كان من شأن الأزمة العراقية أنها كشفت الوضع الحالي للنظام الدولي. فلقد بينت كيف أن الولايات المتحدة تستطيع أن تمارس نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري، وكيف أن الأطراف الآخرين في هذه الأزمة تمكنوا من التعامل مع مبادراتها. لكن ربما انها كانت أيضاً، وبمعزل عن عمليات الاحتجاج على الحرب التي واجهتها، نقطة انطلاق لاعادة النظر في الهيمنة الأميركية بحد ذاتها.

وفي أساس هذه الأزمة الخيار الذي اعتمده جورج دبليو بوش إزاء العراق ونظامه. ومما يذكر هنا أنه بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 عمل الرئيس الأميركي أولاً بموجب اقتراحات وزير خارجيته كولن باول التي ركزت على تنظيم القاعدة وأفغانستان. لكن مذاك كان العديد من الشخصيات الرئيسية في إدارته مثل مساعد وزير الدفاع بول وولفوويتز، وبشكل سري أكثر نائب الرئيس ديك تشيني، يقترحون عليه أن يهاجم العراق مباشرة. وهناك الكثير من المؤشرات التي تحمل على الاعتقاد أن هذا هو الهدف الحقيقي الذي كان الرئيس بوش قد حدده لنفسه من قبل، أما العمل بخيار وزير الخارجية فلم يكن يهدف الا الى تحقيق تحالف جميع دول العالم أولاً ضد الارهاب.

لكن بحسب ما يؤكد جميع الذين حصلوا على شهادات من الشخصيات الرئيسية في الادارة الأميركية2، يبدو أنه كان مقتنعاً منذ البدء بأن حرب العام 1991، التي تواصلت عبر عشر سنين من الحصار، لم تحقق اهدافها وأنه يمكن تغيير الوضع العام في الشرق الأوسط جذرياً إذا أمكن إطاحة النظام العراقي. وعلى كل حال انكشفت نيات الرئيس في خطابه عن حال الاتحاد في كانون الثاني/يناير عام 2002، حين صنف العراق في مقدّم الدول التي تشكل “محور الشر” مقدماً إياه على إيران وكوريا الشمالية في هذا المجال.

لكن هذا القرار الحاسم، وهو في أساس أخطر أزمة منذ بداية القرن الحادي والعشرين هذا، واجه العراقيل لما كان في الخطوة الأميركية من نفاق. ففي الواقع حرص الرئيس بوش على أن يتهم بنفسه العراق بأنه “يشكل خطراً على جيرانه وعلى المنطقة كما على العالم وعلينا نحن”، وهذا لم يكن طبعاً موافقاً للواقع. فتقارير المفتشين العائدة الى اواخر العام 1998 أكدت بكل وضوح أنه لا وجود في العراق للأسلحة النووية، وأنه تم تدمير الصواريخ البعيدة والمتوسطة المدى مع بعض الاستثناءات البسيطة، وعلى احتمال بقاء بعض المواد التي يمكن أن تساعد في التسلح الكيميائي لكن من دون أن تصنع على ما يبدو كأسلحة وبدون وجود توجهات لاستخدامها. وهذه المعلومات تم تأكيدها بشكل منتظم عبر عمليات التفتيش التي استؤنفت منذ كانون الأول/ديسمبر عام 2002 وتواصلت حتى 17 آذار/مارس من هذا العام. فكان من البديهي، منذ نشوء الأزمة، أن هدفه المعلن، أي نزع سلاح العراق، لم يكن المبرر الفعلي لقراره.

فأسباب هذه الأزمة كانت في آنٍ واحد سياسية واستراتيجية واقتصادية. فاطاحة النظام العراقي، وهو الأمر الذي بات الرأي العام يتقبله على أساس الصورة “الشيطانية” التي أضفيت على شخصية الرئيس صدام حسين، وعلى أساس أن إقامة نظام جديد مكانه، ملائم للغرب ولما عنده من “قيم”، ستفهم في الوقت نفسه جميع قادة الدول التي لا تزال خارج نطاق النفوذ الأميركي ما عليهم فعله إذا أرادوا بدورهم تفادي مصير القادة العراقيين.

