نبدأ من المنابع، من حيث بدأ العقل المسلم مسيرته. كان العقل الساذج العربي الجاهلي مفصولا عن فطرته بعوامل نفسية ومكتسبات دنيوية، كانت العصبية القبلية واقتفاء أثر الجدود، ورئاسات الرؤساء، ولهو البؤساء أهم ما يطمر الفطرة العربية الساذجة.

لم يكن لذلك العقل كبير كسب في الميدان الحضاري، لم يكن له مثلا ناطحات سحاب وصواريخ وعلوم طبية تعبث بأعضاء الإنسان وتلعب بمورثاته لعب جنون.

لم يكن لذلك الساذج مكتسبات فلسفية تراكمت مذاهبها، ولا مذاهب سياسية إيديولوجية تناقضت مكتسابتها.

لم يكن ذلك العقل على حافة دمار نووي.

لم يكن أمامه ولا خلفه كتلة من الأشياء والأفكار التي أنتجتها حضارته.

كانت الحواجز والموانع أمام الهداية نفسية أكثر شيء.

وكانت القيم المروئية من كرم وشجاعة وأمانة وشهامة وذمة مقدرة تقديرا عاليا. كما كانت العلل السياسية الاجتماعية فاشية من غزو القبيلة للقبيلة وعدوان الجار على الجار.

كانت الفاقة والقلة والحاجة وشح الموارد في البوادي سمة موازية لترف التجار المكيين الذين برز منهم رجل عرف بالأمانة والاستقامة والشرف طيلة حياته.

هذا الرجل هو محمد، من أوسط الناس نسبا وأرجحهم عقلا وأعلاهم همة. أوسط بمعنى أرفع.

وحول المسجد الحرام بمكة، وفي فناء الكعبة المشرفة، ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانه وبلاغه لما جاءه الوحي. كان هو أول من تعجب مما أصابه لما نزل عليه شخص لم يكن يعرفه، وخاطبه، وعلمه، وقرأ عليه القرآن، وأخبره أنه رسول الله، وأمره بتبليغ الرسالة وإلقاء البيان.

فزع محمد صلى الله عليه وسلم، وجاء زوجه خديجة يتساءل ما به.

ثم عزم أمره وألقى البيان وخاطب قومه بالبلاغ.

فطائفة سمعت سمع التصديق، دخل معه في دينه ضعاف الناس وأوساطهم رجلا رجلا وامرأة امرأة تحت اضطهاد قريش.

وصم الكبراء من القوم ولم يسمعوا سمع القلب، والتف العقل المعاند المعتز بذاته المكابر المجاحد في أردية كبريائه.

لمكان الصمم والعمى في القلوب صدف من صدف وتولى وأعرض وكفر.

“إنه فكر وقدر. فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر. ثم نظر. ثم عبس وبسر. ثم أدبر واستكبر. فقال إن هذا إلا سحر يوثر. إن هذا إلا قول البشر .

“فكر” هذه لفظة من بين ثمان عشرة كلمة وردت في القرآن، كلها تشير لتفكر القلب إلا هذه.

ولتنزل رحمة الهداية تفتحت قلوب فسمعت السمع الصحيح، وعقلت العقل المسلم، واستجابت وآمنت، وعملت صالحا فازداد إيمانها. واستمعت آيات الله تتنزل مبشرة منذرة فازداد إيمانها، ورسخ يقينها، وتوثقت صلتها بالوحي وتلمذتها له.

ميلاد وميلاد

هكذا ولد العقل المسلم في فناء الكعبة، في المسجد الحرام. وهكذا بدأ تاريخ الإسلام وتاريخ العقل الإسلامي.

ولد العقل المسلم في المسجد، وولد العقل الفيلسوف في الساحة العامة. في ساحة المشائين اليونان على جوانب “الأكورا”.

الأكورا هو الاسم اليوناني للساحة العامة وسط المدينة، حيث ولدت الديمقراطية اليونانية سلف الديمقراطيات الغربية. ولدت الديمقراطية جنبا إلى جنب مع الفلسفة، وولدت الشورى من رحم العقل المؤمن بالله ورسوله.

نزل الوحي بالشورى فاحتال العقل المؤمن في تطبيقها واجتهد. أستغفر الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينطق إلا عن الوحي. ومن نسب إليه الاجتهاد من العلماء فإنما هي تغطية على خصوصية الرسول صلى الله عليه وسلم ليتحرر العقل المسلم من التقليد ويحتال ويجتهد في التطبيق.

وولدت القانونية الرومانية في جنبات “الفوروم”. وهي اللفظة اللاتينية للساحة العامة.

حول الأكورا اليونانية والفوروم الروماني كانت المحاكم والمتاجر والمصارف والمعابد، ووسط الساحة كانت تعقد التجمعات العامة والحفلات العامة التي كانت هي المظهر الأكبر للدين.

كان الدين على الهامش مع التجارة والقضاء والمال. وكانت الوظيفة الاجتماعية الوسطى المركزية هي الوظيفة السياسية للساحة العامة.

ولد العقل الغربي اليوناني الروماني سلف العقل العصري نزيلا على عنصرية الديمقراطية اليونانية التي كانت الإنسانية لديها إنسانيتين: إنسانية المواطن الحر الذي يتمتع بكل حقوق السيادة، وإنسانية العبيد الذين لهم فقط حق البقاء في الحياة ماداموا يطيعون السيد.

ولد العقل الغربي الروماني اليوناني نزيلا على القانونية الرومانية التي كانت ترسم خارطة العالم، وتجبي إلى روما العظيمة السيدة القاسية المتحضرة الدموية ثمرات العالم.

وتضمن للمواطن الروماني حقوقا باهظة على حساب العالم الرازح في أصفاد العبودية، الثائر تارة المقموع دائما بقوة الفيالق المدربة العتيدة.

بدأت من المسجد بمكة ومن الساحات العامة بأثينا وروما مسيرتان للعقل البشري. وكان للمولودين شأن في التاريخ، هو نفس الشأن الذي نحن بصدده. لا خلاص لنا من أوهام السياسة والحداثة والعقلنة وإعلانات حقوق الإنسان ما لم نتبين بالفحص المعمق أي إنسان هو الإنسان، وأي حق هو الحق لدى هذا المولود وذاك.