كل يوم يمر على عجز وفشل القوات الأمريكية في تركيع العراق يؤكد أننا أمة قادرة على مواجهة التحدي الأمريكي، ونستطيع رفض واقع الهيمنة المهين، كما أنه يؤكد أنه كان في إمكان الأمة أن توقف هذا العدوان على العراق ذلك البلد العربي المسلم، ويؤكد على أن أمتنا قادرة على وضع حد للجرائم الصهيونية وتحرير المسجد الأقصى وفلسطين، ويؤكد بكل أسى أن جامعتنا العربية لها نصيب الأسد في تحمل وزر دماء أطفال وشيوخ ونساء المسلمين في العراق وفلسطين، لا لشيء إلا لأن الأمة تستطيع أن تفعل ولكنها لم تفعل، ومن العجيب أن الطغاة الأمريكان لا زالوا يهددون باقي أقطارنا العربية والإسلامية قطرا قطرا، ويصرحون بذلك على الملأ وكأننا أمة لا وجود لها، وكأن لسان حال أمريكا يردد مع الشاعر قوله :

إني لأفتح عيني حين أفتحها

على كثير ولكن لا أرى أحدا

فإذا قلنا بعد ثلاثة عشر يوما من بداية العدوان على العراق أنه لم تزل أمريكا عاجزة عن اقتحام ولو مدينة واحدة من المدن العراقية، حتى أم قصر لا زالت تقاوم دون كلل حتى يومنا هذا رغم أنها مدينة حدودية، وأنها صغيرة المساحة، فماذا هي فاعلة لو اتسعت رقعة الحرب لتشمل قطرا آخر من أقطارنا العربية؟ بل وماذا يمكن لأمريكا أن تفعل لو أن دائرة الحرب اتسعت أكثر لتشمل أقطارنا العربية من المحيط إلى الخليج؟ وهل يمكن لأمريكا أن تفعل شيئا لو اتحدت كل دولنا الإسلامية في مواجهتها؟ من الواضح أن الإجابة لا .. لا يمكن أن تقدر على فعل شيء، فلماذا تقبل إذن دولنا العربية والإسلامية أن تنتهك حرماتها واحدة تلو الأخرى دون أن تحرك ساكنا؟ ولماذا تقبل لشعوبها أن تصبح وقودا لآلة الدمار الأمريكية والصهيونية؟

لقد كان في مقدور دولنا العربية والإسلامية مثلا أن تغلق برها وبحرها وجوها في وجه الغزاة الأمريكان، ولو فعلت ذلك لما تمكن الأمريكان من ضرب العراق، ولما تمكن الأمريكان من ضرب أفغانستان من قبل، ولما تمكنوا من تهديد أمن الأمة بكاملها، ولما تمكن اليهود من الفتك بالمسلمين في فلسطين، ولكنها للأسف الشديد لم تفعل شيئا من ذلك، فكانت النتيجة الحتمية أن تكالبت علينا الأمم تكالب الأكلة إلى قصعتها.

وطالما أننا لا نتصور أبدا أن تعلن أمريكا الحرب على العالم العربي والإسلامي جملة واحدة، فقد كان في مقدور دولنا العربية والإسلامية على سبيل المثال أن تهدد مصالح أمريكا في المنطقة وعلى رأسها استخدام سلاح النفط من جديد، كما أن دولنا العربية والإسلامية للأسف الشديد تمثل أكبر سوق تجاري في العالم لبضائع أمريكا وحلفائها، وكان في مقدورها أن تغلق أسواقها في وجه البضائع الأمريكية ومن تحالف معها من دول العالم، وأن تحرم الاستيراد من تلك الدول العدوانية بدلا من أن تقوم بفرض الحصار على العراق الشقيق، ولولا أن دولنا العتيدة أغلقت حدودها في وجه التبادل التجاري مع العراق، ولولا أنها منعت طائراتها التجارية والمدنية من الوصول إلى سماء العراق، ولولا أنها أغلقت أجواءها في وجه الطائرات العراقية لأنقذنا أرواح الملايين من أطفال المسلمين في العراق الذين أزهقت أرواحهم بسبب الحصار الذي فرض عليه بقرار أمريكي ظالم نفذ بأيد عربية وإسلامية.