أضف الى هذا أن إحكام القبضة على العراق سيكمل محاصرة إيران، إذ إن القوات الأميركية قد نشرت أساساً معداتها العسكرية في القوقاز وآسيا الوسطى وأفغانستان وباكستان وفي الخليج، فيما محور سوريا ـ لبنان ـ فلسطين مطوق أساساً بتركيا من الشمال وبإسرائيل من الجنوب، وهما الدولتان اللتان باتتا مرتبطتين باتفاق “شراكة استراتيجية”.

واخيراً فإن المصلحة الاقتصادية الرئيسية من السيطرة المباشرة على العراق، مع ما سيرافق ذلك من استثمار واتجار بموارده النفطية الضخمة، تكمن وعبر التأثير في سوق المحروقات، في ممارسة ضغط دائم على السعودية التي فقدت، منذ احداث 11 أيلول/سبتمبر عام 2001، كل مصداقية في نظر الزعماء الأميركيين.

نشبت الأزمة إذاً مع بدء الاستعدادات للحرب. فالسياسة الاستراتيجية الأميركية خططت لمرحلة أولى، جوية حصراً، الهدف منها تدمير البنى التحتية للخصم، السياسية منها والعسكرية، والاقتصادية في بعض الحالات، وتدمير ما عنده من وسائل اتصالات وتواصل ونقل وقيادة، ثم خططت لعمليات برية ومحمولة (جوية – برية) مركزةً هذه المرة على هدف واحد هو بغداد. أما الزحف على العاصمة العراقية فسيتم من الجنوب الى الشمال انطلاقاً من قواعد أميركية في الخليج، ومن الغرب الى الشرق تنفذه وحدات خاصة تنطلق من قواعد “سرية” في الأراضي الاسرائيلية والأردنية، ومن الشمال الى الجنوب عبر المنطقة الكردية في شمال العراق انطلاقاً من تركيا التي كانت المفاوضات معها قد بدأت في أنقرة منذ 14 تموز/يوليو عام 2002، على يد مساعد وزير الدفاع بول وولفوويتز.

وقد كان وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ومستشاروه للشؤون الاستراتيجية يرغبون في القيام بعملية سريعة، صاعقة إذا أمكن، وبقوى محدودة إذا دعت الحاجة. غير ان هيئة قيادة الأركان طالبت، وتفادياً لأي انحراف أو خطر الفشل، بأخذ الوقت الكامل لجمع القوى الجوية والبحرية الثقيلة، وتأمين العديد اللازم مهما بلغ، حوالى 250000 جندي، يضاف اليهم حوالى 50000 بريطاني. وهكذا ستتوالى عملية طلب المهل والتعزيزات حتى اوائل آذار/مارس متسببة بضغوط قوية في الأزمة. وهذا ما سيتبين سريعاً، إذ في الأسابيع والأشهر التالية ستظهر جميع أشكال المعارضة للحرب في المجتمع الدولي وفي اوساط حلفاء الولايات المتحدة وداخل المجتمع الأميركي نفسه. فبات من مصلحة الرئيس بوش إذاً الاسراع في إطلاق شرارة اختبار القوة هذا.

وقد طرأ المنعطف الحاسم مع القرار العراقي بقبول عودة مفتشي الأمم المتحدة. فقد انفتحت بذلك ثغرة تمكنت الديبلوماسية الفرنسية من التسلل من خلالها، إذ باتت تمسك بوسيلة تساعدها في تأخير نشوب الحرب آملة ربما، ولكن من دون توقع الكثير، في التمكن من تجنبها، وهذه الوسيلة هي مطالبة مجلس الأمن باعطاء الأولوية لأعمال التفتيش قبل أي لجوء الى القوة. وفي هذا الميدان، حيث استخدمت قدراتها وسياساتها، متسلحة بحق الفيتو ومستفيدة من شبكة مركبة من الصداقات والنفوذ في العالم، راحت تعمل على نطاق واسع ببراعة وتصميم، قلائل ظنوا أنها لا تزال تمتلكهما. لكن ربما لم يكن لها لتفعل شيئاً لولا قرار الرئيس بوش العمل عبر الأمم المتحدة. ومن أقنعه بذلك هو وزير الخارجية كولن باول الى درجة أنه تمكن من اقناعه بالحضور شخصياً، في أيلول/سبتمبر عام 2002، الى جلسة الجمعية العمومية للأمم المتحدة ليؤكد عملياً بذلك أن قراره نهائي لا عودة عنه.

