يبدأ اليوم عام جديد من السنة الهجرية، التي دأب المسلمون على التأريخ بها منذ عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقد أجمع المسلمون بقيادة الفاروق على جعل الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة بداية تاريخ المسلمين، لما لهذا الحدث العظيم من دلالة عميقة حولت تاريخ البشرية، حيث تأسست الدولة الإسلامية المستقلة بسيادتها ودستورها ومؤسساتها وقوانينها.

وتأتي هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد 13 سنة من الدعوة إلى الله عز وجل سرا وعلانية، في الأقربين والأبعدين في قريش والطائف والحبشة والمدينة.

استجاب أهل المدينة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاهدوه -ممثلين في 73 رجل وامرأتين- على السمع والطاعة والنفقة والنصرة.

بدأ الصحابة، بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم، بالهجرة تسللا من قريش إلى أن أذن له ربه بالخروج صحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الليلة التي خططت قريش أن تضرب محمدا صلى الله عليه وسلم ضربة واحدة ليتفرق دمه في القبائل ولا تقدر عشيرته على الثأر منهم جميعا وترضى بالدية.

خرج عليه الصلاة والسلام بعد أن أوصى عليا رضي الله عنه برد الودائع التي استأمنه عليها أهلها لما عرف من صدقه وأمانته. خرج عليه الصلاة والسلام متوكلا على ربه وقد اتخذ كل ما استطاع من وسائل وأسباب تقطع على قريش الوصول إليه.

فكان التأييد الرباني الذي أعمى أبصار القوم وهو يمر أمامهم وأغشى أبصارهم عن رؤيته وهو يختبئ موضع أقدامهم وتحركت نواميس الكون بالقدرة الإلهية لتنسج العنكبوت خيوطها على الغار وتصنع الحمامة عشها بقربه، وينقذ الله نبيه من سراقة الذي لحق به ظانا أنه أدرك الجائزة التي خصصتها قريش لمن يمسك بالنبي وصحبه. وأراد الله أن تكون جائزته من نوع خاص تزيد الناس يقينا أن هذا الدين سينتشر وتكون له العزة والأمنة؛ كتب له صلى الله عليه وسلم كتاب أمان ووعده بسواري كسرى الذي حصل عليه عهد سيدنا عمر عندما تم فتح فارس.

ولدى وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان أول عمل قام به لإرساء دعائم البنيان الإسلامي هو إنشاء مؤسسة المسجد فكان عليه الصلاة والسلام يشارك بيديه الشريفتين في حمل الحجارة على كتفه الشريف وهو يردد: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرين.

بني المسجد النبوي الشريف، فكان مؤسسة جامعة، مدرسة دينية وسياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية. ولعل أهم تحول أحدثه هذا الإنجاز العظيم هو دخول المرأة التي لم تكن تعد شيئا إلى رحاب بيت الله، تحضر الصلوات وتشهد مجالس العلم والإيمان، وتساهم في المشاورات… فكان المسجد المحمدي مدرسة للدعوة ودارا للدولة.

“فكان المسجد المحمدي مدرسة للدعوة وكان كذلك دار الدولة فيه يهيء النبي العمل للعاطل والعلم للجاهل والمعونة للفقير ويرشد إلى الأمور الصحية الاجتماعية ويذيع الأنباء التي تهم الأمة ويلتقي بسفراء الدول ويرتب جنود المعارك في الحرب ويبعث الدعاة والمندوبين في السلم. هكذا كان المسجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وظل كذلك في عهد أصحابه ومن تبعهم بإحسان” يوسف القرضاوي، العبادة في الإسلام ص 225.

ولتنظيم العلاقات بين ساكنة المدينة، قام عليه الصلاة والسلام بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار أخوين أخوين حتى صاروا يتوارثون كما يتوارث الإخوة في النسب. وكتب لليهود معاهدة تضمن لهم دينهم ويتعهدون بالدفاع عن سلامة وأمن المدينة وأن يردوا أي خلاف إلى الله ورسوله.

إنها فعلا ذكرى غالية يتجدد فيها الحنين إلى العهد النبوي الزاهر، لكن هذا الحنين لا ينبغي أن ينقلب إلى إحباط عندما ننظر إلى الواقع المفتون، بقدر ما ينبغي أن يكون حاديا للقلوب المؤمنة المتطلعة إلى غد مشرق، إلى الخلافة على منهاج النبوة التي وعد بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى الوعد والنصر الذي وعده الله عباده المتقين. المهم في كل ذلك هو أن يسائل كل واحد نفسه وهو يعيش هذه الذكرى ما قدم لنفسه لتبرأ ذمته أمام ربه؟ وهل ساهم في البناء للموعود الإلهي أم هو مجرد متفرج على الأحداث؟

كل عام وأنتم بخير، ونسأل الله الخير لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وللبشرية جمعاء.