ويبقى السؤال المشروع لماذا تقبل دولنا العربية هذا الوضع المسيء؟ ويزداد السؤال مشروعية كلما رأينا أن الشعوب تعيش حالة من الثورة والغليان من شدة الغيظ الذي ألم بها لما آلت إليه أمور الأمة من ضعف وهوان لا مبرر له، وإذا علمنا كذلك أننا نملك من الطاقات ما نستطيع به أن نصد أي عدوان على الأمة من أي قوة كانت لو أننا وظفنا إمكاناتنا وملكنا الإرادة اللازمة لتوظيفها دفاعا عن الأمة وكرامتها.

الواقع أن الإجابة على هذا السؤال لن تكون مبررة أو مقبولة على الإطلاق من قبل القائمين على الأمر، والذين لم يجدوا ذريعة أقوى من قولهم ليس في الإمكان أفضل مما كان، ولكن ما ذكرنا من معطيات تؤكد بوضوح أن في الإمكان أفضل بكثير مما كان ومما هو كائن، ولكن للوصول إلى هذا الأفضل لابد مما يلي :

أولا : التوصل إلى مصالحة عامة تشمل كافة أقطارنا العربية والإسلامية، ولقد أثبت التاريخ السابق أنه في ظل وجود الأنظمة الحالية فلن تكون هناك مصالحة أبدا، ولا ندري إن كان السبب في ذلك أحقادا موروثة أم أن هناك قوى خارجية تحول دون حدوث هذه المصالحة، فإذا علمنا أن الأخطار المحدقة بالأمة قد بلغت أقصى درجات التهديد لوجود هذه الأمة فلا أعتقد أن الأحقاد يمكن أن تكون هي السبب، ولكن لا شك أن التدخل الأجنبي أعني الأمريكي هو السبب الحقيقي الذي يحول دون حدوث هذه المصالحة التاريخية وذلك حفاظا على مصالحه، ولو راجعنا جداول أعمال المؤتمرات العربية المتعاقبة لوجدنا أن أول بند يوضع للنقاش في كل مرة هو تنقية الأجواء العربية من الشوائب، وإصلاح ذات البين.

ثانيا : التوقيع على ميثاق من قبل كافة دولنا العربية والإسلامية يحرم التعاون مع أي دولة إذا كان هذا التعاون يمكن أن يضر بمصلحة أي دولة من الدول الموقعة على هذا الميثاق، مع إلغاء أي اتفاقية سابقة تتعارض مع هذا الميثاق.

ثالثا : خلق جو من الثقة المتبادلة وإزالة عوامل الشك التي تفقد القيادات ثقتهم ببعضهم البعض، وقد طالعتنا الأخبار مرارا عن حدوث تسريبات لما يدور من حوار مغلق بين الزعامات حتى في مؤتمرات القمة، ولما كانت هذه التسريبات تنقل إلى أمريكا فإن ذلك يشكل تهديدا للزعماء الذين يتبنون مواقف قد تمس بالمصالح الأمريكية، مما يجعلهم يؤثرون السلامة ولو على حساب المصلحة القومية.

رابعا : إقامة شكل من أشكال التحالف يجمع هذه الأمة في إطار واحد ولو تحت عنوان الدفاع المشترك بما يحفظ ما يسمى بالأمن القومي الذي امتلأت به أدراج المكاتب، أو أن يكون هناك تكامل اقتصادي، والأولى أن نعيد بناء الخلافة من جديد ولكني أرى أن ذلك صعب المنال في ظروفنا الراهنة بسبب عوامل لا تحصى عددا مما يجعلنا نتواضع في تطلعاتنا فلا نبالغ.

خامسا : فرض المقاطعة التامة بما في ذلك قطع العلاقات الدبلوماسية على أية دولة تمثل تهديدا لأي قطر من أقطار هذا التحالف.

سادسا : أن تحتكم دول التحالف إلى كتاب الله في كل تصرفاتها.

إن الدعوة هذه ليست بالأمر المعجز، ولا بالأمر الصعب، وأي نظام يرفض هذه البنود إنما يرفض السعي لاستنهاض الأمة من جديد، وهذا بلا شك سيثير حوله علامات استفهام كبرى، ويبقى الأمر بعد ذلك بيد الشعوب التي لا أشك لحظة أنها تملك مفاتيح التغيير لو عزمت.