وهذا القرار نتج من سلسلة من التحليلات للمواقف المحتملة للأطراف الفاعلين في الأزمة، فالدول العربية لم تكن لتشكل فعلاً عائقاً في وجه الحرب، فالعديد من قادتها قد أبلغوا الديبلوماسيين الأميركيين في لقاءاتهم الخاصة أنهم راضون جداً عن اطاحة الرئيس صدام حسين. وأوروبا تساند الولايات المتحدة بالاجماع تقريباً حتى اسبانيا وإيطاليا وهما المعروفتان بعلاقاتهما الوثيقة مع الدول العربية. وإذا كان موقف المستشار الألماني غيرهارد شرودر المعارض للحرب قد صدم الرئيس بوش الذي طالما أكد ان هذا الأخير قد وعده بالدعم، الا ان المانيا لا تلعب دوراً فاعلاً. أما فرنسا، وبالرغم من تحفظاتها المتوقعة، فإنها في النهاية سوف تسير في الخطوة الأميركية. وبعدما اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صراحة بعد 11 أيلول/سبتمبر الوقوف الى جانب الولايات المتحدة في الحرب على الارهاب، فإنه كان من المتوقع أن تؤيد روسيا القرار أو تمتنع عن ذلك، فيما اصبح امراً تقليدياً في شؤون الشرق الأوسط التفاوض مع الصين على امتناعها عن التصويت في مجلس الأمن.

أضف الى ذلك أن الديبلوماسية الأميركية كانت مقتنعة بفعالية ما تملكه من وسائل ضغط أو اغراء لاقناع الدول المترددة من الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن.

وسيتبين ان هذا التحليل لم يكن في جزء كبير منه صحيحاً. لكن الرئيس بوش كان قد اقتنع بالعمل عبر الأمم المتحدة من أجل الحصول على تكليف سياسي وقانوني لمشروعه الحربي، فيما كانت هيئة قيادة الأركان لا تزال تطالب بالمزيد من الوقت لنشر قواتها. كما انه في الأسبوع الثالث تقريباً من كانون الثاني/يناير تبين للخبراء الأجانب لدى زيارتهم المنشآت النفطية العراقية أنها ملغومة وانها ستدمر في حال نشوب الحرب فتقرر اللجوء الى عملية “بديلة” في الخطط الحربية تقضي بالاحتلال الفوري لحقول النفط.

وهكذا تم الدخول في دوامة لن تخرج منها السياسة الأميركية الا بعد بضعة أشهر وفي سياق سياسي متحول الى حد بعيد، ذاك أن أعمال التفتيش المستأنفة في العراق لم تؤكد بأي شكل المقولة الأميركية حول “الخطر العراقي”، وكان الوقت يمر من دون العثور على الأسلحة المحظرة حتى وإن كان لا يزال هناك العديد من التساؤلات ومنها مثلا حول تدمير مخزون المنتجات التي يمكن ان تساعد في صنع الأسلحة الكيميائية.

وكان على السيد كولن باول أن يبادر حتماً الى الرد، فأعلن انه سيعطي البراهين، بما لا يقبل الدحض، على امتلاك العراق اسلحة الدمار الشامل امام مجلس الأمن الذي دعي الى الاجتماع في 5 شباط/فبراير. وقد بلغ الأمر بوزارة الخارجية أنها شبهت مداخلتها الموعودة بمداخلة ادلاي ستيفنسون أثناء الأزمة الكوبية في العام 1962، عندما عرض الصور الجوية التي برهنت على وجود صواريخ سوفياتية على الأراضي الكوبية… لكن النتائج جاءت معاكسة لما توقعه وزير الخارجية، إذ سرعان ما تبين أن بعض هذه “الوثائق” التي قدمها بنفسه لم يكن لها أي قيمة، مثل ذاك التقرير حول تسلح العراق النووي الذي لم يكن سوى عمل جامعي يعود الى العام 1994 والجميع مطلع عليه، او مثل التقرير الآخر الذي حصل عليه من الحكومة البريطانية والذي لم يكن سوى أطروحة منحولة قديمة اساساً لطالب من كاليفورنيا…

