هل من فرق جوهري بين عقل من يستقي من حوض اللاييكية وينظر بمنظار مستعار، وتجري في دمائه الثقافية تيارات فلسفية متطورة متدرعة بالحجة العلومية، وبين عقل غيره من الناس ؟

أليس التركيب العقلي للناس واحدا، وهم إما ذكي مثقف، وإما أمي في دركة ما من دركات الأمية؟

أما الوحي فقد تكلم فيه علماء النفس والمستشرقون وصنفوه إلى جانب الظواهر المرضية الشاذة .

لم أضع علماء النفس بين قوسين إطلاقا للإفك الجاهل والإفك المتعالم على عواهنه. وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ما به يستهدون من ضلالات العقل المعاشي الأصم الأعمى الذي يصطدم خفاشه بنور الوحي فلا يزداد إلا ضلالا .

مع المؤمنين والمؤمنات كتاب الله تعالى خالق الإنسان ومركب مداركه وهادي من يشاء إلى صراط مستقيم .

من هنا تبدأ خصوصية العقل المؤمن واختلافه الجوهري عن العقل المشترك بين البشر،عقل النظر القائم بذاته المستقل المتأله، عقل المعاش المدبر لشؤون الحياة الدنيا، المحجوب عن حقائق الغيب مادام لا يسمع من الوحي ولا يبصر نور الوحي .

ليست المسألة اصطلاحا يفرز العقل المؤمن الآخذ عن الله على حدة، والعقل المعاشي على حدة، بل هو تميز جوهري. ليس الأمر ترتيبا في درجات يكون العقل المعاشي الفلسفي أكثر أو أقل حكمة وذكاء من العقل المؤمن. بل هو اختلاف نوعي .

للعقل المعاشي العلومي مجال واسع للتفكير والتدبير المنطقي في نطاق الكونيات. متى حاول هذا العقل أن يقتحم ما فوق طوره هام في بحور الفلسفة والأطروحات والتقديرات .

إلا أن تتداركه رحمة من الله فتسوقه من آفاقه التائهة رجوعا إلى عتبة الفطرة التي يتساوى فيها الإنسان الأمي الباقي على فطرته لم يبرحها ولم يفسدها عليه الوالدان والمجتمع مع الفيلسوف العائد من جولاته وأطروحاته .

عتبة الفطرة هي بكل بساطة حاجة كل مصنوع لصانع. بديهية من بديهيات العقل البشري الساذج تتلفها الفلسفة وتدكها دكا وتردمها في ركام التقديرات، فإذا العقل البشري المعاشي المصاب بداء العمى عن البديهيات يقبل ببلادة أن يكون هو مصنوعا لنفسه .

داروين الفيلسوف الكبير تبلور مذهبه وترسخت لديه عقيدته لما زار جزر الجلاباجوس وتتلمذ هنالك على طبيعة انعزلت عن القارة ملايين السنين فطورت لنفسها نمطا للحياة يبقي الحياة على حيوانها و النبات. طورت في زعمه وعماه .

سحلاة برية طورت لنفسها على مدى حقب رئتين واسعتين لتتمكن من الغوص في البحر وتلتقم من أعشاب البحر لما شحت عنها أعشاب البر .

على مدى حقب طويلة طورت السلحفاة العملاقة أميرة الجلاباجوس أسلوبا للحياة ومقومات للحياة تتماشى مع المحيط الطبيعي. وسميت الجزر باسم السلحفاة. جلاباجو بالإسبانية تعني سلحفاة.

ماذا فعلت بنفسها هذه الماكرة؟ إنها صنعت لنفسها على مدى أحقاب عنقا طويلة لتبلغ أغصان الشجيرات البعيدة عادة عن متناول السلاحف .

وصعد داروين على ظهر السلحفاة الأستاذة فانجلى له المذهب التطوري الذي خرج به على الناس. واستقرأ ما في القارات سهلها وجبالها، قاحلها وعامرها، فوجد أن قانون التطور عام في الطبيعة التي تصنع نفسها بنفسها، وتطور لأفرادها أعضاء تتلاءم مع البيئة المتطورة .

هكذا سحلاة الجلاباجوس وسلحفاتها، وهكذا حشرات الصحراء وحيتان البحر. وهكذا القرد الذي طور نفسه زمانا بعد زمان حتى استوى قائما، واستعمل الآلات الحجرية فنمى عقله، ووسع جمجمته، وأثقل وزن مخه، وتعاظم ذكاؤه، ونثر عن بشرته الزغب، وقوم أنفه، وسوى خلقه، ونطق بالكلام همهمة بعد إشارة، ثم لغة فلغات، ثم علوما وفلسفة .

وهكذا يدور العقل المعاشي الفيلسوف في منطق مغلق لما انسدت مسالكه وانحبست قنواته وعميت عينه وصمّت أذنه عن السماع من الوحي .

مجاز وحقيقة

استأنسنا في [أحد كتبنا] بمجاز عين العقل وشبكيته وقرنيته وبلوريته وما يعتريها من أمراض. واستأنسنا بمجاز الدماء الثقافية ومصبها ومجاريها ووظائفها الموازية لوظائف الدماء البيولوجية .

هيأنا الاستيناس بالمجاز للوقوف على حقيقة من الحقائق الجوهرية التي يبسطها الوحي بسطا، ويكررها تكرارا، ويضرب لها الأمثال، لكن يمر عليها قارئو القرآن مرا لا يكادون يقفون معها .

هذه الحقيقة هي أن العقل عقلان. ما نسميه عقلا لغة وتعريفا للملكة المشتركة بين البشر ليس هو مسمى العقل في القرآن .

