الدعاية والتضليل على أشده في الإذاعة والتلفزيون؛ يصوّرون مواطنا عاديا أو مختارا على مقاس الطلب المخزني وهو يعبر عن عواطف جياشة تجاه ما يعانيه العراقيون بسبب العدوان الأمريكي، ويدعو إلى المشاركة في حملة جمع التبرعات من أجل الوقوف بجانب الشعب العراقي في محنته. بل نجد من هؤلاء المواطنين المُوظَّفين في هذه الدعاية المخزنية من يتمنى لو أُتيحت له الفرصة ليجود بروحه في سبيل نصرة إخوانه في العراق.

فالمواطن المغربي العادي الذي يقع تحت تأثير هذه الدعايات يتصور أن هؤلاء المتكلمين في التلفزيون يعبرون عن موقف الحكومة، ويتوهم، بالتالي، أن الدولة المغربية تقف، بالفعل، مع الشقيق العراقي وتُدين العدوان الأمريكي البريطاني الصهيوني، ويظن، تبعا لهذا الوهم، أن حملة جمع التبرعات ما هي إلا جزء مكمّل للموقف السياسي الواقف مع الشرعية الدولية ضد الغزو والاحتلال والقتل والدمار الذي تمارسه قوات العدوان في العراق.

وهذا الذي يتصوره المواطن العادي ويتوهمه ويظنه تحت ضغط الدعاية والتضليل لا أساس له من الصحة، بل هو أسلوب حقير طالما اتبعه نظامنا المخزني لتغطية مواقفه المخزية إزاء كثير من قضايا أمتنا، وعلى رأسها قضية فلسطين.

وهذا الأسلوب يقوم في أساسه على التضليل والنفاق؛ فإيهام الناس بأن موقف الدولة مطابق لموقف الشعب، هو تضليل متعمَّد يرمي من خلاله حكامنا الذين يسيطرون على الإعلام العمومي إلى إخفاء حقيقة موقفهم الخاذلِ الجبانِ، واستغلال مشاعر الناس، بعد تضليلهم، لفرض ثقافة الانقياد والاستسلام والخذلان.

أما النفاق فيتجلى في كون النظام المخزني يسعى أن يكون مع العراق ومع الأمريكان في نفس الوقت؛ وهذا موقف متهافت لا يليق إلا بالجبناء الذين ضربهم الذل والهوان. وهذا الوقف المنافق، وإن كان مفضوحا، فهو مقبول ومحمود لدى السيد الأمريكي الصهيوني، ما دام يبلّغ إلى المقصود، وهو عزل الشعب عن قضايا أمته، وشغله وتضليله بقضايا جزئية- على أهميتها حينما تأتي في سياقها الطبيعي- كجمع التبرعات، وإرسال المساعدات الإنسانية.

كيف يمكن لأحد- إلا إذا كان منافقا كذّابا- أن يقنعنا بأنه مع العراق وهو لا يجرؤ على إدانة العدوان الغادر الظالم الغاشم الذي ليس له من مستند إلا التسلط والتجبر والاستعلاء والبطش والإرهاب بالقوة العسكرية؟

لقد خاطب الملك محمد السادس الشعب المغربي في كلمة قصيرة يوم بدء العدوان على العراق، لكنه لم يقل حرفا واحدا صريحا يُدين أمريكا وحلفاءها المعتدين، ويقف صراحة مع العراق، ولو على الصعيد السياسي.

وعلى هذا النهج الساكت عن الحق، اللاهي في جمع التبرعات، سارت الحكومة على لسان وزيرها الأول. وكذلك فعل مندوب المغرب الدائم لدى الأمم المتحدة حينما تكلم يوم 26 مارس الماضي في الجلسة التي عقدها مجلس الأمن لموضوع العدوان على العراق. للتذكير، فالأمم المتحدة، وعلى رأسها أمينها العام، لا تستعمل كلمة عدوان أو ما يرادفها للتعبيرعما فعلته أمريكا وحلفاؤها- وما تزال- في العراق، بل يستعملون كلمة حرب، وهذا يدل على التبعية الحقيرة التي تردّت فيها هذه المؤسسة الأممية، التي يفترض فيها أن تدافع عن القانون الدولي وتحمي استقلال الشعوب وأمنها وسيادتها.

لم تتضمن كلمة السيد محمد بنونة، المندوب المغربي الدائم لدى الأمم المتحدة، ولو رائحة من التعبير تشير إلى إدانة العدوان ومناصرة العراق.

