

ووجدت نفسي أتسائل بالأمس ، هل كان كل هذا بسبب أحداث 11 سبتمبر ؟ كل هذا من أجل الإنتقام ورد الضربة ؟ الإنتقام من ضحى و امامه ونجلاء الذين لم يكن لهم علاقة بالجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها صدام … أتسائل من قرر أن على أطفال العراق دفع الثمن ؟.

الحروب تعيد نفسها …. وفي كل مرة نقوم بزيارة المصابين نجد أنفسنا نسألهم نفس الأسئلة فلا زلت أتذكر في ليبيا عام 1986م كيف وجه أحد الصحفيين السؤال للمصاب قائلاً : هل أنت مصاب بشظايا انطلقت من مضاداتكم الأرضية ؟ …. واليوم فعلها صحفي بريطاني وطرح هذا السؤال على الطبيب ” هل تعتقد أنهم مصابين بسبب نيران المضادات الأرضية العراقية ؟”.

لا أعرف هل علينا أن نضحك أم نبكي ؟ …. وهل يعقل أن نلومهم دائماً على إصاباتهم ؟ … علينا أن نسأل أنفسنا لماذا جئنا بصواريخنا لنفجرها هنا !!.

إسراء رياض من ” صيادية ” حيث توجد ثكنات عسكرية في تلك المنطقة …. نجلاء عباس منزلها في ” الرسالة ” حيث توجد منازل لأقارب صدام حسين …. الأخوين سالم يقطنان في ” الشرطة خمسة ” حيث يوجد مخزن للعربات العسكرية … وهذه هي كل المشكلة … الأهداف متفرقة في أحياء المدينة … الفقراء ” وجميع المصابين الذين شاهدتهم بالأمس فقراء ” يسكنون هناك في منازل خشبية تنهدم أحياناً من مجرد صوت الإنفجار .

إنها نفس القصة القديمة ، عندما نشن حرب مهما نكثر بالثرثرة حول حرصنا على حياة المدنيين ، سنقتلهم ونصيب الأبرياء .

الدكتور ” حبيب العزي ” الذي حصل على شهادته من أدنبره صنف 101 نزيل من 207 مصاب وصلوا إلى هذه المستشفى فقط بأن 85 منهم مدنيين – 20 من النساء – 6 من الأطفال – 16 من الجنود … وتوفي رجل وطفل في الثانية عشر من عمره أثناء الجراحة وبالطبع لن يتم الإعلان عن عدد الجنود الذين توفوا .

وأنا أتجول في بغداد بالأمس شعرت أن التجربة مخيفة … الأهداف كانت مختارة بعناية ومع هذا أصابت الأبرياء …. مررت بالقرب من القصر الرئاسي الذي تم تدميره لاتزال تحيط به بعض التماثيل للقائد العربي العظيم ” صلاح الدين الأيوبي ” لكن وجهها مصمم بملامح الرئيس صدام وبقية البناية اصبحت قابعة في حفرة مظلمة عميقة … وزارة انتاج الأسلحة سحقت تماماً وأصبحت كومة هائلة من الخرسانة والأنقاض .

لكن خارج البوابة كان هناك كيس رمل وعدد من الجنود العراقيين بالزي الرسمي لازالوا يقفوا للدفاع عن وزارتهم التي حطمها العدو .

وبدأت حركة سير المرور تتزايد مع اشراق الشمس على الطرقات حول الدجلة …. لكن السائقين لم ينظروا باتجاه القصر الجمهوري ولا الوزارات المشتعلة والتي ظلت النيران تأكلها لمدة 12 ساعة بعد الإنفجارات …. لم يهتموا بذلك وكأن هذه الأنقاض جزء طبيعي من حياة بغداد اليومية ….

وعرف العراقيون المعنى الحقيقي لكل هذا …. في عام 1991م ضرب الأمريكان المصافي وشبكة الكهرباء والماء والإتصالات …. أما بالأمس الهواتف كانت تعمل والانترنت تشتغل والطاقة الكهربائية في كامل قدرتها والجسور على دجلة لم تقصف … طبعاً لأنه إذا ” وإذا لاتزال عبارة عن حرف لم يتأكد وقوعه كحدث ” إذا وصل الأمريكان إلى هنا سيكونوا بحاجة إلى هذه الأنظمة …. وبالتالي لن يتم ضرب هذه الخدمات ليس من أجل الشعب العراقي ولكن من أجل سادة العراق المنتظرين ونظامها الحاكم الجديد .

صحيفة العراق اليومية صدرت من 4 صفحات منها مقالات عن صمود الأمة ” – وكلمة صمود كانت تطلق ايضا على صواريخ العراق التي اجبروا على تحطيمها قبل مغادرة مفتشي الأمم المتحدة – وكلمة الرئيس صدام عن النصر الذي سيتحقق على السواعد العراقية .

ومرة أخرى لم تكن هناك محاولة من قبل الولايات المتحدة لتدمير محطات الإذاعة أو التلفزيون لأنهم ينوون استخدامها إذا ما وصلوا إلى بغداد … أثناء القصف ظهر جندي عراقي على شاشة التلفاز لطمأنة الشعب بالإنتصار القريب … عندما بدأ بالحديث انطلقت موجة من الإنفجارات التي أدت إلى تطاير الستائر خلفه وهزت آلة التصوير .

اذاً ، إلى أين سيحملنا كل هذا ؟ في الساعات الأولى من صباح الأمس نظرت وراء نهر دجلة إلى المحرقة الجنائزية للقصر الجمهوري والوزارة بجانبه …. كانت مشاعل النار تحيط ببغداد والسماء تبدو منخفضة لكثافة الدخان الذي يغطي المكان الذي بدا وكأنه قلعة من قلاع القرون الوسطى المشتعلة ، كأنه بلاد ما بين النهرين التي سمعنا عنها من آلاف السنين لحظة دمارها .

” زينوفون ” ضرب الجنوب ، ” الاسكندر ” اتجه إلى الشمال … وتم طرد المغول من بغداد وجاء الخليفة وبعد ذلك العثمانيون وبعد ذلك البريطانيون … الجميع رحل … وجاء دور الأمريكان … إنه ليس سرد تاريخي فحسب ولكنها ذكرى لها مغزى حتى صدام حسين يعرفه ويفهمه … نوع خاص من القوة ، نفس القوة التي شعر بها كل فاتح لأرض العراق عندما وطأت أقدامه أرض هذه الحضارة العظيمة .