العقل في القرآن فعل حاسة باطنة في الإنسان تسمى القلب. العقل تلقٍّ لحقائق الوحي بواسطة القلب .

والفقه في القرآن علم ينشأ في باطن الإنسان، في قلبه .

والتفكر حركة قلبية تتدبر الكون استدلالا على الله .

هذا العقل المعاشي المشترك بين البشر إما يكون آلة للقلب يخدم تطلعات القلب إلى خالقه، وإما يكون آلة للهوى المتأله، أو للنفس والشهوات، أو للفلسفة والتأملات، أو للفعل في المكونات، أو لجمع المعلومات واستنتاج حصيلة الماجريات .

وكمال العقل الآلة أن يخدم القلب وتطلعاته خدمة متزامنة متساوقة مترابطة هنا وهناك. هنا في الكون حيث يشترك مع كافة البشر في طرق تحصيل علوم الكون. وهناك وراء سجف الغيب من حيث لا تتأتى له معرفة إلا باستماعه للوحي.

ذكرت مادة “قلب” في القرآن أكثر من مائة وثلاثين مرة. ما منها لفظة تنصرف للعضلة الصنوبرية اللحمية.

وذكرت في القرآن مادة “عقل” خمسين مرة ما منها لفظة تدل على الآلة المشتركة.

وذكرت مادة “فقه” عشرين مرة، ومادة “فكر” ثمان عشرة مرة. كل ذلك دلالة على الوظيفة القلبية الإيمانية.

يأخذ العقل الآلة علومه عن الكون بواسطة الحواس، وبواسطة البديهيات الفطرية، ثم بواسطة المنطق الناشي، لديه من استقراء الثابتات والمترابطات والمستلزمات.

ويأخذ العقل الكامل عن الوحي ما هو من عالم الغيب، وعن المدارك المشتركة ما هو من عالم الشهادة.

يحدث للعقل المؤمن بالله المصدق للوحي عَوَرٌ إذا أغمض عين المدارك المشتركة، وعجز عن التعلم من الكون، وترك آلته للإهمال والصدإِ، فيفوته ركب الحياة الدنيا، ويقعد مع القاعدين العاجزين.

وذلك نقص في حقه، وقصور عن فهم رسالة الوحي الذي أنبأ بأن الله سخر لنا الكون وأمرنا أن نسير في الأرض ونستعمرها وندافع ونجاهد.

وكل ذلك ممتنع إن لم نسخر بإرادتنا واجتهادنا وتعلمنا هذه الآلة العجيبة المسماة عقلا.

ويصيب العقلَ المشترك الآلة عاهةُ العمى الكلي، لا يبصر معها البصر المعتبر على أفق الأبدية وهو البصر بالله وبأمر الله وبالدار الآخرة وما يسعد الإنسان هنا وهناك.

يصيب الشللُ والعجزُ في الدنيا العقلَ المؤمن إن أغمض إحدى عينيه وأعرض عن الاكتساب في حلبة النظر العلومي الصناعي التدافعي الجهادي جنبا إلى جنب مع العقل الآلة المشتركة.

ويضل العقل الأعمى المُعرض عن الوحي فلا يهتدي سبيلا إلى الغاية الوحيدة المعتبرة على سلم الأبدية والخلود في الجنة أو النار. لا يهتدي سبيلا إلى سعادته الأخروية وإن كان بصيرا بسبل رخائه المادي في الدنيا.

ذكرت مادة “عمى” في القرآن ثلاثا وثلاثين مرة، منها ثلاثة ألفاظ تدل على عمى الحاسة في الرأس. وثلاثون لفظة للدلالة على عمى القلب.

هذه الحواس المشتركة من سمع وبصر تنغلق مسالكها وتنحبس، وتتعطل وظائفها، فيسمع السامع وهو غير سامع، وينظر وهو لا يهتدي.

ذلك حين يحول كفر الكافر بينه وبين ضوئيات الوحي، ويقطع الشك مواصلاته مع مصادر السمع.

قال الله عز وجل يصف حال الكافرين مخاطبا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم: “ومنهم من يستمعون إليك. أفأنت تُسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من ينظر إليك. أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون”. يونس: 42-43.

فهؤلاء يسمعون الكونيات ويبصرونها. لكنهم كما وصفهم القرآن الكريم: “صم بكم عمي فهم لا يعقلون”. البقرة: 17.

في ميزان الحق، وعلى سلم الأبدية، ينحط العقل المعرض عن الوحي المنازع ربه على السيادة المتأله المتجبر المستكبر، إلى درجة الحيوان.

سبحان الله الذي أهانه حتى أصبح يفتخر بحيوانيته، ويعتز بقرديته.

قال الله تعالى يصف الصم البكم العمي الذين لا يعقلون: “ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس. لهم قلوب لا يفقهون بها. ولهم أعين لا يبصرون بها. ولهم آذان لا يسمعون بها. أولئك كالأنعام بل هم أضل. أولئك هم الغافلون”. الأعراف: 179.

لهم قلوب العضل الصنوبري التي تمرض من ترف الحضارة، ومآكل الشره، وضغوط هموم المدنية الصاخبة السريعة الدائرة بالإنسان الفردي في دوامة الهوس المعاشي. لكن ما لهم قلوب الفقه عن الوحي، ولا آذان الاستماع من الوحي ولا أعين الاستنارة بالوحي.

“أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون” . الأعراف: 179 .

“أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفلها”. محمد: 24-25.

قلوب مطبوع عليها، مختوم عليها، موضوعة عليها الأقفال. أقفال هي صنعتها بعنادها وكبريائها وتفاهتها القردية.

أعادنا الله. حمانا الله. رحمنا الله.