يضاف الى ذلك تلك المهزلة، عندما رأينا السيد كولن باول يفضح التهديد باستخدام جرثومة الجمرة الخبيثة رافعاً أنبوباً سرعان ما تبين أنه يحوي مسحوقاً غير مؤذ… وبلغ فشله أقصى حد في اجتماع مجلس الأمن في 14 شباط/فبراير عندما اثار خطاب وزير الخارجية الفرنسي، السيد دومينيك دوفيلبان، الذي دان فيه النيات الحربية بكلام قاسٍ، موجة من التصفيق الذي نادراً ما يحدث في تلك القاعة.

ومن جديد أرادت الديبلوماسية الأميركية المبادرة الى الرد، وهذا ما قامت به في مجالين معاً، فأعلنت أن الهدف من الحرب هو بكل بساطة اسقاط ديكتاتورية الرئيس صدام حسين لتحل مكانها ديموقراطية فعلية تكون نموذجاً يترك صداه في المنطقة كلها. لكنها قدمت أيضاً ثلاثة “اختبارات” للتحقق من خضوع العراق لجميع المطالب تمثلت في تدمير الصواريخ القصيرة المدى من نوع “صمود ?” والسماح بتحليق طائرات الاستكشاف من نوع “يو تو” بدون إشعار مسبق، واستجواب العلماء العراقيين من جانب المفتشين خارج العراق.

وقد رد القادة العراقيون وفقاً للاستراتيجيا البسيطة جداً التي اعتمدوها، وهي القبول بأي شيء لتأخير الحرب على أمل، ومن دون كبير وهم، أن تطرأ أحداث خارجية أو غير متوقعة تساعد في تجنبها. فلم يصدر أي اعتراض على تحليق طائرات الـ”يو تو” بدون اشعار مسبق. وبدأ تدمير صواريخ صمود -2 القصيرة المدى، وإنما التي تجاوز مداها بـ30 كيلومتراً مسافة الـ150 كيلومتراً المسموح بها كحد اقصى لدى التجارب، علما أنها عندما تزود شحناتها ستصبح ثقيلة أكثر ولن تبقى قادرة على أن تتجاوز بكثير مسافة الـ150 كيلومتراً المسموح بها. أما العلماء العراقيون فقد اشترطوا تسجيل تصريحاتهم وتم التوافق على أن تحول التسجيلات الى مقر الأمم المتحدة لكي يصار الى الاستعانة بها عندما تدعو الحاجة.

وحتى ان المسؤولين العراقيين ذهبوا أبعد من ذلك حين اقترحوا التنقيب عن آثار تدمير مكونات الأسلحة الكيميائية بمساعدة الخبراء الذين يساعدون مفتشي الأمم المتحدة، وقد استقدموا من جنوب افريقيا الفريق الذي أشرف على تدمير اسلحة الدمار الشامل المصنعة في زمن النظام العنصري. ففي الاجمال ساعدت الاستراتيجيا العراقية بشكل دائم في تبرير مقولة الدول المدافعة عن مواصلة أعمال التفتيش في وجه تفجير الحرب.

جاء إذاً الموقف الفرنسي ليسقط رهانات واشنطن التي توقعت اصطفافها وراء الخطوة الأميركية. ذاك ان الحرب المعلنة، بالنسبة الى الرئيس جاك شيراك، ستكون نموذجاً لمفهوم “الحرب الوقائية” هذا، وهو لا يرغب في تشريعه. لأنه سيكون من الصعب تطويقه وسيدفع التيارات القومية والاسلامية، المتصارعة في ما مضى، الى الاتحاد في وجه العدو الواحد. وفوق كل ذلك هناك خطر في ان تبدو هذه الحرب وكأنها حرب بين الحضارات، وحتى بين الأديان، في حين أن الرئيس الفرنسي يؤمن صراحة بأن السلام مشروط بما سمّاه هو نفسه “حوار الثقافات”. وأياً يكن فقد اتخذ قراره بمعارضة الحرب حتى النهاية.