وفي نفس الاتجاه سار البلاغان الصادران عن القصر الملكي، على التوالي، يومي 28 و29 مارس الماضي؛ فليس فيهما ولو كلمة واحدة تصف ما يجري في العراق بأنه عدوان ظالم على بلد عربي مسلم عضو في الأمم المتحدة، وتُدين الغزاة المعتدين، بل لم يتجاوز البلاغان حدود التعبير عن “انشغال الشعب المغربي بالتطورات السريعة التي تعرفها منطقة الخليج العربي”، والدعوة إلى جمع التبرعات للتخفيف من معاناة الشعب العراقي، والإخبار بالتعليمات الصادرة لإرسال مساعدات إنسانية عاجلة للشعب العراقي الشقيق.

إن الموقف الحقيقي الذي يحتاجه العراق اليوم، وليس غدا، هو الموقف السياسي الشجاع، الذي يقف مع الحق والشرعية الدولية، ويُدين العدوان بلا لفّ ولا دوران.

أما الموقف الإنساني- على أهميته- فيأتي في درجة تالية تابعة؛ فماذا تفيد مساعداتنا الإنسانية ونحن لم نُدن، أولا، ولم نحتجَّ ولم نقف موقفا قويا، سياسيا على الأقل، في وجه العدوان الظالم الذي هو السبب في هذه الويلات التي تحيق بالشعب العراقي، وفي هذا الوضع الإنساني المأساوي البئيس الذي تُجمع التبرعات من أجله؟ ما الفرق، عندئذ، بين مساعداتنا “الإنسانية”، نحن المغاربة المسلمين وبين مساعدات غيرنا من غير العرب والمسلمين، كالهنود والصينيين والكوريين والفرنسيين؟ أين روابط الدين واللغة والتاريخ؟ أين ميثاق الجامعة العربية؟ أين ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي؟ أين واجب نصرة الأخ المظلوم؟

إن المساعدات الإنسانية للشعب العراقي، في هذا الظرف بالذات، شيء ثانوي إذا ما قورنت بالحاجة إلى المواقف السياسية. بل حتى هذه المساعدات الإنسانية لا يعرف أحد شيئا عن الطريق الذي ستتخذه لتصل إلى مستحقيها، وخاصة إذا علمنا أن قوات العدوان ومن يدور في فلكها من دول العمالة والخيانة قد احتجزت آلاف الأطنان من الأدوية والمواد الغذائية التي اشتراها الشعب العراقي بأمواله في إطار البرنامج الظالم المُذل(النفط مقابل الغذاء)، ومنعتها أن تدخل إلى العراق. وقد تناقلت وسائل الإعلام العالمية مؤخرا أخبارا عن منع أربعة بواخر محملة بالمؤن الغذائية من الدخول إلى ميناء أمّ قصر.

فكيف ينوي المغرب المخزني الرسمي إرسال مساعداته “الإنسانية” إلى الشعب العراقي؟ وماذا يعني الحديث، في البلاغ الملكي الصادر يوم 29 مارس الأخير، عن التعاون مع منظمات ومؤسسات دولية متخصصة لإبلاغ المساعدات إلى العراق في أحسن الظروف؟

ولحد كتابة هذه السطور، لم نسمع عن مساعدات دخلت إلى العراق من غير طريق الكويت في الجنوب وتركيا في الشمال، وهما دولتان تابعتان للحلف الأمريكي، بل إن الكويت قد أصبحت مستعمرة أمريكية منذ زمان.

إذن، لعل المغرب المخزني الرسمي ينوي إيصال مساعداته إلى العراق من طريق المحتل الغازي، الذي لا تفتأ الأخبار تتوالى عن جرائمه البشعة التي لا تتوقف ليل نهار. بل إن هذا العدو الغازي المتوحش لا يتردد في استغلال الظروف البئيسة للمدنيين الأبرياء- وهو الذي صنع هذه الظروف عمدا- ليظهر بمظهر المتحضر الذي جاء إلى العراق ليخفف عن شعبه المعاناة ويحرره من قيود البؤس والاستبداد؛ وأمامنا مثال واضح على هذه الوحشية الأمريكية فيما يعانيه العراقيون اليوم في الجنوب، وخاصة في البصرة ونواحيها؛

لقد قام العدو الغازي بتخريب التجهيزات الأساسية التي كانت تؤمن وصول الماء الشروب إلى أكثر من مليون نسمة، في البصرة وما حولها، ثم قام يتباكى على الظروف الإنسانية القاسية التي يعانيها المواطنون بسبب النقص في مياه الشرب، فرقّ قلبه وهاجت إنسانيته فقرر مد أنابيب من الكويت لإمداد ا