وجاء الدعم الألماني مفيداً جداً لفرنسا كيلا تبدو معزولة كثيراً داخل الاتحاد الأوروبي. وكان من الأهم أيضاً الحصول على دعم روسيا الذي سيساعد في تجنيب فرنسا، عندما تدعو الحاجة، ان تكون الوحيدة التي تستخدم حق الفيتو ضد أي قرار يقود الى الحرب. وللتوصل الى ذلك كان على الرئيس شيراك ان يبذل الكثير من الجهود. وما ساعد الرئيس بوتين في حسم خياره هو انه رأى الفرصة سانحة في ذلك للتقدم خطوة مهمة في اتجاه “عالم متعدد الأقطاب”، وهذا أيضاً ما كان حاسماً في الاتفاق مع الصين. وفي الاجمال حققت الديبلوماسية الفرنسية أهدافها إذاً، وسيكون لمحور فرنسا ـ ألمانيا ـ روسيا ـ الصين، في كل الأحوال وزن مهم، ولو موقت طبعاً، في مسار الأزمة.

وفي الاتجاه المعاكس كان للولايات المتحدة حليف ذو وزن هو بريطانيا. وفي ما بعد تبين أن دعمها أكثر هشاشة مما كان يظن، لكن وحتى اول آذار/مارس على الأقل كان ذا فاعلية كبرى. فلندن هي التي حرضت على اصدار بيان الدول الأوروبية الثماني التي بعددها كانت كافية للزعم بأن ألمانيا وفرنسا، وحتى مدعومة من بلجيكا، تشكلان أقلية داخل الاتحاد الأوروبي كما كانتا داخل حلف الأطلسي عندما عارضتا تقديم الدعم المادي لتركيا لمساعدتها في الدفاع عن نفسها في حال تعرضها لهجوم من العراق، وهي فرضية واهمة وواهية تماماً. والبريطانيون هم الذي كانوا الى حد بعيد وراء “إعلان فيلنيوس” الذي عبرت فيه الدول المنضمة حديثاً الى حلف الأطلسي والمرشحة للدخول الى الاتحاد الأوروبي، عن دعمها للولايات المتحدة ولمشروعها الحربي.

وفي هذه المرحلة من الأزمة برز على الساحة عامل جديد، هو الرأي العام العالمي. فالتظاهرات التي قامت في 15 شباط/فبراير عام 2003 كشفت فجأة حجم الاعتراض على الحرب. والتظاهرات الكبرى قامت في بعض الدول الأكثر اندفاعاً في اتجاه الحرب، مثل بريطانيا واسبانيا واوستراليا. وما له دلالته أنها لم تقترن بأي حافز ينم عن تعاطف مع نظام السيد صدام حسين ولا حتى مع العراق. فالمشاعر الشعبية التي جرى التعبير عنها كانت ضد هيمنة الولايات المتحدة الأميركية وضد سياساتها واستعراضها قوتها ورغبتها في خوض الحرب، وفي ذلك ربما إيذان، ليس بنهاية قريبة للحرب، وإنما ببدء الاحتجاج بقوة على النظام العالمي.

وقد باتت الأزمة تتطور وفق جدلية معقدة ما بين التحضيرات السياسية والعسكرية للحرب. فقد فشلت الديبلوماسية الأميركية، وبفارق اصوات بسيط جدا، في الحصول على موافقة البرلمان التركي على المعاهدة التي تنص على منح تركيا قرضاً بقيمة 19 مليار دولار وهبة بقيمة 6 مليارات دولار تدفع على الفور إذا وافقت على تسهيل انتشار القوات الأميركية عبر اراضيها. وقد تطلب الأمر إعادة نشر اللوجستية الأميركية في المنطقة الكردية في شمال العراق وإعطاء دور اكبر للوحدات المتمركزة أساساً في الاردن واسرائيل على الأرجح. أما الجيش التركي، الذي تجاهل رفض البرلمان، فقد سهل نقل المعدات الأميركية من ميناء اسكندرون الى الحدود العراقية.

لكن في الوقت نفسه أرادت واشنطن رفع وتيرة الأزمة عبر العمل على تصويت مجلس الأمن على قرار جديد يفتح الطريق الى الحرب. فكان احتساب الأصوات هنا حاسماً. وفي تلك الفترة كان هناك ستة اصوات اكيدة وهي الولايات المتحدة نفسها وبريطانيا واسبانيا وبلغاريا وتشيلي وحتى باكستان. ثلاث دول كانت مترددة تطلب الأمر اجتذاب اثنتين منها على الأقل، المكسيك وغينيا والكاميرون. وقد جرى الحديث عندها علناً عن الاغراءات المالية التي استخدمت للحصول على صوت غينيا، كما قيل ان التداخل القوي جداً بين مصالح المكسيك والولايات المتحدة كان من شأنه أن ساعد في كسب الصوت المكسيكي.

وعندها أعلن وزير الخارجية الفرنسي السيد دومينيك دوفيلبان في مؤتمر صحافي أن فرنسا ستعارض القرار الأميركي، وبعدها علم أن روسيا، وبشكل سري أكثر الصين، سوف تعتمدان الخيار نفسه. وكان للتهديد الفرنسي بالفيتو أثره الفوري، ففي الواقع قدرت الدول المترددة ما تجازف به إذا ما خضعت للضغوط الأميركية فاتفقت في ما بينها على الموافقة على الحرب لكنها لم تنجح في تمرير هذا القرار إذ ان الفيتو الفرنسي والروسي والصيني سيمنع صدوره.

وما من شك في ان الولايات المتحدة تجاهلت كل ذلك ورأت أنه يحق لها خوض حربها مستندة الى غالبية اصوات (مفترضة) تؤيدها في مجلس الأمن. ونتيجة ذلك فإن ميثاق الأمم المتحدة قد انتهك بشكل علني. ونشأت عندها أزمة حادة لا يمكن اصلاحها في المنظمة الدولية. فالدول “الصغيرة” أو “المتوسطة” رأت في ذلك خطوة لا يمكن تحملها، فهي الدول الوحيدة المتمسكة أكثر من غيرها بوجود الأمم المتحدة وبحسن سيرها، وهي الاطار الوحيد حيث يمكنها في بعض الظروف ممارسة تأثير فعلي في قضايا العالم.

وعندها بدا انه ليس هناك للقرار الأميركي اي حظ في نيل تسعة اصوات لصالحه، فاتخذ القرار في واشنطن بسحبه ليصاغ قرار آخر بصيغة إنذار نهائي، والكلمة هذه في حد ذاتها أسيء اختيارها إذ اثارت الرعب. أضف الى ذلك ان النص الأميركي في صيغته الأولى لم يقدم أي شرط بديهي يمكن للعراق قبوله او رفضه وهو لم يكن في الحقيقة سوى إعلان حرب حدد موعدها في 17 آذار/مارس. وقد تأكد وقتها الفيتو الفرنسي والروسي والصيني أكثر من ذي قبل، وقامت الدول المترددة بالتحليلات نفسها. وباختصار لم يكن هناك أي امل في اعتماد القرار الجديد ولا في أن ينال تسعة أصوات مؤيدة.

وقد بلغت الأزمة ذروتها حين تبين أن الأسابيع التي مرت قد سمحت لمناهضي الحرب داخل حزب العمال البريطاني بتعزيز مواقعهم بما يكفي لاسقاط رئيس الوزراء توني بلير، الذي اضطر الى التعهد بالعمل على تشريع اللجوء الى القوة عبر قرار يصدر عن مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وهذا ما عجز عنه، فإذا هو يراهن بموقعه في التاريخ ويجازف بمستقبله الشخصي عندما أيد الحرب وأعلن سلفاً تحمل كامل المسؤولية. لقد فاز تصميم الرئيس بوش بكل شيء، وعندما دعا السيدين توني بلير وجوزي ماريا أسنار الى قمة في جزر الآسور، في 16 آذار/مارس 2003، أصبح من المعروف أن الأزمة ستنتهي حكماً باللجوء الى القوة.

1 صحافي، مؤلف كتاب:

Le dernier empire, Grasset, paris, 1996.

2 المرجع:

Bob Woodward, Bush s”en va-t-en guerre, Denoël, Paris, 2003 ; Eric Laurent, La Guerre des Bush, Plon, Paris, 2003 ; Philip S. Golub, “Comment s”est décidée l”offensive contre Bagdad”, L”empire contre l”Irak, Manière de voir no 67.